قصص من العالم

12 ردود [اخر رد]
صورة  hiam's
User offline. Last seen 10 سنة 6 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 18/08/2007

من ايران
أثر القدم قصة للكاتب الإيراني جلال آل أحمد ـــ ت.د.ندى حسون

كان الجوّ بارداً، وكنت أتمشّى على ثلج الشارع في انتظار الحافلة، وأرتعش تحت معطفي. الثلج يهطل منذ يومين، ولم تر عيناي قطّ أذى خلّفه هطول الثلج كما رأتا في ذاك اليوم. كما أنّ نظرتي مازالت تذكر الثلج الناصع الذي هطل ذاك اليوم وتحدّق مندهشة. كان في الغرفة التي أدرّس فيها مدفأة وكانت دافئة؛ لكن ما الفائدة؟ لم يصطحبني الدفء. مرّة أخرى كان الشارع، والثلوج المتجلّدة على أرضه، وثانية كان البرد وانتظار الحافلة. أنهيت درسي بسرعة، لم أكن متعباً لكن كنت أشعر بالبرد، وأشعر بعظام كتفيّ ترتعش تحت معطفي، وأنا أتمشّى إلى جوار ساقية الشارع في انتظار الحافلة وقد رفعت ياقة المعطف. الثلج مازال يهطل، يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى برد. كانت حبّاته صغيرة وثقيلة. وكنت أشعر بالرعشة وهي تدخل من أعلى ياقتي وتتوضّع على عنقي. جاءت حافلتان ومرّتا، وكانت نظرتي وسط سواد الليل تلاحق قطع الثلج التي تجلب الرعشة مع برودتها. عجلات السيّارات كنست إسفلت الشارع، لكن الثلج يهطل ثانية. وكنت أشعر بليونة الثلج تحت قدميّ وهو يسحق بعضه بعضاً، وأسمع صوته الذي كان ناعماً وطريفاً وهو يضغط وسط السكون غير العاديّ لأول الليل. تحت نور مصباح الشارع الذي كان خافتاً وكدراً كانت حبّات الثلج تترك وراءها حبالاً بيضاً وسط ظلام الفضاء المنوّر. حبال خياليّة وبيضاء لم تعقد في أيّ مكان من السماء، وكانت تتّخذ الروح فقط في ظلام الليل. كان الشارع خالياً.‏

هناك شخص آخر يقف في انتظار الحافلة. وكانت عيناي تلاحق قطع الثلج حائرة وهي تخبط على الأرض.‏

توقّفت فجأة تحت نور المصباح الشاحب، وقعت نظرتي على أثر قدم على الثلج الجديد الذي هطل على الشارع؛ كان أثر قدم كبيرة وعريضة قد مرّت حديثاً، ولم تكن حبّات الثلج قد غطّت سطحها تماماً.‏

ورغماً عنّي فكّرت: «هل يمكن ذلك؟ أيمكن أن يكون هذا أثر قدمي؟ ليته كان أثر قدمي!..» وفجأة أدركت كم أتمنّى أن يكون أثر قدمي. رأيت كم آمل أن يبقى أثر قدمي على الأرض.‏

كنت على وشك أن أؤكّد أنّها أثر قدمي. لكن.. كان هناك شخص آخر يتمشّى في انتظار الحافلة.‏

كانت نظرة عيني تبحث ثانية بين الحبال الوهميّة والبيضاء التي تتركها قطع الثلج وراءها، وكنت أفكّر: «ماذا يعني ذلك؟ يعني أنّ أثر قدمي يبقى على الأرض؟ ليته كان أثر قدمي!».‏

كانت حبّات الثلج الكرويّة والثقيلة تغوص وسط البخار الذي كان يخرج من فمي، وتغطّي أثر القدم الذي وقعت عليه عيناي.‏

كان هذا الأمل قد ترسّخ بشّدة في داخلي. وكان الجوّ بارداً، وكنت ما أزال أرتعش تحت المعطف وفي انتظار الحافلة، كنت أسحق الثلج المتجمد تحت قدميّ.‏

فجأة استدرت وسلكت الطريق الذي كنت قد أتيت منه، وتسمّرت عيناي بآثار الأقدام ثانية. كانت الآثار أمامي. ولم تكن حبّات الثلج الكرويّة والثقيلة قد غطّت سطحها بعد.‏

ازداد الأمل في داخلي. وفجأة اصطدمت عيناي بحذاء ذاك الآخر الذي كان يتمشّى في انتظار الحافلة. كان يرتدي حذاء لمّاعاً متوسّط الساق (جزمة) وخياطة كفّ حذائه قد بقيت على الثلج في أطراف المكان الذي كان يقف فيه، ولم يكن الثلج قد غطّاها بعد. هذا الأثر الذي كان كبيراً وعريضاً لم يكن فيه خياطة. كان أملس. كان كعبه منفصلاً عن كفّه، وقد بقي مكان كعبه سبعة ثقوب صغيرة. تذكّرت أنّي لم أعد أرتعش. اخترت أكثر الآثار وضوحاً وتقدّمت بحذر.‏

كان أثراً لقدم يمنى. رفعت قدمي اليمنى ووضعتها إلى جانبها، وحين أحسست أنّ ثلجاً جديداً قد هطل سحقته تحت قدمي. ورفعت قدمي و«ما أحسن ذلك... أيمكن ذلك؟.. هذا يعني أنّه ممكن! ما أجمل ذلك!...» ولم يكن السرور السريع الذي مرّ في داخلي يمنح الدفء. كان كتفاي يرتعشان ثانية تحت المعطف.‏

علا صوت زمور الحافلة وتنحّيت جانباً. مرّت عجلات الحافلة فوق أثر القدم تماماً، وتوقّفت على بعد قدمين، وصعدت. مازلت أرتعش. الحافلة فارغة، باردة. وأصابع قدمي تجمّدت داخل الحذاء. كان هناك التهاب يدخل من جوانب الزجاج. وكانت حبّات الثلج تضرب وجهي. نظرتي موجّهة إلى الأمام، خلفيّات الزجاج مشوبة بالثلج الذي يتجمّد ويلتصق بالزجاج. كنت أفكّر: «يعني... جيد، هذا أنا الذي كنت على الثلج! كان هناك أثر قدم على الثلج. هه! أثر قدم على الثلج.. ما فائدته؟ هه! يمكن أن يكون؟ مع هذا البرد! بهذه القدم اللعينة التي تكاد تتجمّد؟ يعني أنّه من الممكن؟ كيف يكون ممكناً؟!...». كنت أرتعش بشدّة. كان داخل السيّارة بارداً. الزجاج يهتزّ ويصدر صوتاً يبعث على الارتعاش. سلسلة العجلات تصطدم بالثلج المتجمّد وتصدر صوتاً، وصبيّ السائق يتكلّم بصوت عال عال. وأحياناً كان يخرج رأسه ويصرخ.‏

نزلت في التقاطع. كاد كتابي يسقط من تحت إبطي. حتّى قدماي كادتا ترتعشان وكدت أنزلق. ضغطت أسناني بعضها فوق بعض، وأمسكت بالكتاب تحت إبطي، وأوصلت نفسي إلى الرصيف الذي تجمّد ثلجه تحت قدميّ وأصبح قاسياً، أعرف أنّ أثر قدمي لن يبقى فوقه. كان الرصيف المجاور للتقاطع مزدحماً.‏

الناس جميعاً يمضون مسرعين. كلّهم وضعوا أيديهم داخل جيوبهم، وأنفاسهم تصدر البخار كالأحصنة. كانوا يحتمون تحت مظلاّتهم، ويشعرون بالدفء جميعاً. لم يكن هناك ظهور للحفاة والعراة. إمّا أن يكونوا قد ماتوا ودفنوا تحت الثلج دون إزعاج الآخرين أو تكليفهم، أو التجؤوا إلى مقابرهم ليشعلوا النار. حتى وجوه أولئك الذين يمرّون من جواري أراها متورّدة ودافئة. كأنّهم قد خرجوا من غرفة دافئة أو من الحمّام. كانوا قد أخرجوا دفئاً كهذا معهم. كانوا جميعاً يشعرون بالدفء، وقد لبسوا قفازاتهم، وآثار أقدامهم تبقى على الثلج الذي تساقط حديثاً، أو لا تبقى. لم يكن هذا الأمر يعنيني. كنت أفكر بأثر قدمي. كنت أفكر بنفسي، حيث أرتعش تحت ملابسي، وكنت قد فررت من البرد وأعاتب نفسي: «أترى؟ أترى أيّها الأحمق؟ جميعهم سعداء ويشعرون بالدفء. البخار يخرج من أفواههم جميعاً كالأحصنة، أترى؟ أترى كيف يرفعون أقدامهم بقوّة؟ نعم، أنت ماذا تقول؟ أنت أنت الذي تكاد تموت من البرد. أنت الذي تكاد تسلم الروح. وأثر قدمك لا يبقى فوق أيّ شيء، فوق أيّ شيء! لا على الثلج، لا على الأرض! نعم أثر قدمك على الثلج أيضاً لا يبقى. أتفهم؟ حتى على الثلج!».‏

نورٌ خافتٌ كان يصدر من الأواني الزجاجيّة في دكّان بائع الزبدة في أوّل التقاطع؛ حيث يتصاعد منها البخار وتسيل في أرضها الباهتة كخدوش مضيئة. وفي ضياء تلك الجادّة التي كانت تبدو وكأنّها تتقدّم بين ثلج الرصيف، والتي قد يستطيع شخصان عبورها معاً بصعوبة، كان هناك طريق قد فتح فوق الثلج، وتبدو آثار أقدام توضعت بعضها فوق بعض أيضاً، وداس بعضها على بعض في الزاوية اليسرى كعب مع نعله الممسوح، كفّ ضيّق وقصير لحذاء نسائيّ، علامة لأربع أصابع قدم يسرى كانت قد وضعت على الثلج عارية، خياطة قالب حذاء رجاليّ كبير كان قد استقرّ مطمئناً، وعلامة المعمل الذي صنعه أيضاً يمكن قراءتها. وجميع أنواع آثار الأقدام الأخرى كانت متوضعّة بعضها فوق بعض في ضيق الطريق الذي كان يتقدّم بين الثلج؛ وكانت تبدو مختلطة في الضياء الخافت الذي كان يشعّ على ثلج الرصيف وفجأة خطرت لي فكرة جديدة «أترى؟ أترى كيف أصبح؟ لم يبق أثر قدم أيّ شخص سالماً. أثر قدم من بقي سالماً. أثر قدم من بقي سالماً ليبقى أثر قدمك؟ ليس من الضرورة أن تبقى آثار أقدام الناس سالمة. آثار أقدام الناس يجب أن تفتح الطريق. المهمّ أن يفتح الطريق. فالجادّة قد تسحق تحت الثلج. حين تفتح الجادّة ما فائدة أثر القدم؟ أثر قدمك أيضاً كذلك. لنفترض أنّ أثر قدمك ضاع، عزاؤك أنّه ضاع في الجادّة. في الجادّة التي تتقدّم بين الثلوج.‏

الجادّة التي يأتي الناس منها ويذهبون، افترض أنّ أثر قدمك ضاع، لكنّ عزاءك أنّ الجادّة فتحت بين الثلوج...».‏

سعادة الخاطر هذه التي كنت قد وجدتها، التي منحت قلبي الدفء لحظة قد استطاعت أن تكون العزاء، كنت أستطيع أن أريح فكري. لكن في الوقت نفسه الذي كنت أمضي فيه بهذه السعادة، كان مكان آخر في ذهني يقول شيئاً آخر. مكان آخر لا أعرفه، ربّما كان ذاك المكان الذي نشأت منه تلك الفكرة. لكنّ هذه الفكرة كانت أكثر وضوحاً وأكثر حضوراً، وكانت تحثّني «هه لكن عوض ذلك أنّ الجادّة فتحت! نعم؟ ليضع أثر قدمك لتفتح الجادّة؟ آها؟ الجادّة من أجل أولئك الناس الذين يبدون جميعاً، وكأنّهم قد خرجوا من الحمّام، ويصدر نفسهم بخاراً كالأحصنة؟ من أجل هؤلاء. أصلاً لم تفتح الجادّة، لماذا لا يصيب الثلج الناس جميعاً؟ أليس لديهم أحذية؟! هل بترت أعضاؤهم؟ لماذا يضيع أثر قدمك؟».‏

وصرت أضحك من السعادة التي كنت قد شعرت بها. ضحكة مرّة وتبعث على الارتعاش. ضحكة لم تكن تستطيع أن تتسلّل إلى وجهي، ولا أن تجد طريقاً إلى قلبي. ضحكة هي نفسها التي كنت أسحقها تحت أسناني، ولو كان بالإمكان لألقيتها تحت قدميّ.‏

