دعوني أحدثكم عن المحبة...

رد واحد [اخر رد]
User offline. Last seen سنة واحدة 26 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 28/02/2011

 المحبة لوني ولغتي وديني فالدين هو المحبة، أن تحب لأخيك الإنسان ما تحب لنفسك وماعدا ذلك مجرد أفكار وهمية تمسّك بها العقل لأنها منحته هوية... ما عدا ذلك رياح هبّت وأحنَت بقسوة أزهار قلوبكم الطيّبة الطريّة. دعوا المحبة تنمو في أعماقكم وفي صدوركم فتصبحوا من الله أقرب وتصبح نفوسكم هانئة مرضيّة، فالله عبق المحبة يعطّر معبد القلب، والمحبة هي الجسر الوحيد الذي تعبر عليه نفس الإنسان حتى تصل إلى محراب الخشوع.

    لقد أساء معظم الناس فهم معنى الله عبر الأزمنة فاعتقدوا أنه شخصٌ ما يجلس في مكان ما في السماء... لا يا إخوتي... لنرمي هذه الآراء الطفولية فالله ليس شخصية بل حضرة وألوهية، نهر ينهُر وحدث يحدث وحيّ يحيا في كل حيّ. الله ليس شخصاً فلا تبحثوا عن أب في السماء فالقداسة الإلهية وسعت الأرض والسماء. وحين أخبركم بأن القداسة الإلهية تملأ السماوات والأرض فأنا أعني أن الله يملأ كل موجود في هذا الوجود، الله في كل شيء موجود... في خرير مياه الأنهار، في اخضرار أوراق الأشجار، في زقزقة العصفور وعبير الأزهار، في العلن والإسرار واختلاف الليل والنهار. الوجود مقدّس مُفعم بالألوهية... إبتسامة طفل صغير، الورد والزهر والريح والعبير. أنظروا بعين الشهيد البصير لتروا بأن لا وجود إلا لله ولا تسألوا أين هو الله... الله لا يعرف مكان ولا زمان ولا عنوان... الله ليس بلقب ولا بذات محدودة، الله حقيقة موجودة... الله كليّة الوجود، الله هو الكونية.

    لا تسألوا في أيّ مكان يوجد الله بل اسألوا في أي مكان لا يوجد الله فوحده هو السؤال الصحيح. لكني أعذركم لأنكم لم تسألوا السؤال الصحيح بعد. لكني أعذركم فعليكم أن تحرثوا تربة القلب لتزرعوها محبة وترووها عدلاً حتى ينمو بداخلكم السؤال الصحيح ويكبر. ومن ملأت المحبة قلبه ملأ الله الوجود من حوله، فالله والمحبة متوازيين متناغمين، وجهين وإسمين لذات الحقيقة والمعنى... الله والمحبة وترين في آلة موسيقية واحدة، ولحنين في السيمفونية ذاتها.

    الله هو صدى الوجود يردّد نشيد المحبة الذي تغنّيه القلوب.

    وحدها المحبة قادرة على توحيدنا وجعلنا وحدة واحدة وليس اتحاداً واحداً فالإتحاد نتاج فكر تتوائم فيه التوجهات دون أن تتناغم القلوب، تتوافق الآراء دون أن تتوحّد الأرواح. الوحدة تعني الوصل الروحي. الوحدة تعني أننا جميعاً في هذا الوجود إخوة، أنا مرآة لك وأنت مرآتي، أنظر إليك فأراك وأرى نفسي وتنظر إليّ فترى نفسك وتراني. الوحدة تحلل وذوبان وليست اعتصام أو انضمام، الوحدة تآلف بين الأرواح حين يستسلم الكلام، أما الإتحاد فيوحّد مصالح العقول والجيوب فيولد التأييد والشعارات وكل أنواع الكلام.

