صمت الحكمة وصمت التكبر

4 ردود [اخر رد]
User offline. Last seen 15 سنة 30 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 10/08/2007

صمت الحكمة وصمت اللا مبالاة والتكبر

من السّهل جداً أن نعتزل النّاس لأننا أطهر منهم ، وأرفع منهم خُلُقاً . ولكن البطولة هي أن نعيش معهم ، نعيش آلامهم ... ضعفهم ... حماقاتهم ... نسقط هنا ... نضعف هناك ... نتلقّى صدمةً .. جرحاً . ولكن هذه الآلام وهذه الجراحات تكون علامات نور تفتح طرقات القلوب ... وتزيح ستائر الجسد .
عندما يُصاب الإنسان بإنتانٍ ما يرتفع تعداده ... يتلقّى الأدوية فيتحسن التعداد . ولكن قد يمعن في تجرُّعه للدّواء حتى يؤدي ذلك إلى خفض التّعداد لحدود يحتاج معها إلى العزل في العزل قد لا يُصاب الإنسان بأيّ إنتان ، ليس لأنه قويُّ المناعة ، ولكن لأنّ الوسط عقيم .
هناك فرقٌ كبير بين الفواكه التي نمت في البيوت البلاستيكية والتي نمت في العراء ، هذه منظرها جميلٌ جذّاب .. لمّاع ... تأخذ أعلى سقفٍ للحجم والجمال الخارجي ... قد يكون سعرها أعلى لأنها في وقتٍ غير مناسب .
ولكن ما أن نتذوّق الاثنتين .. ما أن ننفض التُّراب عن تلك التي نمت في العراء ... تلك التي تحملت الحشرات ووقع المطر من الأعلى وليس عبر القنوات والخطوط المفتوحة .
تلك التي تبرعّت بنفسها للحيوانات والطُّيور ، ولقلوب العاشقين ترتاح وهي تنظر إليها وتنام بين أحضانها . تحمّلت ثقل الأجساد ، تكسّرت ، سُوّيت بالأرض ولكن بقيت هناك حيث لا يمكن أن تموت أبداً . تحرَّرت من طوق الزّمن ، بعد أن ذبح الموت على محرابها ودخلت رحلة الخلود .
عندما يغلق الإنسان نوافذه ، لا يسمع الأصوات الخارجيّة فيشعر بالأمان ، ولكن البيت يمتلئ بالعفن والغبار والجراثيم . وعندما يفتحها ، فإن دخول الجراثيم الخارجية كفيلٌ بتأمين توازنٍ كما الفلورا المعويّة . فنحن عندما نعطي صادّاً واسع الطيف بهدف قتل الجراثيم الممرضة ، نقتل معها الطبيعية فيحدث الإسهال لاختلال التوازن .
التّغذية وحيدة الصّنف تولّد سوء التغذية ، حتى لو كانت من أجود الأنواع .
إنك تحتاج إلى الدسم ولو كانت أقلّ المواد مساهمةً في الطاقة الحروريّة . لأن هناك حدوداً لا يمكن تجاوزها حيث تنتهي منطقة الكم ويبدأ دور الكيف والنوع ، فلا يمكن للسّكّريّات أن تولّد الحموض الدّسمة المساهمة في تشكيل العصبونات الدماغيّة .
إذاً لكلّ أمر أكثر من وجه ، ومهامٌ متعدّدةٌ قد تتقاطع وقد تفترق .
كلٌّ منا مرَّ في مسيرة حياته لمراحل من الاهتزاز والاضطراب ومن خلال الخبرة والتجارب اتخذ شكلاً مناسباً لوضعه يؤمّن له الاستقرار الأمثل ، كما أي ثقل إذا جعلناه ينحرف عن مركز ثقله يهتز قليلاً ليعود لمركز التوازن . قد يكون هذا المحور قريباً من المركز أو بعيداً عنه حسب تجانس الجسم ، ولكن الاستقرار هو الموت . فالمادة تصدر الإشعاع ما دامت مضطربة ويخفّ الإشعاع كلما اتجهت إلى الاستقرار حتى تشكل الرّصاص الذي هو مستقر حتى الموت ولكنه عكس سلفه بدل أن يصدر الإشعاع ، يحمي منه ، يا للغرابة ؟!
بتصوّري أن الصمت هو فرصة للتأمل لتعيين أكثر المواقع دقةً ومناسبةً ، وليس هو وسيلة للدفاع للحفاظ على الغموض الذي يوحي بالأمان الكاذب ويوحي بالاستقامة لأن الآخر لا يطلع على الباطن .
في الحالة الأولى الصّمت حكمة ، وفي الحالة الأخرى هو خوفٌ أو أنانيةٌ وضعف ، لأن الأنبياء عندما كانوا واثقين مما لديهم كانوا يدعون الناس جهاراً وإسراراً ، وجميعاً وأفرادا حتى ملّ الناس منهم وقالوا لهم آتونا بما تعدونا إن كنتم صادقين ، أي باللغة العامية :
ـ صرعتوا راسنا ـ . قالوا لنوح : (( يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين )) ، قال : (( ربّ إني دعوت قومي ليلاً ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ، ثم إني دعوتهم جهاراً ، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا .. ))
وعندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو القبائل فيسخرون منهم ويحثون على رأسه التراب ويصفقون حين قراءة القرآن لم يثنهم هذا عند إعلان القناعات وقول الحق ، لأن الزبد يذهب جفاءً وما ينفع الناس سيمكث في الأرض ...
وعندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت كان محل الشاهد في التخلُّص من فضول الكلام وليس في إيجابية الصَّمت لأنه قدَّم قول الخير على الصَّمت .
على كلٍّ أعتقد أن هذه أمورٌ بديهيةٌ فليس من مهمَّتنا تصنيف الناس ولكن مهمتنا إقامة الحجة ، فربُّك هو أعلم مني ومنك بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين . (( ومعذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون )) .
عندما يكون الصمت مقدّمةً للهجوم وليس انتظاراً لتهاوي الآخرين في لعبة العض على الأصابع ثم فرض الشروط من المنتصر على المهزوم ، هنا يكون التعامل بين سيّد وعبد ، بين ظالم ومظلوم . وليس بين شريكين في رحلة الخلود بين معطي وآخذ . ولكن هذا المنتصر لا يعلم بأن هذا المهزوم هو المنتصر حقيقة ، لأن نقاط ضعفه الحقيقية انكشفت فأصبح يتجاوزها ، وأما المنتصر فقد تعمّقت تلك النقاط وتوارت بعيداً في أغوار نفسه . وبعد حينٍ تتراكم هذه النقاط ليظهر الموت الذي أعلن منذ لحظة الانتظار انتصار الذات على المبدأ .. كما أعلنت دابة الأرض موت موسى الذي حصل منذ زمنٍ بعيد .. وأظهر هولاكو موت المسلمين الذي حصل منذ وقتٍ طويل ، وكما قصمت القشة ظهر البعير .
من السّهل جداً تسجيل النقاط من موقع المعارضة وخارج الدائرة ولكن البطولة المحافظة على هذه الطهارة داخل الدائرة ومن موقع العطاء .
ليست القيمة الإنسانية في عدم الخطأ ، إذاً لكنا قدّسنا الحاسوب ، ولكنه عمق الإنسانية في الاعتراف والعودة عن الخطأ وإظهاره ، لذلك سجدت الملائكة لآدم الخطّاء ولم تسجد لإبليس الخطّاء .
ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لو لم تخطئوا لأهلككم الله وأتى بقومٍ يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم .
لأن الإنسان ضعيف والإحساس بالذنب يولد التواضع والشعور بالحاجة ، فيضطر الإنسان إلى الله ليستجيب له هنا وهناك فيصبح أهلاً لخلافة الأرض .
(( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ، أإله مع الله قليلاً ما تذكّرون ))
إذاً صمتُ الغليان والامتلاء هو حكمةٌ يعطي طعماً للقرار ، وبعداً ثالثاً للأمور السّطحية . وصمتُ الانسحاب والبخل والأنانية والحفاظ على الذات يولّد الاستقرار والهدوء ولكنه هدوء التحجُّم ، يتحدد فقط في حال الإحساس بفقدان يعطي بمقدار ما يسمع ويأخذ ؟!
قد يكون الإنسان مزيجاً من الاثنين !...
لقد خلق الله قلوبنا سليمةً ومهمتنا المحافظة على سلامتها ، لا يهمُّ ما قال الناس ، المهم أن يكون الله راضياً ...
الإنسان الشَّهيد هو الذي يتقطَّع كمداً على الناس الذين لا يستجيبون لمبدئه ويذهب نفسه عليهم حسرات حتى يقول الله ليخفف عنه (( ولا تذهب نفسك عليهم حسرات )) ـ لأنه كان يفعل ذلك ـ ولو شاء الله لجمع الناس على الهدى فلا تكونن من الجاهلين .
على كلٍّ .. الحياة تجربةٌ لمرَّةٍ واحدة ولن نخسر إلا أنفسنا ...
إنها تذكرةٌ فمن شاء اتخذ إلى ربِّه سبيلا ...
إلهي خلِّص عقيدتي من عُقدتي ، علِّم صامتينا الكلام وعلم الثرثارين الصَّمت
إلهي علمنا بأن العطاء هو غاية لذاته ، والمحبة عطاء لا ينفد .
إلهي هب لي التواضع والتجاوز والوضوح والشجاعة والعطاء والمحبة
هب لي طاعةً في عبادةٍ ، وقوةً في زهادةٍ ، وشدَّةً في لين .
والحمد لله الذي يرى ضعفي ويتجاوز ، ويرى جهلي ويحلم ويرى ابتعادي فيقترب .
ويرى تمنُّعي فيعطي .. ويرى إهمالي له فيهتم بي .. حقَّاً إن الكريم لا يستطيع إلا أن يكون كريماً .
أشهد بأنك الله لا شيء يستحقُّ مكانك ، علا مكانُك وجلت قدرتك وخفا مكرك ..
(( ربِّ قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين )) .
(( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون )) .