كان الرصيف مظلماً. ومن وسط الطريق الذي كان قد توضّع تحت ثلج الرصيف، كنت أمرّ، كنت ما أزال أرتعش تحت معطفي، وألوم نفسي، وكنت أسخر من السعادة التي وجدتها. حين انعطفت داخل الزقاق الذي كان يضاء تحت نور مصباح كانت حبّات الثلج تصبح أكبر، وكانت قد أصبحت أخفّ وأخذت تتطاير كالقطن من قوس الحلاّج، ثمّ تحطّ على الأرض. إلى جانب عمود المصباح، رأيت جثّة متجمّدة لقطّة سوداء ممدّدة، وفجأة شعرت بهلع. «أتكون هذه قطّتنا؟ لا قدر الله....». وتقدّمت أردت أن أحرّكها برأس حذائي. كانت قد التصقت بالثلج ولم تتحرّك كانت قطّتنا. تلك القطّة السوداء البليدة غير المحبّبة التي لم تكن تعرف غير الركض بين الأقدام في الممرّ، وأن تمدّ رأسها من جوانب الأبواب المفتوحة للغرف خلسة.‏

تلك الهرّة الفضوليّة التي كنت منذ البداية أحاول أن أصبح رفيقاً لها، وفي النهاية لم أنجح أيضاً. كنت دائماً أخشى أن أدوس عليها في الظلام وأهلكها. شعرت بالضيق. لقد عصر قلبي في قبضة خفيّة من الهمّ لفّ وجودي، ورأيت أنّي أريد أن أخرج كلّ هموم قلبي من أجل هذا الذنب الذي اقترفته. «لماذا خرجت لماذا؟ في هذا البرد والجليد. في هذا الثلج الذي يكاد الناس يلفظون أرواحهم فيه. لماذا خرجت؟...» وفي الوقت الذي كنت أرتعش فيه تحت معطفي وفي ظلمة السلّم، كنت أهرب من البرد، وكان مفتاح غرفتي قد تحوّل بيدي إلى قطعة ثلج، كنت أشعر بالضيق وألوم نفسي، وكنت أخشى أن «لا يبقى أثر قدمي... ألاّ يبقى على الأرض...».‏

صورة  hiam's
User offline. Last seen 10 سنة 6 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 18/08/2007


ابن البحر (قصة من مالطا) ـــ أوليفير فريجيري ـ ت.مارتن زمّيت
ـ ابن البحر ـ‏

كان بيتنا مماثلاً لبيوت كثيرة، من الخارج على الأقلّ: كان الباب عادياً، بليت زخرفته وكادت أن تنهار من تلقاء نفسها. فكان لابد من دفعه بإحكام حتّى يُغلق.‏

لازمته منذ الأبد عارضتان كاد الصدأ أن يأكلهما، وكانتا تضمنان طمأنينتنا ليلاً. أما الجدران، فكانت متآكلة، ولا أتذكّر أنها عرفت الصيانة أو الدهان. فظهرت فيها الخدوش المتعرجة، كما كثرت فيها نقوش أولاد مثلي، وربّما حتّى نقوشي ـ كانت غرف بيتنا صغيرة ومكتظة أكثر من اللازم، وليس سوى ممرات ضيقة بين الأثاث.‏

وما أن تدخل البيت حتّى يصادفك درج عال، ثم تجد نفسك أمام أربع غرف كنت أعتبرها كافية لأمي ولأختي ولي. الكل قديم في بيتنا ويحتاج الاستبدال، باستثنائي وباستثناء أختي ـ مخلوقان في زهرة العمر لم يكتشفا بعد كل ما يحتويه كوكب البشر.‏

في بعض الأحيان، كنت أسمع صوت أمّي في الشارع، دون أن ألتفت للردّ عليه. كانت أمّي تنطق مقطعي اسمي بنوع من الإطالة: «(بيرتو)، يا (بيرتو)»، وكان صوتها ضعيفاً تارةً وألتقطه بين أصوات أخرى، وخفيّاً جدّاً تارةً أخرى، مما يجعلني أشك في أنّني سمعت صوتاً كنت أعرفه حق المعرفة. وكانت أمي تواصل نداءها ـ أعرف ذلك ـ ثم كانت تحكي لي كلّ شيء فور عودتي إلى البيت، وإغلاقي الباب الموارب، وصعودي الدرج ـ درجتين درجتين. ورغم خطورة الدرج، فإنني لا أتذكّر أني تعثـّرت فيه قطّ، أما أختي، فكانت تصعده وتهبطه درجة درجة.‏

كانت السفن قد تعوّدت عليّ، فهي كالأسماك الغريبة والكبيرة الصاعدة من قاع البحر ـ ذلك البحر الذي تربّيت معه وآنسته أكثر من الأرض. كانت السفن مصطّفة جنباً إلى جنب، في انتظار دورها في الإرساء أو الإبحار وهي تحجب الشاطئ الآخر عن الأنظار. ويكثر عليها الملاحون في أثناء النهار وهم يباشرون أعمالهم دائبين.‏

فبعضهم يتجهون إلى سفنهم على قوارب صغيرة كانت تقترب من جوانبها الضخمة وتقف عند درجها، وبعضهم الآخر يغادرون سفهنم على قوارب أخرى متجهين إلى الشاطئ. أما أصحاب القوارب، فكان لهم الوجه ذاته، بتجاعيده وسمرته وحاجته إلى الحلاقة. كانوا يرتدون قمصاناً غابت عنها ألوانها الأصلية، وسراويل خشنة فضفاضة لا تتغيّر، تصل إلى ما فوق بطونهم، مشدودة بحزام عريض. كنت أعرفهم بأسمائهم، وكانوا متعودين عليّ، ولطفاء معي، وكلّما رأوني على حافة الرصيف شاخصاً إليهم ويداي مقبوضتان وراء ظهري، كانوا ينادونني.‏

"تعال يا (بيْرتو)، ساعدنا في القذف من هنا حتى السفينة. سنعطيك ثلاثة (صولدي)(*). تعال!"‏

كنت أطير فرحاً، وكنت أقفز في القارب، وآخذ بالمجداف، وأبذل جهدي لأواكب تجديف صاحب القارب. ومع مرور الزمان، أدرك أصحاب القوارب أنني كنت أنتظر نداءهم لي. وبالإضافة إلى أصحاب القوارب، كنت أعرف البحّارة أيضاً: كانوا يذكّرونني بالشرطة، مع أنّهم لم يكونوا عابسين مثلهم. لم أحفظ من اللغة الإنكليزية سوى المفردات الأساسية، وأحياناً كنت ألتقط بعض الكلمات في أثناء التجديف، لا أكثر ولا أقلّ. كان أصحاب القوارب يتفاهمون مع البحّارة، ولكن قدرتهم على فهم الإنكليزية كانت تفوق قدرتهم على التحدّث بها، وفي بعض الأحيان يختلط كلامهم، دون قصد، ببعض الكلمات المالطية.‏

لم أكن أرجع إلى البيت في الوقت نفسه بانتظام. كانت أمّي تقدّم لي العشاء في الخامسة مساءً تقريباً، وكلّما رأتني، كانت توصيني ألاّ أتأخّر. أحببت أمّي كثيراً ولم أرد أن أسيء إليها. أما فيما يخصّ أمر عودتي المبكرة إلى البيت، فلم أطعها فيه قطّ. ويبدو أنّ ذلك لم يحزّ في نفسها كثيراً، وكنت أشعر أنها كلّما أمرتني ألا أتأخّر، كانت غير جادة في كلامها، وكأنها كانت تريد مني أن أبقى خارج البيت إلى أن أكون قد كسبت قدراً كافياً من المال. فإنها كانت سعيدة جداً بما أكسبه، ولم أكن أحتفظ قطّ بأي مبلغ لنفسي. كما أنها لم تفتّش جيوبي إطلاقاً.‏

وعند عودتي إلى بيتي في الحادية عشرة ليلاً تقريباً، تكون أمّي قد استلقت على سريرها، وأتجه إلى فراشي مهتدياً بالضوء الخافت الصادر عن مصباح مضيء أمام صورة العذراء في مسطحة الدرج. كانت تستيقظ بأقلّ صوت، ورغم خلع حذائي بالقرب من الباب الخارجي وحمله في يديّ إلى أن أدخل فراشي، فإنها كانت تشعر بي وتناديني.‏

"هذا أنت، وصلتَ، يا روحي؟"‏

كانت الكآبة تغلب على صوتها، وهو أمر غريب لم أتمكن من فهمه. ثم كنت ألتمس بركتها وأنام نوماً هادئاً حتى الصباح. سريري تحت النافذة المطلة على الميناء، وكان الميناء يخترق غرفتي برائحته، وبرطوبته، وبالانعكاسات الطويلة والمتعرجة المترامية على البحر تحت السفن، وكأنها تهبط لتبحث عن القاع، بل بمنارته الوحيدة ذات اللون الأحمر، وتنطفئ وتضيء في إطّرادها المتذبذب، على لسان من الأرض في البحر عند مدخل الميناء الواسع. وفي الليالي الصيفية كنت أترك نافذتي مواربة أو مفتوحة على مصراعيها، حسب ارتفاع درجة الحرارة، وكان أقل صوت أو أقل حركة تنساب إلى فراشي بكل حرية. أما في فصل الشتاء، فكان البرد الآتي من البحر يزعجني كثيراً، وكانت الظلمة تنعسني جداً، وكنت أغفو ووجهي نحو السقف، ومسبحتي في يديّ، دون أن أتمكن من إكمال صلاتي. وكثيراً ما كنت أصحو والمسبحة مكبّبة تحتي وأثرها مطبوع على جلدي.‏

كان البحر المتموج يعرقل نومي، وهيجانه يذكرني بقصص البحارة. لم أتعوّد قط على تصادم الموج على مقربة من غرفتي، وعلى حركة الأمواج دون ما توقف.‏

كانت حيطان البيوت رطبة جداً، بما فيها حيطان بيتنا، وكأن البحر الذي أحببناه ظل قاسياً معنا إلى الأبد. كان فصل الشتاء يتعبني كثيراً، وكان ربحي محدوداً خلاله. ذلك لأن الملاحين لا يغادرون سفنهم في كثير من الأحيان، مما يؤدي إلى تقلص حركة التجديف. ومع ذلك، فلم أرجع قط إلى البيت دون أن يكون في جيبي بعض النقود، كنت أنتظر قدوم البحّارة المترنّحين والمتماسكين بعضهم ببعض.‏

كانوا يصرخون باللغة الإنكليزية بأعلى أصواتهم، ويغنّون بطريقة لا تخلو من نشاز، وكنت أفهم ما يريدون، كان أقلهم سكراً يبحث عن صاحب قارب، وكنت أجري نحوهم، متسائلاً:‏

"Want aboat?" أي، هل تريدون قارباً؟‏

لم يكن (جانّيكول) ينتظر دائماً آخر البحّارة المتوجّهين إلى سفنهم من الحانات. كنت أعمل لديه في أغلب الأحيان، وكان يثق بي لأنني أجدّف بمهارة، حسب قوله. كنت أطلق ساقيّ للريح متجهاً إلى بابه، وأدقّه بكل قواي حتّى يستيقظ من نومه. وأنتظر لحظات قليلة على أحرّ من الجمر، وفي حالة عدم الردّ، كنت أفهم أنّه لا يزال يحتسي نبيذه في الحانة. كنت أركض نحو رصيف الميناء، وهو يهرول خلفي. وأقعد القرفصاء لأشدّ على حبل القارب بكلّ قوّة، متأكداً من عدم اصطدام القارب بالرصيف، ثمّ أعدّ العدّة للرحلة. لم يكن (جانّيكول) مرتاحاً للبحّارة السكارى، وأنا بدوري كان ينتابني الخوف أحياناً.‏

"يا عذراء!" كان (جانّيكول) يكرر هذه العبارة وهو ينظر إليهم، أما هم، فكانوا يواصلون غناءهم متماسكين بعضهم ببعض. كنت أجدف بسرعة، مع (جانّيكول)، بقدر الإمكان حتّى نبلغ غايتنا سالمين.‏

في إحدى الليالي، لم يظهر أحد. كان الجو معتماً، وكدت أغفو على الشاطئ رغم شدة البرد. القوارب تتخبط بعضها ببعض بسبب هيجان البحر، وقوارب أخرى راسية على انفراد تعلو وتهبط دون توقّف. ظللت منتظراً وذراعاي ملتصقتان بصدري، أحدّق النظر في كل الاتجاهات، لم يكن في الحانة زبائن كثر. كان (جانّيكول) قد عاد إلى بيته لينام، ولم أرَ سوى بعض الكلاب السارحة على الرصيف. كاد شعور الخوف ينتابني، رغم أنني لا أذكر أنني تعرضت للخوف من قبل.‏

ازدادت الريح شدّةً، والتجأت إلى الحائط، تحت شرفة حمتني من رش المطر. ثم أدخلت يدي اليمنى في جيبي عدّة مرّات مصلصلاً النقود القليلة، ثم أخرجت النقود وعددتها مراراً، مع أنني كنت أعلم المبلغ تماماً. لم أشأ الرجوع إلى بيتي خالي الوفاض، ولذا قررت أن أظل منتظراً. اشتدّ المطر، وانسكبت قطراته على وجهي حتّى في المكان الذي آويت إليه، بل وصلني رذاذ البحر، غير أنّه لم يزعجني بقدر ما أزعجني المطر.‏

جعلت ثنية سترتي القديمة على عنقي لأتدفّأ، وأقفلت كل الأزرار، وانصرفت مطأطئ الرأس. كانت الساعة متأخّرة، وخالجني شعور الإحباط.‏