    لتكن المحبة شعارنا فمن أحَبّ عرفت نفسه وحدة داخلية، من أحب عانقت أفكاره قلبه وعانق قلبه كيانه فأصبح وحدة واحدة أبدية، كيان كوني لا إسم له ولا هوية فالمحبة أكبر من أن يحدّها تعريف أو لقب أو إسم أو نظام. وبعد الوحدة الداخلية وحدة خارجية. بعد الوحدة الداخلية ستعزف أوتارنا لحنها في تناغم مع لحن الوجود فيحلّ السلام بعد أن تختفي قطرة الماء في المحيط. عند هذا المقام وفي أحضان هذه النشوة الكونية مع الوجود نحن جميعاً مستنيرين وحكماء وأولياء وقديسين. عند هذا المقام وفي أحضان هذه اللحظة يُكشف عنّا الحجاب فنعلم أننا مسيح آخر (قال المسيح: أنا أتيت لتكون أنت مسيحاً آخر). لطالما عاش هذا المسيح والمستنير والحكيم بداخلنا جميعاً لكن الغفلة حجبت نور الرؤية ومع المحبة عادت لنا الذكرى.

    أحبوا بعضكم واملأوا الوجود محبة، فالمحبة دين الوجود لا السنية والشيعية والمارونية والكاثوليكية والبوذية واليهودية والهندوسية، بل المحبة. المحبة بدون صفات، المحبة بدون ألقاب. وكيف للمحبة أن تكون شيعية أو سنيّة أو مارونية أو بوذية؟ ما بالنا كلما مرّ علينا الزمان ازداد جهلنا ونسياننا؟ في المحبة أنتم مسيح آخر، أنتم بودا آخر لكن لا وجود لمحبة مسيحية ومحبة مسلمة ومحبة بوذية. على العكس تماما، في المحبة لا وجود لنا حتى، فالمحبة تواضع وانحناء وخشوع وزهد وتسليم، فمَن سيحمل الهوية؟ إن لم تكن أنت موجوداً فهل من وجود لأفكارك؟ هل من وجود لحاجز بينك وبين البشر إخوانك؟ حاجز نما بداخلك وأذبل بجفاف أنهاره جميع أزهارك؟.... العقل يغيب برغباته وأحلامه وعقائده ونظرياته وآراءه وكتبه حين تشرق شمس المحبة، حينها يحل السلام داخل نفوسنا وتنشرح صدورنا.

    رسالة الأنبياء أتت لتزور المحبة أودية النفوس الحزينة ولأجل أن تروي المحبة صحراء القلوب الجافة... رسالة الأنبياء بسيطة خبّأت وراء كلماتها معنى المحبة، وعميقة بعيدة عن فهمنا قدر جهلنا للمحبة.

    خير الكلام ما قلّ ودلّ لذا لم يتحدث الحكماء كثيراً ولم يشرحوا ولم يضعوا للحقيقة كتباً ولا تفسيراً، وكيف لمَن عرف الحقيقة في روضة الصمت أن يمسك بيَدها ويمشي بها إلى غابات الكلام حتى يلاقينا؟ لن نلقاه فقد ضعنا في غابات الكلام ولم نعد نفهم شيئاً فكلّ له تفسيراته وحجّته وبرهانه. لن نلقاه في غاباتنا، لن تصلنا رسالته ونحن بين أشواكنا... لنمشي إليه ونُمسك يديه وندَعه يأخذنا معه إلى روضته وجنّته.