User offline. Last seen 7 سنة 46 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 13/09/2006

لو لم يضع الله فينا غريزة الفرح من تلعثم الطفل لكنا كلنا خرسى...
ولو منعنا الطفل من الوقوف حفاظا عليه من الوقوع ... لظل مقعدا طوال عمره...
هكذا يجب أن نتعلم من الاطفال... الذي لا يخشى الخطأ... ولا يخجل السؤال...
وكما قلت فإن الفاكهة النامية ستكون ألذ وستؤدي وظيفتها في الدنيا على أكمل وجه... أليست وظيفتها أن تسعد الانسان...
khorsheed76, شكرا على موضوعك الجميل...
وأنا أرى أنه يجب أن نعود أنا واياك إلى الوطن... لكي لا نكون كالفواكه البلاستيكية :wink: ...
شكرا مرة اخرى ... انتظر منك المزيد ..... ولي عودة... :) :) :)

User offline. Last seen 14 سنة 28 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 14/12/2005

الخروج من الصمت لا يحتاج من المرء إلا اتخاذ قرار حازم , هذا ما راودني عندما قرأت مقالتك أخي خورشيد

User offline. Last seen 17 سنة 23 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 12/08/2007

تسجيل حضور أستاذنا خورشيد :)

User offline. Last seen 15 سنة 30 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 10/08/2007

شكرا جوان
نحن مهجرين يا اخي ولسنا مهاجرين ومسفرين ولسنا مسافرين عسى الله ان يردنا ويقر اعيننا بالوطن (ان الذي فرض عليك القراان لرادك الى ميعاد...)

شكرا اولفان على مرورك

اهلا ديا افين الحمد لله على السلامة