ظللت ماشياً محدقاً النظر في كل الاتجاهات. كنت أتوقع أن أسمع خطوات مسرعة خلفي، يدوي وقْعُها في ذلك الهدوء، على الأرض الممتلئة ببرك الأوحال.‏

وتوقّفت لحظات قليلة أمام باب بيتي، كأنني رفضت أن أيأس. كادت الظلمة تحول دون أن أفتح الباب. وأخيراً دخلت، وخلعت حذائي، وأوصدت الباب، وصعدت الدرج دون إثارة أي صوت.‏

نادتني أختي، وفهمت من صوتها أنّها تبكي.‏

سألتها قلقاً عمّا حدثَ، وأدركت أن في الأمر شيئاً. ازددتُ حزناً، وشعرت بانقباض شديد دام وقتاً طويلاً. ثم دخلت غرفة الجلوس ووجدتها والمسبحة بيدها أمام شمعة (العذراء) المتذبذبة. نظرتْ إليّ مرتبكة، ووضعت المسبحة على الطاولة.‏

وقالت وهي تتنهّد: "ألم تلتقِ بها؟ إنّها خرجت لتفتّش عنك، والآن تأخّرت."‏

اتّجهت إلى الزاوية حيث كنت قد وضعت حذائي، وأدخلت قدمي الأولى في واحد منهما ناوياً الخروج من جديد.‏

فاجأتني بسؤالها: "إلى أين ذاهب؟"‏

"لأبحث عنها!" أدخلت القدم الأخرى في الحذاء الثاني.‏

اقتربت منّي على حين غرّة، وأجهشت بالبكاء بصوت أعلى. أمّا أنا، فأسكتها، نظراً للهدوء الذي كان يسود في ذلك الحين. توسّلتْ إليّ ألاّ أتركها وحدها، ورغم أنني شرحت لها أنه يجب عليّ أن أنصرف، ظلّت تطلب منّي بإصرار أن أبقى معها، قائلة: "ستعود قريباً، نعم، قريباً، لا تتركني وحدي! إنني خائفة".‏

"أدركت من كلامها أنّها لم تكن مطمئنّة من عودة أمّنا الوشيكة، ولكنني كنت أعرف أن الخوف يستبدّ بأختي كلما بقيت وحيدة بعد المغرب. وكانت الشمس قد غربت منذ وقت طويل. إن أختي لم تتفرغ مثلي لخدمة أهل الميناء، وكانت أمي تريدها أن تظلّ في البيت لمساعدتها. فهي تركت المدرسة مبكراً، سنتين قبلي تقريباً، فورثتُ كتبها وحقيبتها. وما تعلّمناه من تعليم محدود في الفصل مكّننا من التقاط بعضٍ من كلام البحّارة المشوّش، مع أنها لم تكن في حاجة إلى هذه المعرفة. كما قطعنا مبكراً صلاتنا بأصدقاء الفصل عندما تركنا مدرستنا في وسط السنة الدراسية، أي عندما قرّرت أمّي أنها في حاجة إلى أختي.‏

خلعت حذائي، ووضعته في مكانه المعهود. وطمأنت أختي من أنني لن أتركها، وانخفض تنهدها كثيراً. ولكنها أجهشت بالبكاء ثانيةً وهي تسألني ما إذا رأيت أمي في الميناء. أدركت أن الخوف كان مستبداً بها. كانت أختي قد تعوّدت، ومنذ زمن طويل، على أن تحذو حذو أمّي في كل شيء، حتّى في أسئلتها التي لا داعي لها.‏

قلت لأختي: "يهطل المطر بغزارة، والجوّ بارد. لا أحد في الظلمة. انتظرتُ لساعات طويلة، ولكن دون فائدة. لا أعرف لماذا اختفى الجميع الليلة".‏

قالت لي بنبرة تقارب التوبيخ: "ما كان عليك أن تتأخّر كلّ هذا الوقت. لا يمكنك أن تتصوّر انشغال أمّنا بسببك، وسمعتها تبكي من الغرفة الأخرى، وعندما ذهبت لرؤيتها، تصنّعتْ الشوق، وحاولت أن تخفي الدموع، ولكنني فهمت حالتها. ما كان عليك أن تتأخّر كثيراً!".‏

ماذا كان عليّ أن أفعل، وماذا لم يكن عليّ فعله؟ لم أهتد إلى الجواب قطّ. ومنذ أن تركت المدرسة للمرة الأولى، وأخذت أقضي كلّ أيامي في الميناء صحبة الرجال الأقوياء البنية، السمر منهم وغير السمر، كنت أشعر بأنه ينقصني شيء ما، دون أن يخبرني أحد أين يمكنني أن أجده. حتّى أمّي لم تكن تعرف!.‏

لم أرد على كلام أختي. اتّجهنا معاً إلى النافذة، وما أن فتحناها حتّى تسرّب البرد، وكان المطر يهطل وكأنه ينفلت من أفواه القِرَب ظللنا ننظر قلقين دون أن نأبه للمطر الذي أخذ يبلّلنا. ثم اتسأنفت أختي تجهش بالبكاء. أما أنا، فدمعت عيناي، وبكيت من أجل أمّي، ومن أجلي ومن أجل أختي، ولم أبكِ في تلك الليلة فقط، بل في كل السنين التي بقينا خلالها على قيد الحياة.‏

سمعنا الصوت ينادي: "(بيرتو)، يا (بيرتو) ! أين أنت؟"، ولكننا سمعناه مختلفاً عن العادة بسبب هبوب الرياح. فارقت النافذة، وهبطت الدرج مسرعاً، وخرجت جرياً باحثاً عن الهيئة السوداء.‏

"ها أنا يا ماما! أين أنت؟" صرخت عبثاً، وشعرت ببرودة الأرض تخترق قدميّ الحافيتين، وتنتشر في جسمي كلّه.‏

عانقتْني، وضمّتنْي إليها بشالها الثقيل الذي وقاني من المطر. كنت أتوقّع أسئلة كثيرة، غير أنّها لم تقل كلاماً آخر.‏

سألت عندما اجتمعنا وجهاً لوجه: "هل تريدون كأساً من الشاي قبل أن ننام؟" كانت عينا أختي ما تزالان محمرّتين، وأخذت أمّي تداعبها. وقبل أن أضع الكأس على فمي لتناول الرشفات الأولى، أدخلت يدي في جيبي وأخرجت بعض الـ"صولدي" التي كنت كسبتها يومذاك ووضعتها على المائدة ناحية أمي. لم تتخل عيناي عن تلك النقود القليلة الموضوعة فوق بعضها، وكأنني سدّدت ثمن الشاي الذي ناولتني إياه أمّي. بل لم أتطلّع إلى أمّي إلا بعد وقت طويل، وعندما نظرتُ إلى أختي محاولاً أن أخفي ما كان يخترقني من شعور، صادفت منها وجهاً يغمره التعجّب وخيبة الأمل.‏

قالت لي أمي بابتسامة جافة، وعيناها شاخصتان إلى عينيّ، وبوجهها مائلاً ومتّكئاً على يدها فوق المائدة: "يا (بيْرتو)، أشكرك، مهما كان المبلغ."‏

واستطعت أن ألمس ثقتها الكاملة بي. وفي حين كنا أنا وأختي قد شربنا الشاي، لم تكن أمّي قد قرّبت الكأس إلى شفتيها.‏

بعد دخولي الفراش، قبّلتني أمّي على جبيني، وعندما التمستُ بركتها، سمعتها تتنحنح، ولم تردّ عليّ. لم يكن بوسعي أن أراها تبكي لأنّها، ما أن دخلت غرفتها، حتّى أطفأت الضوء..‏

(*) عملة مالطية كانت رائجة حتى أوائل السبعينيات، وكانت قيمة (الصولد) ضئيلة جدا.

صورة  hiam's
User offline. Last seen 10 سنة 6 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 18/08/2007

في غيضة «راشومون» قصة الكاتب الياباني ريونوسوكه أكوتاغاوا ـــ ت.نبيل المجلي

شهادة حطاب تم استجوابه من قبل مفوض رفيع في الشرطة‏

أجل، يا سيدي. أنا، بالتأكيد من وجد الجثة. ذهبتُ هذا الصباح، كالمعتاد، لأقطع حصتي من شجرات الأرز، فوجدتُ الجثة في غيضة في حفرة في الجبال. الموقع بالضبط؟ حوالي 150 متراً عن طريق محطة ياماشينا. إنها غيضةُ أشجار خيزران وأرز إلى جانب الطريق.‏

كانت الجثة ملقاة على قفاها وهي ترتدي ثوب كيمونو حريرياً مائلاً إلى الزرقة وغطاء رأس مجعَّد من طراز كيوتو. اخترقت الصدر ضربة سيف وحيدة. كانت أوراق الخيزران العريضة المتساقطة حولها ملطخة بزهرات بلون الدم. لا، لم يكن الدم يتدفق. أعتقد، أن الجرح قد جفَّ. كانت ذبابة خيل هناك أيضاً، متشبثة بقوة، لا تكاد تلاحظ خطواتي.‏

تسألني إذا كنت قد رأيت سيفاً أو أيَّ شيء كهذا؟‏

لا، لا شيء، يا سيدي. وجدت فقط حبلاً عند جذر شجرة أرز في الجوار. و... حسناً، بالإضافة إلى الحبل، وجدت مشطاً. ذاك كل شيء. من الواضح أنه خاضَ معركةً من أجله قبل أن يقتل، لأن العشب وأوراق الخيزران المتساقطة كانت قد ديست في كل الجوار.‏

«أكان ثمة حصان في الجوار؟»‏

لا، يا سيدي. كان صعباً بما فيه الكفاية على الإنسان أن يدخل، ناهيك عن حصان.‏

شهادة راهب بوذي جوّال استُجوب من قبل مفوض رفيع في الشرطة‏

الوقت؟ بالتأكيد، كان ذلك في حدود ظهر الأمس، يا سيدي. كان الرجل المنكود الحظ على الطريق من سيكي ياما إلى ياماشينا. كان ماشياً نحو سيكي ياما مع امرأة ترافقه على صهوة حصان، علمت فيما بعد أنها زوجته. كان يحجب وجهها عن النظر وشاحٌ يتدلى من رأسها. كان كل ما رأيته لون ملابسها، بذلة ليلكية اللون. حصانها كُميت، له عرف دقيق. طول السيدة؟ أوه، حوالي أربعة أقدام وخمسة إنشات. بما أنني راهب بوذي، لم ألق بالاً لتفاصيلها. حسناً، كان الرجل مسلحاً بسيف بالإضافة إلى قوس وسهام. وأتذكر أنه يحمل بضعة وعشرين سهماً في جعبته.‏

لم أتوقع أبداً أن يلاقي مثل هذا المصير. حقاً إن الحياة البشرية سريعة الزوال مثل ندى الصباح أو لمعان البرق. كلماتي ليست كافية للتعبير عن تعاطفي معه.‏

شهادة شرطي تم استجوابه من قبل مفوض رفيع في الشرطة‏

الرجل الذي ألقيت القبض عليه؟ إنه قاطع طريق سيء السمعة يدعى تاجومارو.‏

حين قبضت عليه، كان قد سقط عن حصانه. كان يئن على الجسر عند آواتاغوشي. الوقت؟ في الساعات الأولى لليلة الماضية. من أجل المَحْضَر، يمكنني أن أقول إنني حاولت في أحد الأيام أن أقبض عليه، لكنه لسوء الحظ نجا. كان يلبس ثوب كيمونو حريرياً أزرق داكناً ويحمل سيفاً كبيراً منبسطاً. وكما ترون، فإن بحوزته قوساً وسهاماً في مكان ما. أتقولون بأن هذا القوس وهذه السهام تبدو شبيهة بتلك التي كانت بحوزة الرجل الميت؟ فتاجومارو إذن لابد أن يكون القاتل. القوس الملفوف بشرائط جلدية، والجعبة المطلية بورنيش اللك الأسود، والسبعة عشر سهماً بريش الصقر ـ أعتقد أنها كلها كانت بحوزته. أجل، يا سيدي، الحصان، كما تقولون، كميت بعرف دقيق. وراء الجسر الحجري بقليل وجدت الحصان يرعى بجانب الطريق، ورسنه الطويل يتدلى. بالتأكيد ثمة شيء من العناية الإلهية في سقوطه عن الحصان.‏

من بين جميع اللصوص الذين يجوسون في أنحاء كيوتو، فإن تاجومارو هذا قد تسبب بأشدّ الأسى للنساء في البلدة. في الخريف الماضي قتلت زوجة وفتاة عائدتان إلى الجبل من بندورا حيث معبد توريبه، للزيارة كما هو مفترض. اشتُبه بأن تلك كانت فعلته. إذا كان هذا المجرم قتل الرجل، فإنكم لا تستطيعون أن تقولوا ما الذي يمكن أن يكون قد فعله بزوجة الرجل. ربما يسر جنابكم أن تنظروا في هذه المسألة أيضاً.‏