    في يوم من الأيام دعا ملك إلى قصره أحد الحكماء ليحدثه عن الصمت. اجتمعت الحشود لتحضر اللقاء المنشود وتسمع كلاماً سيتحفهم به الحكيم ويجود. وصل الحكيم... وقف قليلاً، نظر إلى الملك ووزيره وإلى الحشود ثم استدار وغادر القصر ورحل. لم يصدق الملك ما رآه، أصابته الدهشة فسأل وزيره عمّا حدث، ولمَ غادر الحكيم ورحل دون أن يقول شيئاً؟ ما هذا العبث؟ اجتمعنا لنستمع إليه لكنه نظر إلينا بعينيه وغادر دون حتى أن نمدحه أو نثني عليه. رد الوزير والإبتسامة على شفتيه: قد كانت أعظم خطبة سمعتها في حياتي، لقد قال وقال وأطال الكلام حين وقف ونظر دون أيّ كلام. لقد أطال الكلام بصمته وما صمته سوى تحية لنا وسلام. ما صمته سوى ما أردته أن يعلمك إياه. أردته أن يحدثك عن الصمت فيا لعذْب حديثه. لكنك ظننت أنه سيحدثك عن الصمت بالكلام... ليت الأمر كان سهلاً فكيف للصمت أن يبوح سرّه بالكلام؟ كيف للمحدود أن يحوي ما ليس له حدود؟ وكيف للكلمة أن تحكي عن الله؟ وكيف ظننت أن الله موجود في الكتب والدواوين وأن الكلام يساوي روح الدين؟

    وهكذا... ما إن تقول شيئاً عن الله، عن الصمت حتى تصبح عن حقيقته بعيد وجهلك لما تختبره النفس في حضرة الله والصمت شديد. وقد قال الحكماء بأن لا كلمة بإمكانها أن تصف الله... فمجرد النطق بالكلمات يبدّل الغايات ويحوّل الحقيقة التي ينبض بها القلب إلى فلسفة ومعتقدات. الله هو الصمت الحيّ الأبدي... هذا الصمت هو صمت الحدائق والرياض ينتشي بالحياة... ترى الأزهار في الرياض جميلة حيّة وفي الوقت ذاته تسمع نفسك صدى الصمت فتلقي تحية السلام.

    دعوني أخبركم بحكايتنا... جميعنا حكماء ومستنيرين وقديسين قبل ابتداء الأوقات وقبل السنون والساعات فنحن وكل موجود نفحات نورانية من روح الله... وحده الله له الملك والوجود والحكمة والمشيئة وما قبل الإبتداء وما في الحياة وما بعد الإنتهاء. ودعوني أذكّركم بأنني حين أقول الله فأنا أعني الألوهية، أعني النهر الذي ينهُر والحدث الذي يحدث والنبع الذي لا ينضب. أعني القهار والغفار والوهاب والرزاق والخافض والرافع وما هذه الأسماء؟ إنها رموز للحدوث الكوني، للنهر الذي ينهُر والحدث الذي يحدث والنبع الذي لا ينضب.

    إنها حكاية الثلج والماء. جزء من الماء يعرف ما هو الثلج فلا اختلاف بينهما وفي الوقت ذاته ترى العين اختلاف. حين تذهب لشراء الثلج فإنك لن تطلب الماء، ستطلب الثلج. إذاً هناك اختلاف ومع ذلك فالاختلاف لا يوجِب الخلاف بين قطرة الماء والمحيط فهو مجرد اختلاف بسيط. نعم مجرد اختلاف بسيط فالثلج سيذوب ويتحوّل إلى ماء والماء يتجمّد ويتحوّل إلى ثلج. دعوني أخبركم بأننا نحن الثلج والحكيم والنبي والمستنير هو الماء. نحن داخل أفكارنا الثابتة وعقولنا المتحجرة متجمدين، والحكماء ذابوا وتحللوا وتوحدوا مع الوجود فعاشوا في نعيم ورضى وقناعة للمشيئة الإلهية مستسلمين (من الإستسلام وُلِدت كلمة إسلام). ودعوني أذكّركم بأن المحبة هي سبيلنا الوحيد للفناء والإنسياب والتوحد مع الله. دفء المحبة يُذيب جليد القلوب وبدون المحبة تبرد القلوب فتهجرها الملائكة بحثاً عن قلوب دافئة. ولابدّ وأنكم شاهدتم وأحسستم بما أقوله لكم في حياتكم... فمتى أحببْنا وجدنا قلوبنا دافئة ونفوسنا هانئة راضية تستقبل الحياة بابتسامة وتعانقها بفرحة، فمع الدفء تنساب القلوب ومع الإنسياب يصبح النور جمالاً يزيّن الوجوه. متى أحببنا فتحنا للحياة قلوبنا وانسَبْنا كالماء فأصبحت قلوبنا واسعة شاسعة تسَع الأرض والسماء. ومتى نسينا المحبة هجرنا الدفء وهبّت ريح باردة حاصرَت قلوبنا فشعرَت بالبرد وأغلقت أبوابها ونوافذها وابتعدت عن الحياة ومنافذها. متى نسينا المحبة أصبحت قلوبنا باردة فشعر من حولنا بالبرد، بالنفور وقرر الهرب على الفور. تنظر في عيون بعض الناس فتجدها باردة وتشعر بالغربة، غربة الغريب، تصمت وتتراجع وتحاول الهروب دون عودة. وبعض الناس تنظر في عيونها الدافئة فينتابك شعور لطيف بأنك قريب، أنك في بيتك ووسط أهلك.

