ماهية السلطة اتجاه الانسان...

لا يوجد ردود
User offline. Last seen سنة واحدة 26 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 28/02/2011

ليست المقولة الشهيرة لأحد الفلاسفة الإنكليز، على حق دائماً. ليست مقولة "السلطة تُفسد صاحبها، والسلطة المطلقة تُفسد صاحبها تماماً" دائماً على حق.
دعونا ننظر للأمر من مقام مختلف، ورجاءً... رجاءً لنكُن صرحاء مع أنفسنا، فالصراحة راحة والحقيقة دائماً تجرح سامعها، لكن ما العمل؟ إنها الحقيقة وليس ذنب قائلها.
إن كل إنسان نفسه تغلي بالعنف والحقد والكراهية والغضب والطمع، لكنه لم يعثر بعد على سلاح السلطة، سيبقى قديساً، سيبقى متلحفاً متخفياً تحت رداء الصالح الطيب القديس. فلأجل أن تُعلن عن عُنفك وتُفرِّغ حقدك، أنت بحاجة لسلطةٍ ما تملكها بين يديك... لأجل تحقيق مطامعك وإرضاء جشعك أنت بحاجة لسلطة من نوعٍ ما... ولأجل تفريغ شهواتك واتباع زلاتك أنت بحاجة لنوع من السلطة.
 
لذا وحين تلاقي السلطة وجهاً لوجه في إحدى الغابات التي تسلكها بحثاً عنها... حين تقتلع السلطة بشوكها فلا زهور عليها، وتمسكها في يديك، ستبدأ الكلاب النائمة داخلك بالنباح وسيعلو نباحها شيئاً فشيئاً. السلطة هي العظام والطعام الذي تتغذى عليه الكلاب التي تحيا بداخلك كاتمةً صوتها لأن الناس سوف ترجمها لو كانت يديك خاليتين من السلطة... مع السلطة ستتجرأ وتبدأ بالإعلان عن نفسها فيصل للناس صوتها. ليست السلطة من أفسدَك، بل أنت الفاسد منذ البداية. السلطة ساعدتك على إظهار فسادك وإخراجه من العتمة إلى النور، من السريرة إلى العلن. لعلك أردتَ قتل أحدهم يوماً ما ولكنك لم تستطِع لأنك لم تكن تملك أي نوع من أنواع السلطة... ولعلك ستُقدِم على قتله إن لاقتك السلطة وسنحَت لك الفرصة.
إن السلطة ليست سوى وسيلة تمنحك الفرصة لفعل ما تريد فعله، لتعبِّر عن مكنونات نفسك ودواخل سريرتك.
 
فالسلطة بين أيادي أناس مثل بوذا والنبي محمد ويسوع لن تكون فاسدة، بل على العكس من هذا. السلطة بين أيديهم ستكون جسراً تعبر عليه البشرية نحو الوعي الأعلى. والسلطة بين أيادي أناس مثل جانكيز خان، سوف تدمر البشر، وتغتصب النساء وتحرق الناس وهُم أحياء. لقد تم إحراق قرى بكاملها دون السماح لأهلها بالخروج منها. ما حدث ليس ذنب السلطة... إنه ذنب جنكيز خان... ذنب كيان يحوي بداخله كل هذه الرغبات المريضة والعاهات.
 
هل شاهدتَ المطر يهطل يوماً فيبدأ النبات بالنمو؟ نباتات مختلفة تبدأ بالنموّ لكنها مختلفة وأزهارها ستكون مختلفة. وهكذا السلطة، مثل المطر... أياً ما كان مخبّئاً مخفيّاً في حنايا نفسك وفي زوايا عقلك، موجود كبذور في تربة لم يروِها المطر بعد. وحين تأتي السلطة لتروي تربتك فسوف تنمو نباتاتك وتُزهر قدراتك التي بداخلك، فقد جاءت فرصتك. لكن البشر يحيون حياة لاوعية بنسبة 90 بالمئة، لدرجة أنهم وإن وصلوا إلى السلطة، تبدأ غرائزهم الساكنة لاوعيهم بنيْل فرصتها في الظهور لإشباع نفسها. عندها هُم لا يهتمون... سواء قتلت غرائزهم إخوتهم البشر أو قضَت على إخوتهم البشر أو أوصلَت إخوتهم البشر إلى مجاعة وبطالة ومهانة، فالأمر لا يخصّهم وليس من شأنهم.
 