شهادة امرأة عجوز استجوبت من قبل مفوض رفيع من الشرطة‏

أجل، يا سيدي، تلك الجثة هي الرجل الذي تزوج ابنتي. إنه ليس قادماً من كيوتو. كان فارس ساموراي في بلدة كوكوفو في مقاطعة واكاسا. اسمه كانازاوا وليس تاكيهيكو، وهو في السادسة والعشرين من العمر. كان ذا مزاج لطيف، وأنا واثقة من أنه لم يفعل شيئاً يثير غضب الآخرين.‏

ابنتي؟ اسمها ماساغو، وسنها تسعة عشر. إنها فتاة مفعمة بالحيوية، ومحبة للهو، لكنني متأكدة من أنها لم تعرف رجلاً سوى تاكيهيكو. لها وجه صغير، بيضوي، أسمر اللون بشامة عند زاوية عينها اليسرى.‏

البارحة غادر تاكيهيكو إلى واكاسا مع ابنتي. كم هو حظ عاثر أن تمضي الأمور إلى مثل هذه النهاية المؤسفة! ما الذي جرى لابنتي؟ أنا مذعنة للتسليم بفقد صهري، لكن مصير ابنتي يؤرقني حتى المرض. بالله عليكم لا تتركوا حجراً دون أن تقلبوه لتجدوها. أبغض ذلك اللص تاجومارو، أو أياً كان اسمه. ليس صهري وحسب، وإنما ابنتي... (غرقت كلماتها الأخيرة في الدموع).‏

اعتراف تاجومارو‏

أنا قتلته، لكنني لم أقتلها. أين ذهبت؟ لا أدري. أوه، انتظروا دقيقة. ما من تعذيب يمكن أن يجعلني أعترف بما لا أعرف. أمّا الأشياء التي أعرفها، فلن أضن عليكم بأي شيء منها. بالأمس بعد الظهر بقليل التقيت زوجين. وللتوّ عصفت هَبّةُ ريح، ورفعت وشاحها المتدلي، بحيث لمحت وجهها. في الحال حُجب ثانية عن مرآي. ربما يكون ذلك أحد الأسباب؛ فقد بدت مثل راهبة بوذية. في تلك اللحظة عزمت على أسرها حتى لو توجب علي قتل زوجها.‏

لمَ؟ القتل بالنسبة لي ليس قضية لها عظيم الأثر كما تحسبون. حين تؤسر امرأة، فإن على زوجها أن يقتل على أي حال. في القتل، أستعمل السيف الذي أحمله على جانبي. أأنا الوحيد الذي يقتل الناس؟ أنتم، أنتم لا تستعملون سيوفكم. أنتم تقتلون الناس بسلطتكم، وبأموالكم. أحياناً تقتلونهم بذريعة العمل لأجل صالحهم. صحيح أنهم لا ينزفون. وأنهم في كامل صحتهم، لكن الأمر سيّان، فقد قتلتموهم. إنه لمن الصعوبة بمكان أن نقول من هو الآثم الأكبر، أنتم أم أنا. (ابتسامة ساخرة).‏

لكنه سيكون أمراً جيداً لو استطعت أن آسر امرأة دون قتل بعلها. لذا، قررت أن آسرها، وأن أحرص على عدم قتله. لكن الأمر مستحيل على طريق محطة ياماشينا. لذا رتبت لاستدراج الزوجين نحو الجبال.‏

كان الأمر بمنتهى السهولة. صرت رفيق سفرهما، وأخبرتهما بأنه توجد رابية قديمة في الجبل هناك، وأنني نبشتها ووجدت كثيراً من المرايا والسيوف. تابعت بأن أخبرتهما بأنني دفنت الأغراض في غيضة خلف الجبل، وأنني أرغب في بيعها بسعر منخفض لأي شخص يحرص على امتلاكها. ثم.... إنكم ترون، أليس الطمع فظيعاً؟ كان قد بدأ يقتنع بحديثي قبل أن يدرك ذلك.. خلال أقل من نصف ساعة كانا يقودان حصانهما باتجاه الجبل معي.‏

حين وصلنا إلى قريب من الغيضة، أخبرتهما أن الكنوز مدفونة فيها، وطلبت منهما أن يأتيا ويشاهدا. لم يكن لدى الرجل اعتراض ـ كان الطمع قد أعماه. قالت المرأة إنها ستنتظر فوق حصانها. كان طبيعياً بالنسبة لها أن تقول ذلك، أمام منظر غيضة كثيفة. أصدقكم القول، مضت خطتي كما أردت، لذا دخلت معه إلى الغيضة، وقد خلفناها وحيدة وراءنا.‏

لم يكن في الغيضة سوى الخيزران لبعض المسافة. على مسافة خمسين ياردة تقريباً إلى الأمام ثمة أجمة مفتوحة نوعاً ما من أشجار الأرز. إنها بقعة مناسبة لغرضي. كذبت عليه كذبة معقولة بأن الكنوز مدفونة تحت شجرات الأرز، شاقاً طريقي عبر الغيضة. حين أخبرته بهذا، شق طريقه بجد نحو شجرة الأرز النحيلة الظاهرة خلال الغيضة. بعد حين خفت كثافة أشجار الخيزران، ووصلنا إلى حيث نَمَتْ عدة شجرات أرز في صف. وحالما وصلنا إلى هناك، أمسكت به من الخلف. ولأنه كان سيافاً، مدرباً، فقد كان قوياً تماماً، لكنه أخذ بالمفاجأة، فلم يكن له من معين. بعد وقت قصير قيدته إلى جذر شجرة أرز. من أين أتيتُ بالحبل؟ حمداً لله، فقد كان معي حبل، بحكم كوني لصاً، فلربما توجب علي أن أتسلق جداراً في أية لحظة.‏

طبعاً كان من السهل منعه من الصراخ بحشو فمه بأوراق الخيزران الساقطة.‏

حين تخلصت منه، ذهبت إلى امرأته وطلبت منها أن تأتي وتراه، لأنه مرض فجأة كما يبدو. لا حاجة للقول بأن هذه الخطة نجحت أيضاً. دخلت امرأة، نازعة قبعتها القشية، إلى أعماق الغيضة، حيث اقتدتها من يدها. وفي اللحظة التي لمحت فيها زوجها، استلت سيفها الصغير. أنا لم أرَ في حياتي امرأة بهذا المزاج العنيف. فلو لم أحترس، لتلقيت طعنة في جانبي. راوغت، لكنها تابعت تضرب في اتجاهي. كان من الممكن أن تصيبني بجرح بليغ أو أن تقتلني. لكنني تاجومارو. فقد استطعت أن أسقط منها سيفها أرضاً دون أن أجرد سيفي.‏

وأكثر النساء جرأة تصبح لا حول لها ولا قوة حين تكون بلا سلاح. استطعت على الأقل أن أشبع رغبتي فيها دون أن أسلب زوجها حياته.‏

أجل.. دون أن أسلبه حياته. لم تكن لدي الرغبة في قتله. وكنت على وشك الفرار من الغيضة، مخلفاً المرأة باكية ورائي، حينما تشبثت بذراعي بجنون. وبشظايا كلمات، طلبت أن يموت أحدنا أنا أو زوجها. وقالت إنه لأشق عليها من الموت بما لا يقاس أن يعرف عارها رجلان. قالت وهي تلهث إنها تريد أن تكون زوجة من يبقى. عندها تملكتني رغبة عارمة في قتله. (انفعال كئيب).‏

أن أخبركم بهذه الطريقة، لا شك، سأبدو رجلاً أكثر قسوة منكم. لكنكم لم تروا وجهها. وخصوصاً عينيها المشتعلتين في تلك اللحظة. حالما وقعت عيني على عينها، أردتها أن تكون زوجتي.. ملكت هذه الرغبة الوحيدة عليَّ عقلي. ليس الأمر شهوة وحسب، كما يمكن أن تحسبوا. في ذلك الحين، لو لم تكن لدي رغبة أخرى سوى الشهوة، لما ترددت في دفعها أرضاً والفرار بعيداً، ولما لطخت سيفي بدمه. لكنني في اللحظة التي حدقت بوجهها في الغيضة المظلمة، قررت ألا أغادر المكان دون أن أقتله.‏

لكنني لم أحب أن ألجأ إلى وسائل غير منصفة لقتله. فككت وثاقه وطلبت منه أن يقارعني بالسيف. (إن الحبل الذي وجد عند جذر شجرة الأرز هو الحبل الذي أسقطته في ذلك الحين) استل سيفه الغليظ، ثائراً غاضباً. وانقض علي بضراوة، بسرعة فكرةٍ، دون أن ينبس ببنت شفة. لا حاجة لأن أخبركم كيف انتهت مبارزتنا. الضربة الثالثة والعشرون... تذكروا هذا من فضلكم. ما زلت متأثراً بهذه الحقيقة. ليس من مخلوق قارعني بالسيف اثنتين وعشرين ضربة قط. (ابتسامة مبتهجة).‏

حين هوى، التفت إليها، خافضاً سيفي الملطخ بالدم. لكن ما أدهشني كثيراً أنها قد غادرت. تساءلت إلى أين هربت. بحثت عنها في أجمة أشجار الأرز. أصغيت، لكنني لم أسمع سوى أنين قادم من حنجرة الرجل المحتضر.‏

لعلها هربت خلال الغيضة، طلباً للمعونة، حالما شرعنا نتقارع بالسيوف. حين فكرت بذلك، قررت أنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لي، لذا خرجت إلى الطريق الجبلي، وقد سلبته سيفه، وقوسه وسهامه. هناك وجدت حصانها لا يزال يرعى العشب بهدوء. لعلها مضيعة للكلمات أن أخبركم بالتفاصيل اللاحقة، لكنني تخلصت من السيف قبل أن أدخل البلدة. هذه هي كل شهادتي. أعلم أن رأسي سيعلق بالجنازير في جميع الأحوال، لذا أنزلوا بي أقصى عقوبة. (موقف متحدٍّ).‏

شهادة امرأة جاءت إلى معبد شيميزو‏

بعد أن أرغمني ذلك الرجل، ذو الكيمونو الأزرق على الاستسلام له، ضحك ساخراً فيما كان ينظر إلى زوجي المكبل. كم كان زوجي مذعوراً! لكنه كان كلما جاهد ليخلص نفسه، أخذ الحبل في حزّ جسمه أكثر. وعلى الرغم مني ركضت متعثرة نحوه. أو بالأحرى حاولت أن أركض نحوه، لكن الرجل كان يسقطني أرضاً باستمرار. في تلك اللحظة بالذات رأيت ضوءاً لا يوصف في عيني زوجي. شيئاً يفوق الوصف.... عيناه تجعلاني أرتجف حتى الآن. تلك النظرة المباشرة لزوجي، الذي لم يستطع أن ينبس بكلمة، أفَضت لي بكل ما في قلبه. لم يكن البريق الذي في عينيه ضيقاً ولا حزناً. كان نوراً بارداً وحسب، نظرة اشمئزاز.‏

صرخت على الرغم مني، مصعوقة بالنظرة التي في عينيه أكثر مني بلكمة اللص، وسقطت مغشياً علي.‏

صحوت بمرور الوقت، ووجدت أن الرجل الذي يلبس الحرير الأزرق قد رحل.‏

رأيت فقط زوجي ما يزال مكبلاً إلى جذر شجرة أرز. نهضت بصعوبة من فوق أوراق الخيزران، ونظرت في وجهه؛ لكن التعبير الذي في عينيه ظل كما كان من قبل.‏

في عينيه، كان ثمة كراهية تبدو من وراء الازدراء البارد. عارٌ، وحزن، وغضب.. لا أعرف كيف أعبر عن مشاعري في ذلك الوقت. نهضت إلى زوجي، مترنحة على قدمي.‏

قلت له: «تاكيجيرو، بما أن الأمور قد وصلت إلى هذا الوضع، فأنا لاأستطيع أن أعيش معك. لقد قررت أن أموت،.... لكنك يجب أن تموت، أيضاً. لقد شهدت عاري. ولا أستطيع أن أدعك حياً على هذه الحال...».‏

كان هذا كل ما استطعت قوله. تابع التحديق بي باشمئزاز واحتقار. بحثت عن سيفه، وقلبي يتحطم. لا بد أن اللص قد أخذه. لم يكن سيفه ولا قوسه وسهامه في الغيضة.‏

لكن سيفي الصغير، لحسن الحظ، كان ملقى عند قدميّ. رفعته عالياً، وقلت ثانية، «أعطني حياتك. وسأتبعك على الفور».‏

حين سمع هذه الكلمات، حرك شفتيه بصعوبة. وبما أن فمه كان محشواً بالأوراق، فإن صوته لم يسمع أبداً. لكنني فهمت كلماته بلمحة. كانت نظرته التي تحتقرني تقول، «اقتليني». وبين الوعي واللاوعي طعنت بالسيف قلبه خلال الكيمونو الليلكي.‏