    إذاً فالإستنارة والحكمة أو ما تسمونه يا إخوتي بالتدين أو الدين ليس سوى ذوبان الجليد وتحوّله إلى ماء. ذاب الجليد... وقعت الأقنعة والألقاب والطوائف والمذاهب والجنسيات وزالت الحدود... باختصار أيها المختار لم يعُد لك وجود لأنك تحللت وانمزجت في الله الواحد الموجود. وقع عبء الهوية المزيفة عن كاهلك وتعرفت على هوية كونية لا تعريف لها ولا حدود. هل عرفتم ما هو المانع الآن؟ ما هو الحاجز؟ كل معتقد في الرأس ومفهوم هو حاجز لأنه يقول أنا وأنت، لأنه لا يفهم معنى كلمة نحن. لهذا متى شاهدتم حبيبين وعاشقين في لحظة دافئة فإنكم لن تجدوا شخصين، لن تجدوا هويّتين ولا لقبين أو مذهبين. لا وجود سوى لطاقة واحدة أسرت قلبين ووحّدَت وجمَعَت روحيْن. وفي لحظات الحب العميق يحدث الوصل ويرحل الفصل فتنسى المرأة أنها امرأة وينسى الرجل أنه رجل واعلموا أنه ما لم تأتِ هذه اللحظة فأنتم لم تذوقوا طعم الحب بعد.

    جميعنا يختفي ويتلاشى في لحظات الحب العميق وماذا أعني بالإختفاء؟ سقوط القناع واللقب والمهنة والطائفة والأسماء وغيرها من أسامي صدقتم وآمنتم أنها هويتكم أو أنها أنتم. جميعنا يختفي ولكن تبقى الحضرة في غياب الحضور. تبقى الحضرة وترحل ذات الحضور. الذات أو الأنا التي تتغذى عليها عقولكم والتي أخبركم جميع الأنبياء والحكماء بأنها سبب كل همّ وشقاء. هذه الأنا هي الحاجز بينكم وبين استنارتكم، بينكم وبين تدينكم.

    إحساس كل فرد منكم بأنه فكر موجود، بأنه مهم وله مبدأه وجزيرة أفكاره ومعتقداته التي تميزه عن غيره يجعله قطعة باردة من الثلج. ومع اختفاء هذه الأنا تختفي مشاكلنا ويذوب الجليد.

    دعوني أقترب منكم أكثر وأخبركم بحقيقة أجمل وأكبر.

    يملك الإنسان ثلاثة أجساد أولها ما أطلق عليه الحكماء والعارفين بالله إسم جسد الحق، أو الألوهية فلا شكل ولا صورة له بل فناء... وإن شئتم فلتسمّوه بالذات الكونية أو الذات الإلهية. الجسد الثاني هو جسد النعمة، جسد كالماء في انسيابه وهو جسر يصل الأول بالثالث، وإن شئتم سمّوه بالروح. أما الجسد الثالث فهو هذا الجسد المادي الجامد كالجليد. هل لاحظتم رقم ثلاثة؟ وفهمتم سرّ تكرار الدعاء ثلاثاً؟

    في حالكم هذا أنتم لا تعرفون سوى الجسد المادي، ومن لم يتعرف على جسد النعمة فلن يعرف نفسه ولن يعرف الجسد الإلهي الذي نفخ فيه الله من روحه، لن يعرف الله. وما الثلاثية في المسيحية سوى رمز لهذه الأجساد: الأب والإبن والروح القدس. وما التريمورتي في البوذية أو وجوه الله الثلاثة سوى رمز لهذه الأجساد. على الجليد يا إخوتي أن يذوب ويتحوّل ماءً ثم يتبخّر الماء ويتجلى فناءً.

