رسائل حب في زمن الثورة...

لا يوجد ردود
User offline. Last seen سنة واحدة 5 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 28/02/2011

 قيس و سمارة

    قصة عشق عذرية ذاع صيتها في المدينة

    قصة عشق مؤلمة هادئة مليئة بالنكسات والنكبات والسهر والبكاء,خمسة عشر سنة قبل الثورة بدأ هذا العشق العارم الصامت,عندما تخرج قيس حينها من كلية الآداب,كانت قصة عشقهم قد ذاع في الحارة و حتى في كل المدينة,

رغم ان حبهم كان رمز النقاء والعفاف في المدينة إلا إنه كان سببا كافيا لأن يركب والد سمارة رأسه ويرفض زواجهم,عشرات المحاولات باءت بالفشل,لم يتقدم قيس لفتاة أخرى بعد ذلك,بينما سمارة رفضت القلائل الذين تقدموا لخطبتها

    لعل أجمل فترة في حياة قيس وسمارة ربما كانت عندما حاصر جيش النظام المدينة,في هذا الوقت كانت سمارة قد إنضمت الى فريق الممرضات المتطوعات لمساعدة الأطباء في طبابة وإسعاف الجرحى,بينما قيس كان قد إنضم منذ مترة قصيرة للجيش الحر للدفاع عن أهل الحي والمدينة وبحكم عملهم المشترك يلتقون في أحيان كثيرة,مرات كثيرة تكون بينهم سنتمترات قليلة فقط,يحس كل واحد دقات قلب الآخر,ينتابهم رجفة الشوق تلك,تلتقي عيونم في نظرات خاطفة,فيشتعل حريق الحنين في كيانهم,يتألمون أكثر من أولئك الجرحى الذين إخترقت الرصاصات أجسادهم,ولكن رغم ذلك تكون نارا لذيذة لا يريد كل منهم إطفاءه,فكلاهما فراشة تشتعل في نار معبدها المقدس,تمتلئ نورا وصفاءا بقدسية هذا العشق الصوفي

    قبل ليلة واحدة من إجتياح الجيش النظامي للمدينة,تكلمت سمارة مع قيس للمرة الأولى طوال تلك الفترة,كانت تقف في مدخل باب المستشفى الميداني يظهر رأسها ونصف جسدها الأيسر بينما كانت ممسكة بيدها الأيمن بعارضة الباب الخشبية

    نحن رايحين بكرا لمعسكر اللجوء,لا تنسى الرسايل

    كانت كلماتها مشوبة بغصة البكاء,إلتمعت عيونها خلف طبقة الدمع للحظة قبل أن تختفي في الداخل

    أبو جيفارا شاب ثلاثيني شجاع,حمام زاجل بين الوطن والمنفى,ساعي بريد غير إعتيادي,يحمل الرسائل عبر حقل الألغام وأسلاك الحدود,رسائل الأحبة,رسائل الآباء الى الأطفال خلف الأسلاك,رسائل الأبناء الى الأمهات,المناديل المغسولة بالدموع وذكريات صغيرة

    الرسالة الأولى

    توأم روحي سمارة

    رغم بعدك عني جسدا,إلا أني لم أحس يوما بالحرية مثل الآن,لم أحس يوما بالكرامة والكبرياء مثل هذه اللحظة,أكتب لك بشكل متقطع لأننا نتنقل من مكان الى آخر,أشتاق إليك كثيرا,أنت تعلمين جيدا بأن أحلامي بسيطة جدا,ربما أكبر أحلامي أن أضمك بعمق الى صدري,أن أشم رائحتك,أشم رائحة شعرك,أحس دفء جسدك,أكبر حلم لي أن أعيش في وطن بلا سجون وزنزنات تحت الأرض,وطن بلا خوف,وطن بلا عبيد وسادة,وطن يحقق للإنسان كرامته ويتساوى فيه الأجير والوزير في الحقوق والواجبات

    حبيبتي سمارة,لقد وضعت صورة لعينيك على شاشة هاتفي الخليوي ولكني لا أستطيع النظر إليها كثيرا لأننا في الغابة وشحن البطارية ينتهي بسرعة وليس لدينا وسائل متاحة للشحن,لذلك يجب أن أقتصد في النظر الى عينيك,رغم ذلك أنت تعيشين معي في كياني,أحس بك وأنت تسبحين سمكة من الفضة في دمي,أحسك تسافرين في سفينة روحي وتسافرين في أنفاسي,الى لقاء قريب,تصبحين على وطن,,,قيس