لا بد أنّه أغشي علي ثانية في ذلك الوقت. بمرور الوقت حاولت أن أنظر، كان قد لفظ للتو آخر أنفاسه ـ وهو ما يزال مكبلاً. شعاع شمسٍ آفلةٍ تدفق خلال أجمة أشجار الأرز والخيزران، وأضاء وجهه الباهت. حللت الحبل عن جسده الميت، وأنا أزدرد نحيبي. و... وماذا حدث بعدئذ لا أقوى على إخباركم. على أي حال لم تكن لدي القوة لأموت. طعنت حنجرتي بالسيف الصغير، وألقيت نفسي في البركة عند سفح الجبل، وحاولت قتل نفسي بطرق عديدة. لا أزال حية بلا شرف، غير قادرة على وضع حد لحياتي. (ابتسامة حزينة). ولأنني تافهة، فلا بد أن أنبذ حتى من قبل كوانون الرحيم. قتلت زوجي. اغتصبت من قبل لص. ماذا عساي أن أفعل؟ ماذا عساي... أنا... (نحيب عنيف، بالتدريج).‏

قصة القتيل، كما رويت عبر وسيط روحي‏

بعد الاعتداء على زوجتي، أخذ اللص، الجالس هناك، يقول لها كلمات معزية. لم أستطع الكلام، طبعاً. فقد كان جسمي كله مكبلاً بقوة إلى جذر شجرة أرز. لكنني في أثناء ذلك غمزتها مراتٍ عديدةً، لأقول لها «لا تصدقي اللص». أردت أن أنقل إليها مثل هذا المعنى.‏

لكن زوجتي، الجالسة بيأس على أوراق الخيزران، كانت تحدق في حضنها. كل الظواهر، كانت تشير إلى أنها تصغي إلى كلماته. عذبتني الغيرة. تابع اللص في الوقت ذاته حديثه الماكر، من موضوع إلى آخر. أخيراً، قدم اللص عرضه الجريء والوقح. قائلاً: «بما أن عفتك قد لوثت، فلن تبقي على وفاق مع زوجك، فهلا صرت زوجة لي؟ إن حبي لك هو ما جعلني أكون عنيفاً معك».‏

وفيما اللص يتكلم، رفعت زوجتي وجهها كما لو كانت منتشية. لم تبد جميلة قط كما كانت في تلك اللحظة. ما الذي قالته زوجتي الجميلة في معرض الإجابة عليه بينما كنت مكبلاً هناك؟ لقد ضعت في الفاصل الزمني، لكنني ما إنْ أفكر بجوابها حتى أحترق غضباً وغيرة. فقد قالت،.... «إذا خذني معك حيثما ذهبت».‏

ليس هذا ذنبها الوحيد. لو كان هذا فقط، لما تعذبت على هذا النحو في الظلام. فحين كانت خارجة من الغيضة كما لو في الحلم، ويدها في يد اللص، شحبت فجأة، وأشارت إلي وأنا مقيد إلى جذر شجرة أرز، وقالت: «اقتله»! حتى الآن تهدد هذه الكلمات بإلقائي منكس الرأس نحو جحيم الظلام الذي لا قعر له. هل خرج مثل هذا الشيء البغيض من فم بشري من قبل؟ هل سبق أن قرعت مثل هذه الكلمات الملعونة أذناً بشرية، ولو لمرة واحدة؟ ولو لمرة واحدة مثل... (فجأة صرخة ازدراء). عند هذه الكلمات شحب وجه اللص ذاته.‏

صاحت «اقتله»، وهي تتشبث بذراعيه. حدق فيها، دون أن يجيب بنعم أو لا.. لكنني لم أكد أفكر بجوابه حتى كانت قد طُرحت أرضاً فوق أوراق الخيزران. (صرخة ازدراء مرة ثانية). نظر إلي وقال، وهو يصالب ذراعيه بهدوء، «ماذا ستفعل بها؟ تقتلها أم تنقذها؟ عليك أن تشير برأسك فقط. تقتلها؟» أرغب في مسامحته على جريمته بسبب هذه الكلمات فقط.‏

وفيما أنا متردد، أطلقتْ صرخة حادة وركضت نحو أعماق الغيضة. على الفور حاول اللص الإمساك بها، لكنه فشل حتى بالإمساك بكمها.‏

بعد أن هربت، تناول سيفي، وقوسي وسهامي. وبضربة واحدة قطع واحداً من قيودي. أتذكر غمغمته وهو يقول، «مصيري هو التالي». ثم اختفى من الغيضة. وصمت كل شيء بعد ذلك. لا بل سمعت أحدهم يبكي. أصغيت بانتباه، فيما كنت أفك بقية الأربطة، فلاحظت أنه كان بكائي أنا. (صمت طويل).‏

رفعت جسدي المنهك عن جذر شجرة الأرز. كان يلتمع أمامي السيف الصغير الذي أسقطته زوجتي. رفعته وغرزته في صدري. صعدت كتلة من الدم إلى فمي، لكنني لم أشعر بأي ألم. حين برد صدري، صار كل شيء صامتاً كالموتى في قبورهم. ما أعمقه من صمت!‏

لا تسمع زقزقة واحدة في السماء فوق هذه المقبرة في جوف الجبال. قليلاً قليلاً خفت النور تدريجياً، إلى أن ضاعت أشجار الأرز والخيزران عن النظر. لفّني صمت عميق، وأنا ممدد هناك.‏

ثم زحف أحدهم نحوي. حاولت أن أرى من يكون. لكن الظلمة كانت تتراكم حولي.‏

شخص ما..... سحب ذلك الشخص السيف الصغير برشاقة من صدري بيده التي لا تُرى. في الوقت ذاته تدفق الدم إلى فمي. وغرقت إلى الأبد في ظلمة المكان.‏

صورة  hiam's
User offline. Last seen 10 سنة 6 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 18/08/2007

لمحة عن الكاتب :
ولد ريونوسوكه أكوتاغاوا سنة 1892 ومات منتحراً سنة 1927. عاش في طوكيو، وهناك لازم الجامعة، وفيما بعد اشتغل بالتعليم، ثم عمل صحفياً. كانت من بين مطبوعاته الأولى ترجمات لكتّاب غربيين، وعلى وجه الخصوص شعر وليم بتلر ييتس ونثر أناتول فرانس.‏

ثمة صفة مميزة لكل عمله ـ الذي يتضمن نحو مائة قصة قصيرة والكثير من الكتابة العرضية ـ هي نثره الدقيق، البعيد عمّا هو شخصيّ، والمضبوط «في غيضة»، بشهادتها المتعارضة، يبرز سؤال ما هو حقيقي وما هو خيالي، ما هو ذاتي وما هو موضوعي، تلك الجدلية التي تلائم تماماً شخصية أكوتاغوا المعذبة ورؤيته المتقلبة للواقع.‏

صورة  hiam's
User offline. Last seen 10 سنة 6 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 18/08/2007

من المانيا

موت إلزا باسْكُلَيت للكاتب الألماني هايْنْرِشْ بُلْ ـــ ت.د.حسان الحاج إبراهيم

كان يستأجر السِرداب في الدار التي كنا نسكنها من قبل سمّان يدعى باسكليت، وكنا ما نفتأ نجد صناديق البرتقال في كل مكان من الأروقة التي تفوح منها روائح الفاكهة الخَمِجة التي كان باسكليت يعدها لصاحب القمامة لنقلها، كما كنا نسمع خلف غُبْشةِ الزجاج الأبيض اللبني صوت باسكليت الجافي بلهجته البروسية الشرقية وهو يشكو زمانه البائس. إلا أن باسكليت كان في صميمه مرح النفس، فكنا نعرف معرفة اليقين التي لا يعرفها إلا الأولاد أن تأففه وسبابه ما كانا إلا هزلاً. وكثيراً ما كان يرقى بضع الدرجات التي كانت تبلغ به السكة من السرداب وقد ملأ جيوبه بالتفاح والبرتقال الذي كان يُلَقّفُناه كالكرات.‏

وقد كان باسكليت إنما أثار اهتمامنا بابنته إلزا التي كنا نعلم عنها أنها تريد أن تكون راقصة، أو لعلها كانت آنذاك راقصة فعلاً، على أنها كثيراً ما كانت تمارس الرقص تحت في السرداب المطلي بالأصفر قرب مطبخ باسكليت، فتاة هيفاء شقراء شاحبة عليها لباس فَلوتٌ أخضر، تهفو على أطراف قدميها دقائق بطولها كأنها التَمّة(1) تطّوّف طوراً أو تقفز في الهواء منقلبة كالبهلوان. وكنت إذا أعْتَمْتُ أراها من كوة غرفة النوم، فأرى في الكوة المستطيلة الصفراء جسمها النحيل بلباسه الأخضر الناضر ووجهها المُتَقَبّض الشاحب ورأسها الأشقر الذي كان يهز المصباح المجرد أحياناً في أثناء قفزها، فيأخذ المصباح في التدلدل وتتسع دائرة ضوئه الأصفر وتمتد في الباحة الغبشاء لحظة أو لحظات. وكان يمر قوم فيصيحون عبر الباحة: «بَغِيّ»، ولم أكن أعرف ما البغيّ آنذاك، وكان غيرهم يصيح: «رجس الخنازير» وكنت أحسبني أعرف ما رجس الخنازير، ولكنني ما كنت أظن أن يكون لذلك صلة ما بإلزا. وكانت كوة باسكليت تفتح عندئذ فتحاً عنيفاً ويظهر من بين بخار المقلى رأس باسكليت الأصلع المخمور، ومع الضوء الذي ينساب من كوة المطبخ المفتوحة في الباحة، كان يرتفع صياح باسكليت في الباحة المظلمة وابلاً من السباب والشتائم مما لم أكن أفهم منه شيئاً. وقد سُترت بعد ذلك غرفة إلزا بقطيفة خضراء غليظة، فحجبت الستارة ما كان ينبعث من ضوء من غرفتها، ولكنني مع ذلك كنت كل ليلة أنظر نحو تلك الكوة الكامد بريقها وأراها وإن كنت في الحق لا أستطيع أن أراها: إلزا باسكليت بلباسها الفلوت الأخضر الناضر، نحيلة وشقراء، وهي تهفو لحظات تحت المصباح المجرد.‏

وقد هجرنا منزلنا ذاك من بعد، وكبرتُ وأدركت ما البغيّ وحسبت أنني أعرف ما رجس الخنازير، وشهدت الراقصات، ولكنني لم أجد بينهن راقصة ترضيني كما كانت ترضيني إلزا باسكليت التي لم أسمع عنها شيئاً بعد ذلك. وحططنا رحالنا في بلدة أخرى، واستعرت نار الحرب وطالت الحرب وما خطرت لي إلزا على بال، حتى بعد أن عدنا إلى البلدة الأولى. وقد جربت أعمالاً مختلفة أبعد الاختلاف إلى أن أصبحت قائد سيارة عند تاجر كبير من تجار الفاكهة، فكان تجوالي بالشاحنة خير عمل أستطيعه حقاً، فكنت أستلم قائمتي في الصباح، وأستلم صناديق التفاح والبرتقال وسلال الإجاص، وأنطلق بعدها في المدينة.‏

وذات يوم وكنت واقفاً على الحدود(2)؛ حيث تحمل البضائع على سيارتي وأنا أرقب الأحمال وأقابل بينها وبين القائمة معي؛ إذ جاء كاتب الحسابات من حِفْشِه(3) المغطى بإعلانات الموز وسأل أمين المخزن قائلاً: «أنستطيع أن نمد باسكليت؟».‏

ـ «فهل طلب شيئاً إذن، أعنباً أبيض؟».‏

قال كاتب الحسابات وهو يرفع قلم الرصاص عن أذنه وينظر إلى أمين المخزن في دهشة: «نعم».‏

قال أمين المخزن: «إنه يطلب أحياناً عنباً أبيض، ولست أدري مع ذلك لم لا نستطيع أن نرسل إليه ما يطلب». ثم إنه صاح بالحمالين في مباذلهم الرمد قائلاً: «هيا.. هيا». وعاد كاتب الحسابات إلى حفشه. أما أنا فلم أعد ألتفت إلى الحمالين أو أستوثق مما كانوا يحملون إلى السيارة من البضاعة أو أقابل بينه وبين القائمة معي، بل لم أعد أرى إلا كوة السرداب المستطيلة المضيئة، وإلزا باسكليت ترقص شاحبة نحيلة بلباسها الأخضر الناضر. وقد سلكت من بعد طريقاً غير ما كان ينبغي لي ذلك الصباح.‏

أما المصابيح التي كنا نلعب عندها فلم أجد منها شيئاً إلا مصباحاً واحداً مقطوع الرأس, وأما البيوت فكان أكثرها متهدماً. ومضيت تهدر بي سيارتي في حفر الطريق العميقة، وقد خلت السكة من الأولاد، وإن كانت لتعج بهم فيما مضى، إلا صبياً أدعج شاحباً قد قعد على عرقوبيه قائماً على أطراف أصابعه فوق أنقاض جدار وهو يخط أشكالاً على التراب الضارب إلى البياض، فرفع نظره إلي وأنا أمر أمامه ثم عاد فنكس رأسه، وأوقفت سيارتي أمام بيت باسكليت ونزلت، وقد اغبرت كوى العرض الصغيرة فيه، وانهارت أكوام صناديق الورق المقوى ولطخ الوسخ ورقها الضارب إلى الخضرة بالسواد. ورفعت رأسي أنظر في الجدار المصلح، وتمهلت وأنا أفتح الباب المفضي إلى الدكان وأنزل الدرجات في بطء، وما كدت أنزل حتى وجدت رائحة الأفاويه التي أصابها البلل وقد كَتِلَت(4) وتركت لدى الباب في صندوق من الورق المقوى. ثم رأيت ظهر باسكليت ورأيت الشيب تحت كُمّته، وشعرت بما كان يجد من ضيق إذ يصب الخل من دَنّ كبير في زجاجة، وإذ لم يحكم سد البُزال حتى جرى الحساء الحامض على أصابعه، وتجمعت قطعة منه حامضة نتنة الرائحة على الأرض فوق الخشب الذي كان يَصِرّ تحت قدميه. وكانت تقف إلى المصطبة امرأة نحيلة تلبس معطفاً ضارباً إلى الحمرة وترقب باسكليت في غير اكتراث، حتى فرغ بعد لأي من ملء الزجاجة وكمّها. فألقيت السلام عندئذ مرة أخرى بصوت خفيض بعد أن كنت ألقيته وأنا عند الباب فلم يرد السلام علي أحد. ثم وضع باسكليت الزجاجة على المصطبة ونظر إلى المرأة بوجهه الشاحب غير المحلوق وقال: «ابنتي ماتت... ابنتي إلزا».‏