    هل لاحظتم؟ للثلج حدود لكن الماء لا يعرف قيود يأخذ كل الأشكال والأحجام ويتدفق دون أن تحدّه حدود. الماء لا يقف في وجه التيار ولا يعلن حرباً أو دمار، الماء لا يعرف العدوان لذا لا يقاتل بل ينساب. إنسان الرحمة والمحبة هو كالماء في انسيابه، يتكيّف مع جميع حالاته ولا يندم على خطواته ولا يحسب حساباته. إنسان المحبة لا يفرض وجوده، لا يفرض على أحد تجاربه وكلماته. وبعد... فبعد أن تتبخر الماء تتراءى الرحمة من السماء فلا تتمكن حتى من أن تملأ بها كأسك أو تخصّ بها نفْسك. هي الآن جزء من السماء، من الأبدية والأنوار الإلهية.

    جميعنا نهدر أوقاتنا هباءً لأننا سجنّا أنفسنا في جسد المادة، فأصبحنا كرجل آمن بأن جدران منزله هي المنزل نفسه. لا فالجدران ليست المنزل، هيا لندخل ونخطو خطوة أعمق. هيا لنجد ما لا شكل له ولا صورة بداخلنا. هيا لنجد مَن يسكن هذا الجسد، مَن هو أشبه بالفناء.

    جسدنا الأول هو الجوهر، جسدنا الثاني هو الشكل وجسدنا الثالث هو الفعل. إن من يحيا في جسده المادي الثالث يحيا في عالم الفعل، في دوامة ودائرة مفرغة. ماذا سأفعل، ماذا سآكل وماذا سأشرب وماذا سأشتري وماذا وراء ماذا دون أن يسأل لمَ كل هذا. فلا تدعوا حياتكم تُفلت من بين أيديكم وتضيع هكذا. ومَن يحيا في جسده الثاني يبدأ بعيش لحظات من الإسترخاء ويلمح لمحات من جنة فهم الوجود فيرتاح ويبدأ رحلة الفلاح بحثاً عن مفتاح يحلق به على جناح علوم وأسرار نفسه والله هو الفتاح. وهذا ما يحدث أثناء التأمل وأنتم جالسون لا تفعلون شيئاً... راحة مريحة وسعادة غامرة نشوتها غريبة وغير معتادة. ومن أين أتى كل هذا؟ من لا مكان، من لا سبب وحين يختفي المصدر والسبب فاعلموا أنها السعادة الحقيقية والبشائر الإلهية. وبعد... فمن يتابع رحلته على طريق الفلاح يصل يوماً ما إلى جسد الحق، إلى الجوهر، إلى الله.

    عند هذا المقام يختفي الفعل ويختفي اللافعل، عند هذا المقام لا ذكر ولا أنثى ولا ليل ولا نهار فقد اختفت الإزدواجية وبدأتم تدخلون معبد الوحدانية. بدأتم تدخلون لبّ القلوب وجوهر الكون المكنون. هذا الجوهر المكنون يحرركم من أي فكرة أو معتقد أو تعصب مجنون.

    دعوني أعيد عليكم وأخبركم بحكايتنا... جميعنا حكماء ومستنيرين وقديسين قبل ابتداء الأوقات وقبل السنون والساعات نحمل هذا الجوهر بداخلنا منذ حيوات وحيوات.