لقد تمّت إساءة إستخدام السلطة منذ فجر التاريخ وإلى اليوم بسبب رغبات بشرية قبيحة متجذرة في الإنسان... بسبب رغبات ورَثها الإنسان من الحيوان.
الفساد موجود... السلطة تحوِّل الفساد الراكد إلى فعل... لكنه ليس ذنب السلطة بل ذنب صاحب الفساد. السلطة في يد الإنسان الواعي البريء نعمة، وفي يد الملعون المنافق الماكر نقمة.
والسلطة ليست بالضرورة مقاماً عظيماً في المجتمع، فكل إنسان يستخدم مكانه الإجتماعي كأداة للسلطة يعبّر بها عن مرض معين في نفسه. لعلك تكون عامل يجبي الوصل من راكبي الباص مثلاً... وأنت تجول داخل الباص محاولاً أخذ الوصل من أحدهم، قد تجده يجلس في مكانه وعينيه تنظران من النافذة محاولاً تجاهلك وعدم النظر إليك، وملف عمله أو حقيبة عمله المهمة في حضنه تعبر في نظره عن مدى أهميته، ثم يرفع يده بالوصل نحوك دون أن ينظر إليك... إنه يستخدم سلطته عليك... سلطته التي تعبر عن أمراضه وجروحه وقبحه الداخلي.
قد تذهب إلى شركة خاصة لمقابلة مدير عمل أو رجل أعمال، وليس بالضرورة رجل أعمال، بل أي سكرتيرة شخص مهم، وسوف تُشعرك وكأنك أمام رئيس جمهورية... أينما كنت فسوف تواجه نوعاً من أنواع السلطة والتسلّط.
 
بعض علماء النفس يقولون بأن الناس التي تخشى المنافسة الشديدة في الحياة والوصول إلى السلطة، تلجأ إلى اختيار طريقة أسهل: يختارون أن يصبحوا معلمين في المدارس. داخل المدارس أطفال صغار بإمكانك قمعهم وفرض سلطتك والسيطرة عليهم. بإمكانك ضربهم حتى، برغم من أن هذا عمل لا أخلاقي لكنه يحدث أحياناً في المدارس.
 
حتى الأهل يقومون بذات اللعبة ويحاولون استغلال سلطتهم وفرض سيطرتهم على الأولاد.
حدث ذات مرة أن قام والد بتقييد إبنه لمدة عشر سنوات. أبقاه مقيداً مربوطاً بعمود لمدة عشر سنوات داخل البيت. لقد أصبح الصبيّ أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان. لم يعُد بإمكانه الوقوف وأصبح يمشي على أربعة، ولأن والده قام بإجباره على العيش في الظلمة فقد فقَدَ الصبيّ بصره.
حتى الآباء يستخدمون السلطة...
المجتمع بأكمله مريض وبحاجة إلى علاج... فكل من يستخدم السلطة لقمع الآخر، لتحجيم الآخر والسيطرة عليه هو مريض وبحاجة إلى علاج...
الآباء يستخدمون السلطة في البيوت.
المعلمون يستخدمون السلطة في المدارس.
الأزواج يستخدمون السلطة في المنازل.
الزوجات يستخدمن السلطة في البيوت.
السياسي يستخدم السلطة في الوطن.
لا يهم أين أنت، فسوف تجد سوء إستخدام السلطة في كل مكان.
 
لو طرقَت البشرية باب العلم الحقيقي، علم البدن والتدين والكيان... لو فهمَت البشرية الجذور النفسية العميقة وبدأت بتحويل لاوعي الإنسان وظلامه حتى تموت كل بذور العنف والجشع في تربة عقله قبل نموها وولادتها، فعندها سيستمر مطر السلطة بالإنهمار لكن لن تكون هناك أزهار فاسدة حتى تنمو وتكبُر.
ولا يمكنك أخذ السلطة من أيادي أصحابها، سيمنعوك قبل أن تحاول.

لكن هذا اليوم العظيم لم يأتي بعد. وكل من يحاول أن ينادي بصوته على هذا اليوم العظيم، داعياً إياه حتى يأتي فقد طال الغياب وطال الإنتظار، ستجد أصحاب السلطة ضده يحاولون صدّه.
لقد سألوا الحكماء مراراً وتكرارً: لماذا جميع البشر ضدكم؟ يحاولون رجمكم وصلبكم وقتلكم؟
والجواب بسيط...
جميع الأمم دون استثناء بطريقة أو بأخرى مهووسين بالسلطة، فهي بابهم لتفريغ أمراضهم وتزيين قبحهم بقبح تستره دواهي العقول... والحكماء يحاولون جعل الإنسان نهر من القداسة والسكون... حقل من الصمت وعبير الزهور... وسماء من المحبة والنشوة ساطعٌ في أرجائها النور.