    الرسالة الثانية

    قيس,يا معبدي

    أنا فخورة بك حيث أنت,أنا لم يعد المكان والزمان يشغلني,فأنا أنسجك كل ليلة سجادة من والشمس والألوان في أعماقي,أنسجك وشاحا من صوف الخيال أغطي بها روحي من الغربة والحنين,كنت أنظر إلى أسلاك الحدود طوال الأيام والأسابيع الماضية حتى أصبحت أرى الأسلاك أينما نظرت,عندما جاء أبو جيفارا كاد أن يغمى علي,أبي أصبح حزينا وأظنه يحس بالندم كلما نظر الى وجهي

    قيس,إذا إستشهدت تأكد بأن جسدي الذي تتمنى أن تضمه لمرة واحدة لن يضمه بعدك سوى تراب المقبرة ولن يشم رائحة جسدي سوى دود الأرض بعدك,قيس صورتك الوحيدة التي عندي بهتت ألوانها من دموعي وأنفاسي وقبلاتي

    أرجوك إنتبه لنفسك,لأجلي,كم أتمنى أن أضع رأسي على صدرك ولو لدقيقة واحدة فقط,أنتبه لنفسك من أجل وطن بلا زنازين

    حبيبتك سمارة

    حقول الألغام في المنطقة الحدودية أصبحت أكثر من حقول القمح,القصف العشوائي للمدفعية بين الفترة والفترة على الأماكن المتفرقة,قناصين يصطادون حتى الظلال المتحركة,أبو جيفارا الخبير المحنك بأسرار الحدود يجد دائما ممرا سريا يحمل عبرها حزمة رسائل الثوار الى خارج الحدود ويعود محملا برسائل الأهل,صور الأطفال,ذكريات صغيرة,سلاسل وخواتم قلوب زجاجية يبث مرسليها دفء أرواحهم فيها,يعبر بها الحدود عابرا حواجز الخوف حواجر قناصين الرعب

    الرسالة الثالثة

    ملاكي وكعبة روحي ومحراب فكري سمارة

    سعيد جدا برسالتك,تخيلت أصابعك الرقيقة كشموع الكنائس وهي تخط كلمات الرسالة حرفا حرفا,أحن إليك,أحس بالعطش الأبدي إليك,كل شيء هنا في الغابة له رائحتك,أوراق الأشجار,العشب,والأزهار الصغيرة هنا وهناك تشبهك,حتى الهواء مشبع بك حتى آخره

    ملاكي سمارة,لقد خذلنا العالم كله وخذل هذا الشعب الأعزل في وجه آلة حرب لا تشبع من القتل,أحيانا إستغرب كثيرا كيف لرجل له أطفال ويأمر بقتل أطفال الآخرين,كيف يمكن لنا أن نصفه بأنه إنسان,كيف يغمض العالم كله عينه عن هذا المنطق المريض الذي يبيح قتل مئات الأطفال,أنت تعرفيني جيدا أنا أكره القتل والموت,وكلنا هنا نكره القتل,نحاول قدر المستطاع حماية المدنيين والأطفال والنساء,أحلم بحياة بسيطة وهادئة معك,أحلم ببيت صغير يضمنا أنا وأنت حتى لو كان بلا أبواب ونوافذ,أحلم بوطن بلا خوف,وطن يسود فية العدالة والمساواة,وطنا لا يكون مزرعة لشخص أو عائلة أو مجموعة قطاع طريق

    سمارة يا عمر عمري,سوف نصبر,و أنا وأنت أكثر الناس الذين يعرفون معنى الصبر,كل الشعب سوف يصبر من أقصى الوطن الى أقصى الوطن,فجر الحرية قريب جدا يا سمارة,أضمك الى روحي,,,,,,قيس

    الرسالة الرابعة

    قيس يا معبدي,يا مسجد عشقي الطاهر

    أتنفسك,فأنت رئتي التي أتنفس بها,أخبئك في روحي,وكلما هدأ الليل وآويت الى فراشي أخرجك وأعيد تفاصيلك ثانية,أكتبك على فراغ الفضاء سطرا سطرا,أرسم تقاسيم وجهك في الظلام داخل الخيمة وأشرب الأمل من بريق عينيك,هل تعلم رغم أن خط من الأسلاك الشائكة يفصلنا عن تراب الوطن,إلا أنني أحس بتلك الغربة المؤلمة,أحس بذلك البرد العجيب يتسلل الى عظامي,أقف أمام أسلاك الحدود لساعات,أحس بأن حتى التراب في الطرف الآخر مختلف,حتى العشب في الطرف الآخر أجمل,حتى الزهيرات النابتة على مقربة الأسلاك الشائكة لها سحرها الآخر المميز