    بحثنا عنه لحيوات وفي هذه الحياة لسنوات وهو إلينا أقرب من حبل الوريد... بحثنا في كل مكان إلا في أنفسنا. بحثنا في المال والسلطة والشهوة والمعابد والشرائع ومازالت الساعات تمرّ علينا سنوات ولم يخفت داخل قلوبنا صوت الآهات. ولكن الناس لا تبدأ من الداخل فقد تعوّدت على النظر والبحث في الخارج. والخارج شاسع وكبير... الخارج مليء بأفكار وعقائد وفلسفات وآراء فمن سوف تصدقون وبضاعة مَن سوف تشترون وتتخذونها هويةً لكم وبها تتباهون؟

    تأتي الناس كي تراني وتسألني لماذا لم نجد ما وجده الأنبياء والحكماء؟ لقد سافرنا إلى هنا وهناك، إلى الشرق والهند والسند وزرنا الأماكن المقدسة... وبعد، فنحن لم نتغير... فأجيبهم بأن الشرق بداخلكم أنتم والأماكن المقدسة حواها معبد قلبكم فماذا بكُم؟ ما الذي جرى لكم؟ والناس في عصرنا هذا تجري وقد أصابها الجنون... من بلد إلى آخر ومن مطار إلى آخر ولكن إلى أين؟ لا .... فلتتمهّلوا، فلا حاجة لكم لتدخلوا أي مطار ومكان قبل أن تدخلوا أنفسكم وتحلّ عليكم نعمة الفهم والعرفان.

    جميعكم يا إخوتي أباطرة وملوك وأثرياء، فقط أنظروا إلى كنزكم وزوروا أنفسكم قبل أي مكان. أدخلوا أنفسكم ولا تتوسلوا أحداً لمركز أو سلطة أو جاه وتذكروا النبي الذي رفض قصور الجاه وجبال الذهب واذكروا الإمام عليّ الذي رفض قصر الخلافة ولم ينَل أي حصة من بيت المال. الرغبة تخلق الحاجة والحاجة باب للتذلّل لأجل أوهام، لأجل أوهام يحاول المجتمع أن يصوّرها حقيقة وما أسرع عقولكم في تصديق الأوهام وما أسعدها وأهنأ عيشها في قصور الأحلام وما أكثرها استمتاعاً بالمديح وعذب الكلام.

    الرغبة تخلق الحاجة والحاجة باب للتذلّل لمجتمع لم يعرف أفراده أنهم خليفة الله بعد، لذا أخبرنا الإمام عليّ أن من اشتاق إلى الله سلَت نفسه عن الرغبات. الرغبة تخلق الحاجة والحاجة فقر ومن أكثر فقراً من إنسان مثل الإسكندر الأعظم فيا لعظمة حاجته ورغبته ويا لفقره. يا لفقر نابليون بونابرت ولائحة الأسماء طويلة ولا تنتهي. أنظروا إلى أغنياء وأثرياء العالم أجمع، أنظروا بعمق وسترون أنهم جميعاً فقراء، سترون الفقر وجد ألف قناع وقناع يختبىء وراءه. وامشوا في رحلة الحياة وستجدوا فقيراً جالساً تحت شجرة يملك من الحكمة ما لا يملكه إنسان فتجلسون بجانب هذا الثري لتهنىء نفوسكم وتنهل وترتوي من نبع لا ينضب وثراء لا ينتهي. قد لا يملك هذا الرجل شيئاً ولكنه يملك كل شيء لأنه ملَك نفسه.

    لنملك أنفسنا، ونكون أسياداً على رغباتنا وأفكارنا لا بالفرض والإجبار بل بالعلم والتأمل والحوار، وعندها نحن نملك كل شيء فليس الغنى لمن ملك أشياء إنما الغنى لمن ملك نفسه وعرف أن الفناء مصير هذه الألعاب الدنيوية وهذه الأشياء. واحذروا فقد نتوهّم التغيير وأن كل فرد منّا على درب الله يسير، وبدلاً من امتلاك شيء نسعى لامتلاك شيء آخر، ربما علماً ماورائياً أو عالماً آخر بعد الموت فنظنّ أننا ملَكنا الحقيقة والحقيقة أننا لا نزال نحن، فقراء وقد غيّرنا ما نملكه. غيّرنا الشكل وليس المضمون، المبنى وليس المعنى، رغبات الأجساد وليس ما في صدور العباد. أحدنا كان يسعى لامتلاك المال وها هو الآن يسعى لامتلاك الفضيلة والإبتعاد عن الرذيلة حتى يعلو صيته وتتحسّن بين الناس سمعته. وما هو الفرق؟