قالت المرأة بصوت أجش: «أعلم ذلك، وقد علمته منذ خمسة أعوام. وأريد أيضاً بعض رمل الجَلْي».‏

قال باسكليت وكأنما يخبر المرأة بما لا تعلمه: «قد ماتت ابنتي». ونظر إليها في حيرة ولكن المرأة قالت: «من الرمل المنفرط زن لي ست أواق». وجذب باسكليت إليه من تحت المصطبة وعاء أدكن ثم أخذ يُنَقّر فيه بمرفَشةٍ من الصفيح وينقل بيدين مرتعشتين كتل الرمل المصفر إلى كيس من الورق الأرمد.‏

قال: «ماتت ابنتي». وصمتت المرأة. وأخذتُ أنظر حولي فلم أجد إلا رِزَم الإطْرِية(5) المغبرة ودن الخل الذي كان يقطر الخل من صنبوره، ورمل الجلي ولوحة مموهة بالميناء عليها صورة صبي كاشرٍ عن أسنانه يأكل قطعة شوكولا، مما لم يعد له وجود منذ سنين. ودفعت المرأة الزجاجة في كيسها المشبك ورزمت قربها الرمل ثم رمت ببضع قطع من النقد على المصطبة، ثم التفتت ونقرت بإصبعها على جبينها نقراً خاطفاً وهي تمر بي وابتسمت في وجهي.‏

وأطلت التفكر. وذكرت أياماً كنتُ فيها صغيراً لا يبلغ أنفي سطح المصطبة، وأنا الآن أنظر دون عناء فوق صندوق الزجاج الذي كتب عليه اسم شركة من شركات البسكويت، والذي لا يحوي اليوم إلا أكياس السميد المغبرة. وشعرت لبرهة وكأنما أتقلص لأعود صغيراً لا يبلغ أنفي سطح المصطبة المتسخ، وأتلمس الفلوس في يدي لأشتري بها السكاكر. ورأيت إلزا باسكليت ترقص، وسمعت الناس في الباحة يصيحون: «بغيّ» ويصيحون: «رجس الخنازير» إلى أن أيقظني صوت باسكليت وهو يقول: «قد ماتت ابنتي»، يقولها دون وعي ويكاد يقولها دون إحساس، وقد وقف أمام صندوق العرض وأخذ ينظر إلى السكة.‏

قلت: «أجل». قال: «قد ماتت».‏

قلت: «نعم»، ثم أولاني ظهره واضعاً يديه في جيبي مبذلته الرمداء الملطخة.‏

قال: «كانت تحب العنب الأبيض، ولكنها قد ماتت الآن». ولكنه لم يسأل: «هل تطلب شيئاً؟» أو: «هل من حاجة فأقضيها لك؟»، بل لبث واقفاً بالقرب من دن الخل الذي يتقاطر الخل منه عند المشوار ويقول: «قد ماتت ابنتي» أو يقول: «قد ماتت» دون أن ينظر إلي.‏

وشعرت وكأنما لبثت هناك دهراً، ضائعاً منسياً، والوقت ينساب من حولي، ثم لم أستطع أن أريم من مكاني حتى دخلت في الدكان امرأة أخرى قصيرة سمينة تمسك كيسها أمام بطنها، فالتفت باسكليت إليها وقال: «قد ماتت ابنتي». قالت المرأة: «أجل»، ثم اندفعت تبكي فجأة وقالت: «رمل جلي من فضلك، من النوع المنفرط، ست أواق». ومضى باسكليت وراء المصطبة ونَقّر بمرفشته في الوعاء، فخرجت عندئذ والمرأة في مكانها ما تزال.‏

كان الصبي الشاحب الأدعج الذي كنت وجدته قاعداً على أنقاض الجدار واقفاً على رِكاب سيارتي وهو ينعم النظر في رُكُبِها ويمد يده من خلال زجاجها المفتوح فيرفع مُشيرتها اليمنى فاليسرى، فما إن رآني أقف فجأة خلفه حتى ارتاع، فأمسكت به ونظرت في وجهه الشاحب الفزع وتناولت تفاحة من صناديق التفاح على سيارتي ونفحتها الصبي، ثم أرسلته. فنظر إلي في دهشة بالغة حتى ذعرت فأخذت تفاحة أخرى فثالثة فحشوت بالتفاح جيبه ودفعت به في سترته قبل أن أركب سيارتي وأنطلق في طريقي.‏

(1) التَمّة: واحدة التمّ (وقد تكسر) وهو الإوز العراقي، طائر من طير الماء.‏

(2) الحدود: المكان تنحدر منه، وهو هنا رصيف منحدر تحمل منه البضائع على السيارات والعربات.‏

(3) الحِفْش: البيت الصغير جداً، سمي بذلك لضيقه.‏

(4) كَتِل الشيء: تلزق وتلزج.‏

(5) الإطرية: ضرب من الطعام يعمل من العجين والبيض، وتصنع منه الشعيرية والمعكرونة وغيرها.‏

صورة  hiam's
User offline. Last seen 10 سنة 6 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 18/08/2007

للقدر طريقته كورتني مْروك ـــ ت. محمد شريف الطرح

صرخت يائسة «توقفْ عن الزعيق» وأنا أضغط زر جهاز الإنذار الموجود في سلسلة مفتاح السيارة، وعلى الرغم من كثرة المرات التي حاولت فيها معالجة صوت بوق السيارة، بقي يدوّي.‏

بعد بضع محاولات أخرى توقفتُ. ولكن عندما حاولت تشغيل السيارة، لم يدر المحرك أبداً. لقد حذرتني المرأة التي اشتريت السيارة منها بأن جهاز الإنذار لا يعمل جيداً أحياناً. وقالت أيضاً إن تشغيل جهاز الإنذار وإطفاءه قد يحلان المشكلة. ويبدو أنها عالجته مرة واحدة فقط؛ فالأمر لا يحدث كثيراً، ولم يعرف الناس الذين تجمعوا حول السيارة ليروا ما الأمر، ما هي المشكلة. فهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها معي مثل ذلك ولذلك فعلت ما قالته المرأة لي؛ مع ذلك لم تحل المشكلة، ولم يعمل المحرك.‏

صرخت يائسة «اللعنة!»‏

ذهبت إلى شقتي، وأخرجت دليل الهاتف. بمن سأتصل؟ لا أعلم.. ولكن كان هناك عدد من أسماء الشركات التي يمكنني أن أختار واحدة من بينها. واستقر رأيي على واحدة منها يقول إعلانها: «الخدمة على مدار 24 ساعة باليوم، وخدمة مباشرة على جانب الطريق».‏

وصل رجل الخدمة بعد عشرين دقيقة.‏

عندما خرج من شاحنته والتفت ليغلق بابها، دوّى جهاز الإنذار الذي في داخلي. فقد كان طويلاً وذا ذقن عريضة، وشعره بني اللون، وابتسامته عريضة. وعندما التقت عيناه الخضراوان الناعمتان بعينيَ، ارتعشت معدتي.‏

ـ السيدة كيم ماك آليستر؟‏

ـ الآنسة. صححت قوله سريعاً‏

واتسعت ابتسامته وقال: «أين السيارة؟»‏

فأريته السيارة وشرحت له حالتها.‏

ـ سنرى ما نستطيع فعله.‏

أعطيته المفاتيح، وتماست أصابعنا، فرفعت رأسي ورأيته يبتسم ابتسامة عصبية.‏

وقال: «شكراً» وهو ينظر في عيني مباشرة قبل أن ينسحب.‏

ومرة أخرى ارتعشت معدتي.‏

حاول فصل جهاز الإنذار، لكن صوته دوّى أيضاً ولم يدر المحرك كذلك.‏

فقال: «همم، سأعود فوراً»‏

ثم أحضر علبة الأدوات من صندوق شاحنته ونزل تحت سيارتي، وراح يسحب حزمة من الأسلاك.‏

قال وهو يفحص الأسلاك: «هل كان ذلك يحدث منذ زمن طويل؟»‏

فقلت: «المرة الأولى معي» وشرحت له قصة المرأة التي اشتريت السيارة منها.‏

فقال: «هممم» وهو يركز على الأسلاك، ولم أعرف إن كان جوابه «هممم» موجهاً إلى الأسلاك أم إلي، ورفع غطاء المحرك ودار حتى استند إلى مقدمة السيارة وانثنى بداخلها.‏

ـ «أرجو ألا تكون شركتي بين الشركات التي أخذتها إليها».‏

ـ «للأمانة، لا أعرف إلى أين أخذتها، فهي لم تخبرني بذلك، لكنها قالت: لم يكن من الممكن إصلاحها».‏

ـ «حسناً، سنرى إن كنا نستطيع تغيير ذلك» وغمز بعينه وعاد ليلعب بالأسلاك تحت السيارة «ماذا تعملين لكسب العيش؟» فأجبته، «إنني أعمل مساعدة قانونية في شركة قانونية».‏

ـ أية شركة؟‏

ـ ألتندورف وريكين، مركز البلد، لماذا؟ هل تبحث عن محام؟‏

ـ في الواقع، نعم. إن رئيسي على وشك التقاعد، وأنا لست مسروراً من الشخص الذي سيشتري الشركة منه.‏

ـ آه، في هذه الحالة، ذكّرني حتى أعطيك واحدة من بطاقاتي عندما تنتهي.‏

فالمحامون الذين أعمل لديهم يعالجون جميع أنواع حسابات الشركات الصغيرة.‏

ـ «عظيم. شكراً».‏

صعد إلى مقعد السائق، وأغلق الباب، أدار جهاز الإنذار، ثم أوقفه، ومن ثم أدار محرك السيارة من دون أن ينطلق بوقها، فقال: «انتهى الأمر» وكان يبتسم عندما نزل من السيارة.‏

ـ هل أصلحتها؟ وبهذه السرعة؟‏

فقال: «ليس العمل بأبواق السيارات صعباً، عندما تعرفين ما تفعلين» سألته: «بكم أنا مدينة لك؟» فأخبرني. بينما راح يأخذ أدواته دخلت إلى السيارة وكتبت له شيكاً وأخذت بطاقة من بطاقاتي وخرجت لأعطيه الشيك والبطاقة. فقال: «شكراً» وأخذها مني.‏

ـ الشكر لك! إنني أقدر مجيئك سريعاً.‏

ـ لا شيء أبداً. فهذا عملي.‏

وتردد لحظة وكأنه يريد أن يقول شيئاً آخر، وبابتسامة أخيرة لوح بيده مودعاً دخل سيارته وقادها مبتعداً. غاب عن ناظري، على الأقل، إذ لم أستطع أن أغيبه من ذهني طوال ذلك اليوم.‏

ما كان غريباً بالنسبة لي هو أنني لم أكن عادة، كما أنا الآن، مهووسة بشخص خلال ربع ساعة وحسب فأنا لا أعرف عنه شيئاً، حتى اسمه، يا الله! وفي أثناء تناول العشاء في ذلك المساء، أخبرت صديقتي تريشيا عنه. فقالت لي: «اتصلي بي هاتفياً واطلبي منه أن يخرج معك، فأنت امرأة عصرية قبل كل شيء، ولا يوجد أي أذى في ذلك». احمر وجهي عندما فكرت في ذلك. وتساءلت، ترى كم مرة في اليوم يتعرض هو لمثل هذا الموقف؟ قد تكون النساء الأخريات جريئات، ولكنني بالتأكيد لم أكن كذلك، أم هل كنت يا ترى؟‏

ـ لا تكوني محتشمة كثيراً، يا كيم. كيف تعتقدين أن الناس يتقابلون في هذه الأيام؟‏

فأجبتها بصورة تغيظها: «على شبكة الإنترنت».‏

دورت عينيها وقالت: «من وجهة نظري أرى في الأمر دوراً للقدر. فالسيدة التي اشتريت السيارة منها، كانت قد أخذتها إلى شركات عدة لإصلاحها، صحيح؟ ولكنه هو تحديداً من أصلحها، ليس هنا أية مشكلة. قد يكون السبب الوحيد لبقاء السيارة من دون إصلاح هو أن تلتقيا أنتما الاثنان».‏

