هِزَّة الوجد
في هالة النور حول البدر مُنْتَجَعٌ
تهفو إلى رَحْبه الأرواح مذ ألِفوا
فَكّوا القيود وجابوا في الهوى أفُقا
يعتاده كلُّ مَنْ قد شفّه الدّنَفُ
قد طاب بالأنس حتى فاح في وَهَجٍ
خلعُ العِذار على أعتابه شَرَفُ
سُلافهم من صفاء المُزْنِ مُعْتَصَر
واللطفُ في الكأس نُورٌ ثَمَّ يُغْتَرَفُ
تلك الأهازيج من تسبيحهم نَغَمٌ
ينساب في الكون إجلالا فيرتجفُ
في هِزَّة وَجْدُها التوحيد مبتهجا
يزينه وَجَلٌ بالحبِّ مؤتلِف
تحفّهم نَفَحاتُ القدس حانيةً
ترى الملائكَ في ناديهمُ وقفوا
نورُ المباهاة يغشى كلَّ مُبتهِل
ووابل العفو يمحو كلَّ ما اقترفوا
وللسكينة في إظلالهم نُسُكٌ
تُهدي الإفاضة مسكا عندما انصرفوا
آبوا ملبّين في ممشاهم سُرُجٌ
تَهدي بتلبية الداعي الذي عرفوا
ما زال في سمعهم صوتٌ له خَشَعوا
وبات يحدوهمُ شوقٌ به شُغِفوا
في منبع النور حيث الدَّحْوُ منه بدا
طاف المُحِبّون حول البدر وائتلفوا
***************
أجل و كما نوه إليه الأخ الفاضل
siwar
آن لنا أن نفتخر بمثل هذه القامات تمكيناً و أصالة
جمالاً و إبداعاً
حقاً ليغيب الطرب ، و تندثر الهِزَّة
لو كان المتلقي بليد ، و هو يعاني الخلل في الذائقة ..؟!
فما نراه هنا من نغم لهو الهزار ضوعاً ، و اللجين لوناً :
لَعَمري قمة الطرب
و أقصى منازل الهِزَّة
إذ كيف لا نتأثر و الكلم البيلغ ، فضلاً عن المعنى الأنيق
يلعب بالفؤاد لعب السلافة بالعقول ؟؟!
سُلافهم من صفاء المُزْنِ مُعْتَصَر
واللطفُ في الكأس نُورٌ ثَمَّ يُغْتَرَفُ
بالله عليكم هل لنا أمام هذا الجمال إلا أن نقول :
لله درك أيها الشاعر
ما أحسن ما عصرت ، و ما ألذ ما ينهله المحبون
و هم في لذة الوجد
و محراب السكر في جنبات الله ...
إذاً
كيف لا ننتشي هياماً ، و نتوه جمالاً و نحن في حضرة الشعر الأصيل
و في رحاب الوجد المقدس
أنَّى لنا أن نرفض هذا السحر و هو المسكوب في دنان الكوثر ..؟!
و ثمة شُويعر ينكر هذا البذخ ..؟!
هل لنا أن ننبذ شعراً ظل يثمر ثمانية عشر قرناً من الزمان لمجرد
أن بعض المحرومين من ملكة الشعر
أو أن بعض المغرضين نادوا بذلك ؟
لقد تعرض مثل هذا الشعر لمحاولات شبيهة بذلك و بقي عملاقاً
كالمارد
كيف نلغي جريراً و أبا تمام
و المتنبئ و الشريف الرضي و مسلم بن الوليد و شوقي
و أسألكم هل استطاع أحد هؤلاء النادين بالرفض أن يتجاوز أحد هؤلاء العملاقة
حتى يتطاول عليهم ..؟
إنه الجهل تارة ، و الحقد و الحسد تارة
إنهم يستوردون أشياء يسمونها الشعر الحديث
( و لسنا ضده لكن بحيث يحتفظ الشعر بسحره و جدواه )
بدلاً من الشعر الأصيل بأوزانه و قوافيه و تفعيلاته
إنهم ينبشون قبور الخليل و سيبويه و ابن منظور عن جهل بهم ..
و الذي ينادي برفض الشعر الأصيل عديم الذوق
فاقد الإحساس
محبط المعرفة
و نحن نعلم حق المعرفة بأنه :
وافر العطاء ، وارف النماء
لا يملك المنصف الذي يتذوق آداب الأصالة إلا أن يقف أمامه موقف الإجلال
و الإكبار
د بهاء الدين
كن هنا و جد علينا بهذه المزن
فهي تسقينا الصفاء من كؤوس الجمال
و محال تكون لوائح أو طوالع أو لوامع
فهي دائمة البقاء ، و مديدة المكوث
لا تأفل بمجرد أن تنتهي منها و على النقيض من تلك المراحل التي
ذكرناها آنفاً من تعبيرات تستخدمها الصوفية ..!
و هي خواطر تمر سريعة كالبروق ما ظهرت حتى استترت
و أبلغ مثال على ذلك قول القائل :
افترقنا حيناً ، فلما التقينا
كان تسليمه علىَّ وداعاً
إذاً
كلماتكم هنا تعشش و هي المقيمة الأبدية
نسلتهم منها الرواء
و نُسقى منها اللذة ، كيف لا و هي في أعظم أمر
هي في جنبات الله


لله درّك أيها الأديب اللامع ..
شعر الوجدان لا يتقن قراءته إلا من ذاق لذات الحب وعانى عذابات الوجد خارج عالم المادة الجامدة.. يحسّ بكلمات هذا الشعر من اكتنف بين جوارحه لبًّا نافذًا يفهم تلك المعاني العميقة بين سطوره.. و قلبًا رقراقًا يخفق طربًا أمام لوحته النورانية .. إنه الحب الذي لا يدانيه حبّ.. حبّ الإله الذي لا معبود سواه.. ولعل بيت القصيد فيه:
في هزّةٍ وَجدُها التوحيد مبتهجًا... يزينه وجَلٌ بالحب مؤتلف
حيث اختصر هذا البيت حقيقة محبة الله تعالى القائم على الرجاء والخوف.. والذي قاله عنه ابن القيم رحمه الله: كجناحي الطير.. فلا نستطيع أن نغلب أحدهما على الآخر..
سلمتَ لنا أيها الأديب الشاعر.. وآن لكليلك أن يفتخر بمثل هؤلاء الأعضاء الذين يزيّنون حدائقه بهذه النغمات والألحان الفكرية و الأدبية الراقية..
والسلام عليكم ..