    لذا فاحذروا إخوتي ولا تفرضوا التغيير على أنفسكم من الخارج، لا تبدّلوا الأسماء ويبقى حالكم في الداخل جامداً دون حراك. تغيير الحال هو الأمر الفعّال وليس الأحوال، كيف الحال؟ ولا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. أحدكم يطمع في المال، وآخر يطمع في الله وهل من فرق؟ لازال الجنون موجوداً، لازال الطمع موجوداً والطمع جنون. لا يهم بماذا تطمع، في جنة أم في قصر، ما يهم أنك لاتزال تطمع فالطمع واحد وفعله في النفس البشرية واحد.

    إن سعيَنا وراء السعادة لهو أشبه بسعي سمكة في البحر خلف الماء. السعادة بداخلنا ولكن توسّلها من أي إنسان وفي أي مكان أصبح عادة وعبادة.

    دعوني أخبركم عن درب الجهل المظلمة.... ما هي؟ ما هي سوى ظلام فوق ظلام وغيوم تلبّد السماء كلما نظرتم خارج النّفس والكهف المحفور في لبّ القلب. كلما نظرتم خارج كهف القلب كلما ابتعدتم عن الدرب وضللتم طريق الرب. لن تروا سوى ظلام فالنور بداخلكم أنتم. وكلما اقتربتم من نور أنفسكم كلما ازداد النور حتى وصلتم إلى معنى الإستنارة. لهذا ندعو من وصل وبالله اتصل بالمستنير أي من رأى نور نفسه بنفسه. نور أبدي لا ينضب، نور ملأ السماوات والأرض. ستتعب الشمس يوماً ما وتنطفىء، ستتعب النجوم يوماً ما وتختفي وسيتعب القمر يوماً ما ويفنى. وحده هذا النور باقٍ إلى الأبد حيّ لا ينام في كل إنسان حيّ مع المدد والصمد والأبد مصدر هذا النور.

    دعوني أحدثكم عن الولادة والموت....

    وما الولادة سوى نطفة ثم جسد ثم وهْم بأنكم هذا الجسد. وما الموت سوى خيبة أملكم بأن كل ما بنيتموه، ما أنجزتموه لأجل إسعاد هذا الجسد ها هو الآن يتلاشى أمام أعينكم. ها هو الموت يسلبه منكم. من استنار هو من تحرر من دائرة الولادة والموت والمفتاح لتحلقوا على جناح هذه الحرية يكون بالتحرر من قيد الجسد. لستم بجسد ولستم بالرغبة والشهوة والمأكل والمشرب فهناك المزيد. التحرر من دائرة الولادة والموت يكون بالتحرر من الجسد الأول، جسد المادة والتحرر من قيد جسد المادة يكون بالتعرف على الجسد الثاني، جسد النعمة. والسؤال المهم يا إخواني ليس كيف نحرر أنفسنا من قيد جسد المادة، بل كيف ندخل في جسد النعمة لنجد أنفسنا أحراراً من جسد المادة دون كبت أو فرض أو إكراه. ما إن تدخلوا الجسد الثاني حتى تتحرروا من الأول وما إن تدخلوا الجسد الثالث حتى تتحرروا من الثاني. هكذا تصبح حوائجكم خفيفة واهتماماتكم روحية عالية تعلو لتصل سماوات يسكنها الأبرار والأطهار. هذا ما حدث حين وصل النبي محمّد إلى مقام الصيام. حين اختفت حاجات الجسد المادية وعلا فوق سماوات وارتقى إلى جسده الثالث فملَك بين يديه أنوار وعلوم السماوات. وما هو الطريق لدخول الجسد الثاني فالثالث؟ نعم... إنه التأمل.