بعد تناول طعام العشاء، وخلال بقية عطلة نهاية الأسبوع، كنت أفكر بما قالته تريشيا، ولم أستطع التوقف عن التفكير فيه، هو الذي لا أعرف اسمه.‏

وقررت مساء يوم الأحد أن أتصل بشركته في اليوم التالي وآخذ اسمه.‏

وبعدها أرسل له بطاقة شكر لإصلاحه سيارتي. وسأضيف ملاحظة أوضح فيها بأني لا أفعل ذلك عادة، ولكنني أرغب بالخروج معه في وقت ما.‏

خلال استراحتي الصباحية في اليوم التالي، وجدت لدي القوة لأن أنفذ خطتي. واكشتفت أن اسمه ريان كما اكتشفت أنه لم يكن مجرد رجل الخدمة، فقد كان يملك الشركة.‏

وكان هو الرجل الوحيد الذي يقوم بالأعمال كلها، كان في حاجة إلى خدمة الإجابة على الهاتف. ولكن إن كان اتصالي لأمر طارئ فإنهم يحاولون إيصال رسالتي مباشرة. لكني أخبرتهم بأنه ليس لدي أية رسالة، وأنهيت الاتصال.‏

فكتبت ملاحظتي بالسرعة الممكنة قبل أن أفقد شجاعتي، ووضعت طابعاً عليها، وأودعتها صندوق البريد. ثم حاولت أن أنسى ما فعلت.‏

قلت لنفسي «حسناً، إن أسوأ ما يمكن أن يحصل أنه لن يتصل هاتفياً».‏

بعد أربعة أيام قدرت أن هذا هو ما حصل. فلا بد من أنه تسلم بطاقتي الآن، لكنه لم يتصل. حاولت ألا أشعر بخيبة أمل، ولكنني كنت خائبة الأمل. وعندما رن جرس هاتفي خلصني من تلك الحالة، وهذا ما كنت أحتاج إليه لأني كنت في العمل وكنت في حاجة إلى التركيز فيه، لا أن أكون مهووسة بهذا الغريب الذي تحدثت إليه قبل أربعة أيام ومدة خمس عشرة دقيقة فحسب.‏

ـ كيم ماك آليستر؟ لا أدري إن كنت ستتذكرينني أم لا. لقد أصلحت لك جهاز الإنذار في عطلة نهاية الأسبوع؟ وأعطيتني بطاقتك؟‏

فقلت: «أذكر» وبدأ قلبي يضرب بقوة في صدري. لقد اتصل أخيراً.‏

ـ لقد أخبرتني بأن شركتك تعالج قضايا الشركات الصغيرة.‏

توقف قلبي عن الضربات القوية وهبط. لقد اتصل من أجل العمل إذاً، وليس بسبب بطاقتي والملاحظة التي فيها. قلت: «نعم».‏

ـ حسناً. إنني لا أتصل من أجل ذلك بالتأكيد. هل لديك بضع ثوان لنتحدث؟‏

ـ طبعاً. وحاولت أن أخفي مشاعري، لكن ذلك غير جيد أبداً. وأسرع عقلي يحاول فهم ما يمكن أن يريد قوله. ماذا لو أنه تسلم بطاقتي وكان مرتبطاً؟‏

لم أشاهد خاتم زواج في إصبعه، لكن ذلك لا يعني أن صديقة لديه.‏

سادت فترة صمت، ثم قال بعصبية: لا أطلب من زبائني الخروج معي، لأنني أعتقد أن ذلك ليس من أدب المهنة. لكنني تمتعت بالحديث معك بالفعل، وأنا أتساءل إن كنت ترغبين بالخروج معي في وقت ما؟‏

جلست مصعوقة وراحت ضربات قلبي تتسارع.‏

فقال: «آلو؟»، عندما لم أرد عليه مباشرة، فأجبت «إنني لا أزال هنا..» فقال: «اسمعيني، إن كنت مرتبطة بشخص ما..»‏

فقاطعته وقلت«لا»: وأضفت سريعاً: «هل تسلمتَ بطاقتي؟»‏

ـ بطاقة؟‏

من نبرة صوته عرفت أنه لم يكن يعرف عما كنت أتحدث، فشعرت بالراحة والقلق معاً.‏

ـ لا تبالِ، سوف أخبركَ عنها في أثناء العشاء.‏

ـ هذا يعني أنك ستخرجين معي؟‏

ـ «نعم»، وضحكت لأنه بدا لي من صوته أنه مسرور جداً.‏

ورتبنا الخطط لنتقابل فيما بعد. واتصلت برفيقتي تريشيا، وأخبرتها بما حدث.‏

ـ «هل رأيت؟» قالتها بلهجة العارف. «فأنا أقول لك، إن الشيء يحدث بسبب. وعندما يكون القصد أن يكون، فهذا يعني أنه سيحدث.. هذه هي طريقة القدر».‏

وتملكني شعور غريب بأن تريشيا قد تعرف بالفعل ما كانت تتحدث عنه.‏

User offline. Last seen 15 سنة 44 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 19/12/2007

شكرا جودي على هالسلسلة من القصص الرائعة

مشترك منذ تاريخ: 12/09/2006

جهد تشكرين عليه جودي

قصص جميلة ...

بالتوفيق...

ذكريات الزمن القادم...

صورة  hiam's
User offline. Last seen 10 سنة 6 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 18/08/2007

يسعدني مروركما ......KaKa07, Serbst,

صورة  hiam's
User offline. Last seen 10 سنة 6 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 18/08/2007

قصة من الفلبين:
دم كاسر الإضراب روخلـيو أوردونيس ـــ ت.د.شوكت يوسف

روخليو أوردونيس قاص وروائي فلبيني معروف. ولد عام 1940 في مقاطعة (كافيتي). يكتب باللغة التغالية. يعمل محاضراً لمادة الأدب في عاصمة بلاده (مانيلا). يعتبر من نشطاء حركة المثقفين التقدميين في بلاده.‏

كان هدير أنوال معمل النسيج وضجيجها الذي لا ينقطع ولو لثانية واحدة قويين يصمان الآذان. أحسّ (مندو)، وهو أمام نوْله، أن ذلك ليس سوى صرخات ما قبل الموت. بات هذا الضجيج كأنما يصرخ في أذنه، يطلب منه بإلحاح شيئاً ما، تماماً كحال ضربات قلبه والعرق المتصبّب من جبينه والحرارة المتسربة تدريجياً إلى دمه. خالَ الساعة الضخمة المعلّقة عيناً مفتوحة على اتساعها ترقب كل زاوية في سجن الآلات الكبير هذا وتنظر إليه مباشرة كذلك.‏

سُمع فجأة صوت ارتفع فوق ضجيج الآلة:‏

ـ اقترب الموعد يا أصدقاء!‏

أجابته أصوات عديدة أشبه بالصراخ:‏

ـ نحن جاهزون!‏

سأل آخر بصوت عال:‏

ـ هل من معارض؟‏

وعلى الفور دوّت في كل أرجاء المكان أصوات في صوت واحد:‏

لا أحد!‏

رفع مندو رأسه. كانت تعابير وجوه زملائه جديّة وصارمة انعكست فيها مشاعرهم وأحاسيسهم ـ الحماسة، الاندفاع، الاستعداد للكفاح، الحميّة الثورية. قرأ في عيونهم التصميم والعزم والإرادة الصلبة. أمّا هو نفسه فكان نهباً لمشاعر أخرى مختلفة تماماً عن مشاعر كل الزملاء.‏

الآلات تهدر بأصواتها دون توقف، والخيوط تدور لتصبح نسيجاً كاملاً. مؤشر الدقائق في الساعة الكبيرة المعلقة يتحرك ببطء شديد. العمّال ينظرون بقلقٍ وغضب نحو مندو، أما هو فيبدو عليه العناء... يحاول طرد الأفكار التي لا تني تطن في رأسه... رأسه يضجّ.‏

يهدأ تدريجياً ضجيج الأنوال. يشبه الآن أنين محتضر. حلّت أخيراً الدقيقة التي بقي فيها نول مندو وحده يخرق الهدوء.‏

عرف لماذا توقفت الآلات الآن عن العمل، وعرف كم الساعة دون أن يرفع رأسه: الثانية والنصف تماماً. انتظر الجميع بترقب حلول هذا الوقت. كذلك هيّأ مندو نفسه لذلك.‏

التفت مندو حوله. كان العمال يغادرون أماكنهم واحداً واحداً كما لو حلّت نهاية يوم عمل المجموعة. وكان كل واحد ينظر وهو خارج باستغراب صوب مندو.‏

مرّ من أمامه (كادو) قائد الإضراب الذي جرى الاستعداد له منذ زمن وصرخ في وجهه:‏

ـ أي يا زميل! حقاً رأسك يابس. أنت ضدنا جميعاً؟ لا تلم سوى نفسك!‏

ارتبك مندو للحظة: هل يعني ذلك أنهم قد صمّموا فعلاً على تنفيذ الخطة! لكنه أدرك حالاً أنه لا يمكن الآن قهر الإرادة التي تشكلت ونضجت خلال زمنٍ غير قصير والتي عبّرت عنها الآن نظراتهم وملامح وجوههم.‏

وضع شخص ما يده على كتفه. استدار فرأى مدير المعمل واقفاً أمامه. أطفأ مندو محرّك الآلة.‏

سأله المدير:‏

ـ ألستَ المدير:‏

ـ لا أريد أن يجوع أطفالي.‏

ـ هل يعني هذا أنك مستمر في العمل؟‏

ـ لا أستطيع ألا أعمل. أنا المعيل الوحيد للأسرة.‏

هزّ المدير رأسه باستحسان. المعمل طبعاً بأمسّ الحاجة الآن لمثل مندو. إذا تعطلت كل الأنوال توقف العمل في المعمل كله. سيفقد إذ ذاك كثيرون عملهم: عمال التفصيل والصباغة وعمال المستودع وسواهم. وخلال بضعة أشهر تصبح خسارة المعمل محققة.‏

ـ تابعْ عملك وسأدفع لك خمسين بيزو إضافة إلى أجرك الحالي، وحتى بعد انتهاء الإضراب. لكن أطلب منك بالمقابل أن تنفّذ المعدل المطلوب ـ خمسين ياردة يومياً وعندها سيبقى لدينا في المستودع كمية كافية من القماش. لن يهمني الإضراب عندئذ حتى لو استمر شهرين، إذ سيبقى بإمكاننا تلبية طلبات الزبائن. استأنف مندو عمله وعلا هدير الآلة من جديد. نول واحد في الورشة كلها. بدا كأنما يسخر من الهدوء. لبث مندو مرتبكاً طوال الوقت. يزداد اضطرابه في كل مرة تقع عيناه على ساعة الحائط. يتذكر نظرات زملائه المتوعدة وسواعدهم الجاهزة لتفريغ شحنة الغضب المكبوت. يتذكر أيضاً لسان كادو الحاد.‏

قال كادو ذات مرة بعد انتهاء الدوام:‏

ـ مصّاصو دماء! لأنّ طلبات الزبائن كثيرة يرغموننا على العمل زمناً أطول وفي أيام الآحاد، وفوق ذلك كله يفرضون علينا غرامات...‏

قاطعه أحد العمال:‏

ـ ما العمل؟ هل باليد حيلة؟ ألا تعرف أنه من الصعوبة الآن العثور على عمل... بصق كادو على الأرض. قطّب جبينه وقال:‏

ـ اعملْ إذن إلى أن تفطس! نحن نطعمهم بأيدينا ونجوع!‏

لم يجبه أحد. فهمه جميعهم جيداً. فهمه مندو كذلك. كادو محق طبعاً. قال ما كان يدور برأس كل منهم. تحمّلوا كثيراً من الأذى والمضايقات وصبروا طويلاً. يقضون نصف حياتهم في الورشة ويجوعون نصف حياتهم. قال كادوا الحقيقة: بالكاد يكفي الأجر للاستمرار على قيد الحياة. أرباب العمل يزدادون ثراء، أما نحن فلا نستطيع إعالة أُسرنا.‏

تابع كادو كلامه قائلاً:‏

ـ انظر إلى (تشوا) ـ صاحب معملنا. اشترى بعرق جباهنا ثلاث سيارات «كاديلاك». أما أنت وبعد عشرين سنة ستبقى أفقر من فأر.‏

كان كلام كادو عين الحقيقة. مع ذلك قرّر مندو ألا يأخذ برأيه ـ فليضربْ كادو ومن معه... خاف الرجل أن يخسر عمله. عنده زوجة وثلاثة أطفال، وعليه أن يفكر بهم في المقام الأول.‏

أدرك أنّ كادو محق وكذلك العمال الآخرون. أدرك أنه يتصرف بخسّةٍ ويخون زملاء العمل. لكنه يعيل أسرة! وعند الآخرين بالطبع أسر، فعلاً الأمر صعب على الجميع، لكن ما علاقته بالآخرين! لماذا عليه أن يسير في ركاب كادو وأضرابه؟ إنه مستقل، مسؤول عن نفسه... لن يهتم بأطفاله أحد سواه. يجب أن يعيش بأي ثمن...‏