    قيس يا محرابي,يصيبني الدوار والإقياء كلما سمعت الأخبار من داخل الوطن,لقد رأينا على التلفاز تلك المجزرة البشعة التي إرتكبها النظام,عشرات الأطفال الصغار مذبوحة بالسكاكين كالعصافير,أحس بالرعب,لاأستطيع أن أستوعب هذه المناظر الرهيبة,أية بربرية وهمجية تلك التي تذبح الأطفال كالخراف,والعالم صامت صمت القبور يا قيس,لم أعد أفهم هذه الغابة التي ندعوها المجتمع الإنساني لم أعد أفهم كل هذا,إنتبه الى نفسك أرجوك,روحي كلها أياد أضمك بها الى صدري,,,,,,حبيبتك سمارة

    يا أسلاك الحدود,يا قامة المعدن,لنا خلفك أحبة تشتاق إليهم أرواحنا,لنا هناك شارع وحارة,لنا جيران وأصدقاء إشتقنا لهم,إشتقنا لأحاديثهم ورائحة قهوتهم,لنا خلفك وطن جريح يحترق,وشعب طيب يتوق الى الحرية والخلاص,لنا خلفك وطن يحصد الموت أزهاره من الحدود الى الحدود

    بالله عليك يا قامة المعدن قل لي,متى تشرق الشمس في بلادي,متى تهدم الزنازين وتزرع في أماكنها حدائق وورود,ويبنى مواضعها أفران وروضات أطفال ومدارس,يبنى مواضعها مكتبات ومساجد وكنائس,بالله عليك يا قامة المعدن

    وأنت يا أبا جيفارا,يا رسولا بين الغيم والغيم,ملاكا بأجنحة محترقة بين اللغم واللغم,فراشة قدرية على أصابع القناصين وزناد الموت المباغت,يا مفتاح أبواب النوم للعيون المنتظرة ,عيون الأمهات والأطفال وعيون الأحبة,يا دليل الغرباء الى الراحة والأمان في برد ليلتهم,عجل بخطاك في دهاليز الديناميت المستيقظ,عد سريعا,ولكن إنتبه,فكلنا ننتظر حقيبة رسائلك التي لا تقدر بثمن,ننتظر أخبار من نحبهم هناك,ننتظر خرائط الأقدار المرسومة بشذرات الروح على أوراق الغيب

    تمر الأيام والأسابيع الطويلة وأبا جيفارا لا يأتي,سمارة أصبحت تعرف عدد الأشواك المعدنية على الشريط المعدني,تغيب لساعات وهي تتأمل الأفق هناك وأبا جيفارا لا يأتي

    يمر شهران,الأطفال يقفون عن اللعب,يقبضون بالأيادي الصغيرة على الأسلاك السفلى من الحدود,ينظرون الى المكان اللامكان,يحسون بالحنين الى الآباء وأبا جيفارا لا يأتي,الزوجات والأمهات يخبئن خوفهن,حزنهن,قلقهن في حدقات العيون

    شهران وسبعة عشر يوما ,ظهر أبا جيفارا ثانية كالساحر من خلف الحدود خفيفا واثقا كعاته,وهو يحمل حقيبة الرسائل على ظهره,هرع الأطفال صوبه مطلقين هتافات الفرح العالي يعقبهم النساء الحائرات,كان قلب سمارة يدق عنيفا,وقفت على مسافة ليست بعيدة كما تفعل دائما

    أخذ الجميع رسائلهم وسمارة تنتظر,أعطوا لأبا جيفارا الرسائل الجديدة وسلاسل الموسومة بآية الكرسي وصور وقلوب من الزجاج الصارخ,أحجيات و تعويذات

    بعد أن إنفض الجمع من حول أبا جيفارا,وقف ينظر عميقا الى سمارة وقد إمتلأت عيونه بالدموع,ثم تابع طريقه ثانية صوب أسلاك الحدود

 عثمان حمو