    وما هو التأمل؟ أن تصبحوا أكثر وعياً لجسدكم الأول، جسد المادة هو الخطوة الاولى في رحلة التأمل. أن يصحى الرقيب والشهيد بداخلكم فتشاهدوا أجسادكم وتراقبوها وأنتم تمشون، وأنتم تتحدثون، وأنتم تجلسون، وأنتم تأكلون وأنتم تسمعون. هذه المشاهدة ستساعدكم مع الوقت على رؤية الفصل بينكم وبين جسدكم المادي. ستساعدكم المشاهدة على معرفة من يسكن الجسد، أنكم لستم الجسد وكيف تكونوا الجسد وأنتم تراقبونه؟ كيف فالشاهِد لا يمكن أن يكون المشاهَد، والمراقِب لا يمكن أن يكون المراقَب، والناظر لا يمكن أن يكون المنظور إليه، والعارف لا يمكنه أن يكون المعرفة. راقبوا وشاهدوا أجسادكم المادية وسيزوركم بعد فترة إحساساً بأجسادكم الأثيرية. ستتعرفون على أجسادكم الأثيرية.

    الخطوة الثانية والأخيرة على درب التأمل أن تراقبوا جسدكم الأثيري. راقبوا أفراحكم وصمتكم ونعمتكم وستعلمون أن الشاهِد لا يمكن أن يكون المشاهَد. ستعلمون أن السعادة موجودة لكن المساحة بينكم وبينها أيضاً موجودة. ستعلمون أن النعمة موجودة لكن المساحة بينكم وبينها أيضاً موجودة. مرة جديدة أنتم لستم هذه السعادة ولا هذه النعمة لكنها تحيط بكم. عند هذا المقام ستدخلون أجسادكم الإلهية، جسد الحق. عند هذا المقام أنتم في حال الشهادة الحقيقية. شهادة النبي محمّد وشهادة المسيح وكل من استنار على درب الحياة المديد. الآن اختفى المشاهَد ولن يبقى الشاهِد طويلاً فلا شيء ليشاهده... سيفنى الشاهد عما قريب ولا تبقى إلا الشهادة.

    ولا تؤجلوا... هذه الشهادة قد تحدث لكم الآن فلا تؤجلوا ولا تؤخروا للغد، ومن يعلم؟ قد لا يأتي هذا الغد أبداً وحقاً فالغد لا يأتي أبداً. وتذكروا... ما من مانع وما من حاجز لكم سوى أنفسكم... ما من عدوّ لكم سوى أنفسكم فأفسحوا المجال لكم وأبعدوا رغباتكم وطموحكم وأفكاركم لتلاقوا أنفسكم، لتواجهوا محمديّتكم ومسيحيّتكم وجهاً لوجه.

    هذه الشهادة ستحوّل جبال آثامكم وأخطائكم تراباً. لحظة الشهادة تساوي ملايين الحيوات من ماضي ومستقبل كل فرد منكم. لذا دعوني أقول لكم: فلتبدأوا بالتأمل.

User offline. Last seen ساعة واحدة 24 دقيقة ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 01/10/2007

في داخل الانسان دائما يتعارك الحب والكراهية والانتصار يكون لمن يغذيه الروح اكثر فان اعطيت الحب قدره الكافي لابد ان تسود المحبة بين القلوب حتى وان لقيت من البعض بعض الاذى ولكن بالحب يتسامى الصدق والتسامح وهذا ماعلمنا اياه ديننا في التسامح بين البشرلافرق بينهم ولكن ان غذيت الكراهية اكثر فاننا لانلقى السعادة بين قلوبنا ويسود تساقط الاوراق واحدة تلو الاخرى في حياتنا

ولكن هيهات في زمن يتبعثر بين جنباته رياح ظالمة لاتعرف التسامح وقتل الانسان لاخيه الانسان فاصبح الانسان ظالما لاشياء زائلة