عندما أشارت الساعة إلى الخامسة والنصف أوقف الآلة. لبث واقفاً في مكانه بعض الوقت. الهدوء الآن يخيّم على المكان... هدوء كما في المقابر. وأحسّ باضطراب داخلي كما لو كان في مقبرة. خرج إلى فناء المبنى. رأى من بعيد العمال المضربين متجمعين حول بوابة المعمل. رفعوا في أيديهم لافتات. صوّبوا نظراتهم نحوه كأنما ينتظرون خروجه. أحسّ بالخوف، لكنه صمّم على متابعة الشوط. تلفّت حوله. ليس ثمة طريق آخر.‏

اتجه كادو نحوه واضعاً يديه في جيبي سترته الجلدية:‏

ـ مندو! دقيقة من فضلك!‏

اقترب مندو منه. على الفور أحاط به جمع من العمّال. كان كادو عابساً محمر الوجه:‏

ـ حذّرتك منذ أيام يا حيوان! قلت لك لا تكن جباناً. تتصرف كما لو كنتَ عبد تشوا. هل يرضيك أن يثني عليك؟!‏

رفع مندو عينيه وقال بنبرة قوية:‏

ـ لا أحد يمنعكم من الإضراب. أما أنا فأرفض.‏

ـ حيوان! نذل!‏

لم تكد تصل كلمات كادو أسماع العمال الآخرين حتى أخذوا بتلابيب مندو. دفعه أحدهم، صفعه آخر... اندفع الجميع نحوه من كل الجهات. ولم يعد يُرى سوى قبضات الأيدي المرفوعة وسط دائرة مغلقة.?‏

صورة  hiam's
User offline. Last seen 10 سنة 6 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 18/08/2007

أيدي السود (قصة من موزامبيق) ـــ لويس برناردو أونغانا ـ ت.شوكت يوسف

ما عدتُ أذكر المناسبة ولا متى على وجه الدقة، لكن السيد(1) المعلم قال ذات مرة إن راحات أكفّ الناس السود أو الزنوج أقل سواداً أو أكثر بياضاً من سائر أجزاء أجسادهم، لأن أسلافهم، قبل قرون عديدة، كانوا يدرجون، كما الحيوانات، على أربع، ولذا لم تتعرض أكفّهم للشمس التي سوّدت أشعتها بالمقابل أجسادهم.‏

تذكرت هذا الأمر عندما قال لنا السيد الكاهن بعد قراءة «كتاب تعليم أصول الدين» إننا جميعاً لم نعد ننفع في شيء وإن السود في الماضي كانوا أفضل بكثير من الآن. وذكر آنئذ الأكف الكاشفة اللون التي صارت على ما هي عليه لأن السود في الأزمنة الماضية، كانوا أكثر خضوعاً وخشوعاً، وإيماناً شابكين أيديهم على صدورهم دوماً من أجل الصلاة.‏

بدت لي هذه القصص حول أكفّنا طريفة، حتى رحتُ أطرح هذا السؤال على كل ما يمكن أن يقول لي شيئاً جديداً حول ذلك. (دونا دوريس)، على سبيل المثال، قالت إن الله خلق الأكف كاشفة هكذا كي لا يتلوث الطعام الذي يحضّره السود لأسيادهم وكي تبقى نظيفة، كما يجب، الأشياء الأخرى التي تلمسها أيديهم.‏

أما السيد (أنطونيش كوكا ـ كولا) الذي لا يخرج من حانوته إلى شوارع القرية إلا بعد أن يبيع كل عبوات الكوكا ـ كولا المتوافرة لديه، فأخبرني بأن كل هذه التفسيرات هراء ولا قيمة لها. طبعاً، في البداية لم أوافقه الرأي، لكنه سعى جهده لإقناعي بوجهة نظره. وبعد حين عندما اعترفت له بقبول رأيه، روى لي كل ما عرفه عن أيدي السود كما يلي:‏

ـ في قديم الزمان، قبل سنوات موغلة في القدم اجتمع الرب، ويسوع المسيح، ومريم العذراء، والقديس بطرس، وكثير من الملائكة والقديسين الآخرين، إضافة إلى الأموات الذين ارتفعوا إلى السماء وقرروا جميعاً خلق الناس السود. هل تعلم كيف حصل ذلك؟ تناولوا صلصالاً وصنعوا منه أشكالاً آدمية، ثم رفعوها لشيّها في الموقدة السماوية كما يجب. لكن نظراً لأن القديسين كانوا في عجلة من أمرهم، وحجم الموقدة لا يتسع لكثيرين دفعة واحدة لإتمام العملية فقد علق كثيرون فترة طويلة في أنابيب المداخن بانتظام دورهم. في هذه الأثناء تكاثف الدخان المتصاعد أكثر فأكثر، واسودّ كما الفحم كل من كان في هذه الأنابيب. أما الآن فلا شك في أنك تريد معرفة سبب بقاء أكفهم كاشفة اللون. طبعاً أثناء شيّ الصلصال على النار صار الجو حاراً وخانقاً، وهذا ما دفع كلاً منهم للتشبث بأخيه، وبهذا الشكل نجت أكفهم من السواد. هنا ضحك السيد أنطونيش وكذلك الآخرون الذين تحلقوا حولنا لسماع هذه الرواية.‏

في ذلك اليوم ذاته، وبعد أن ذهب السيد أنطونيش ناداني السيد (فرانش)، وقال لي إن كل ما سمعتَه هنا فاغراً فاك من الدهشة محض هراء. فالقضية، في حقيقة الأمر، غير ذلك تماماً ـ هو وحده يعرفها وهي على النحو التالي: عندما فرغ الإله من خلق البشر أرسلهم للاستحمام في البحيرة السماوية، وبعد الاستحمام أصبحوا بيض البشرة. لكن ذلك حدث عند بزوغ الفجر، وفي ذلك الوقت كان ماء البحيرة بارداً جداً. وهكذا لم يجرؤ بعض الناس على الاستحمام في عمق البحيرة، بل اكتفوا بغسل أيديهم وأقدامهم قبل أن يرتدوا ثيابهم وينزلوا إلى الأرض.‏

لكني قرأت أيضاً كتاباً أشير فيه عرضاً على أن أكف الناس السود بقيت كاشفة اللون، لأنهم عاشوا زمناً طويلاً محنيين يجمعون القطن الأبيض في الحقول. لم توافق (دونا ستيفانيا) على هذا الرأي، ورأت أن الأكف قد ابيضّت قليلاً لكثرة ما غُسلت بالماء والصابون.‏

في نهاية الأمر صرتُ في حيرة بعد كل ما سمعته. فأيدي الناس السود حقيقةً ـ وحتى تلك العجفاء المتغضنة ـ أكثر بياضاً من سائر أجزاء الجسم الأخرى. تلك الحقيقة لا جدال فيها!‏

أخيراً وحدها أمي قالت الحقيقة بخصوص أيدي الناس السود ولونها. في ذلك اليوم عندما جرى الحديث بيننا عن ذلك رويتُ لها كل ما سمعته من قصص فضحكت وضحكت.. ولم تجب على سؤالي آنئذ. وعندما ألححتُ بالسؤال ورأت أني مصرٌ على معرفة رأيها عاودها الضحك من جديد حتى سالت دموعها. ثم حكتْ لي ما يلي:‏

ـ خلق الله السود لأن ذلك كان ضرورياً. كانت تلك ضرورة لا بد منها يا بنيّ... بعدئذ ندم الرب على ما فعل لأن الناس الآخرين صاروا يسخرون منهم، يتخذونهم خدماً في بيوتهم، عبيداً وأرقاء... لكن لم يعد بوسعه فعل شيء من أجل جعل جميع الناس بيض البشرة، لأن الناس البيض اعتادوا على استرقاق السود، استمرؤوا خضوعهم ولم يوافقوا على الامتناع عن ذلك. عندها قرّر الرب جعل راحات أكف السود كسواها لدى الناس الآخرين. هل تعرف لماذا؟ واضحٌ أن لا تعرف، ولا غرابة في ذلك، إذ كثيرون لا يعرفون أيضاً. فعل الرب ما فعل ليدل على أن كل ما يفعله الناس إنما هو، في المقام الأول، فعل بشر، فعل أيدٍ واحدة ـ أيدي بشر عليهم أن يفهموا أنهم قبل كل شيء بشر. يجب أن يفهموا أن أيدي السود هي تماماً كأيدي أولئك الفرحين بكونهم بيضاً لا سوداً.‏

روتْ أمي لي ذلك وقبّلت راحة يدي.‏

أما أنا فعدوتُ راكضاً إلى باحة الدار للعب بالكرة مستذكراً أني لم أشهد في إنساناً بكى هكذا دونما سبب ظاهر كما بكتْ أمي.‏

يُقصد بكلمة «السيد» هنا وفيما سيلي المستعمر الأبيض

صورة  hiam's
User offline. Last seen 10 سنة 6 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 18/08/2007

أمنية ـــ بقلم: نودار دومبادزه* ـ ت.د.عادل إسماعيل

كان الصباح ربيعاً، ندياً، منعشاً، والهواء صافياً، شفافاً. وقفتُ وسط مرج مرصّع بالأزهار، تحت شجرة زيزفون يابسة، بعمر القرون، وسرّحتُ ناظري في المدى البعيد. راحت تتصاعد في السماء زوبعةٌ غريبةٌ، خفيفةٌ، زاهية بكل أطياف قوس قزح. كانت الزوبعة تقترب مسرعة وهي تدور حول نفسها كأنها في رقصة مرح. وفجأة انقلبت الزوبعة دثاراً بالغ الرقة عذبَ الجمال، دثاراً التفّ حول شجرة الزيزفون الشائخة. وما حدث بعد ذلك لم يكن أعجوبة. كان أعجوبة لو أنه لم يحدث. فقد انتعشت الشجرة وتنفست، وتعالى حفيف أوراقها الغضة الخضراء. أمّا الدثار المزدان بألوان قوس قزح فانقلب فراشةً ضخمةً زاهية الألوان وطارت صُعُداً إلى قمّة شجرة الزيزفون.‏

ـــ انزلي إلى تحت! ـــ طلبت منها.‏

نزلت الفراشة إلى الأرض متهادية عبر الأغصان، ومَثُلت أمامي طفلة زرقاءُ العينين، وردية الوجنتين، ذهبية الشَّعر، يكسوها ثوب متعدد الألوان.‏

نظرت الطفلة إليَّ وافترّ ثغرها عن بسمة فاتنة. كانت بين السابعة والثامنة من العمر.‏

ـــ سلام عليك! همستُ لها والبرْد يعتريني خشية أن تختفي هذه الطلعة العجيبة من أمامي فجأة.‏

ـــ السلام عليك!‏

انساب جواب الطفلة إلى وعيي مثل جملة موسيقية ساحرة، مثل مقطع من أغنية سماوية. ثم استمر ذلك طوال الحديث بيننا.‏

ـــ أقوسُ قزح أنتِ؟‏

ـــ كلا.‏

ـــ أ أنت الربيع؟‏

ـــ كلا.‏

ـــ ما اسمك؟‏

نطقت الطفلة كلمة غريبة، لا أعرفها، ولا أفهمها، ولم تحتفظ بها ذاكرتي.‏

ـــ من تكونين إذن؟‏

ـــ أنا كلُّ هذا.‏

ـــ كيف كل هذا؟‏

ـــ هكذا! ـــ وتعجّبت الطفلة من عدم نباهتي.‏

فخطر في ذهني وميض شكّ فظيع.‏

ـــ هل... هل هبطتِ من كوكب آخر؟ ـــ سألتها، وتجمّدتُ في انتظار الجواب.‏

أومأتِ الطفلة برأسها. فعضضتُ على شفتي حتى شعرتُ في فمي بطعم الدم المالح، وأدركتُ أن كل ما يجري الآن ليس وليد أوهامي.‏

ـــ وما اسم كوكبك؟‏

نطقت الطفلة كلمة غريبة لا أعرفها، ولا أفهمها، ولم تحتفظ بها ذاكرتي.‏

ـــ وكيف هو كوكبكم؟‏

فهزّت الطفلة كتفيها.‏

ـــ كيف... كيف أوضّح لكِ... ماذا يوجد على كوكبكم؟.. جبالٌ، بحارٌ، وديانٌ؟ أبردٌ هناك أم حر؟ وباختصار... ما هو ذلك الكوكب؟‏

ـــ هو مثلي.‏

ـــ شفاف، نوراني، متعدد الألوان؟‏

ابتسمت الطفلة وأومأت برأسها.‏

ـــ وهل هو بعيد؟‏

لم تفهم الطفلة معنى كلمة "بعيد". فبسطتُ يدي نحو السماء وقلتُ:‏

ـــ بعـــ ـــ يـــ ـــ يـــ ـــ د، بعيـــ ـــ يـــ ـــ يـــ ـــ د...‏

ـــ بعـــ ـــ يـــ ـــ يـــ ـــ يد.. ـــ كررت الطفلة.‏

ـــ من علَمكِ لغتنا؟ ـــ مضيتُ أسأل.‏

ـ إنني أتعلمها الآن، ـــ ردّتْ.‏

ـــ وما هي لغتكم؟‏

فتَحتِ الطفلة ثغرها القرمزي الصغير، فـ... انطلق بالغناء كل شيء حولنا. غنّت الأرضُ والهواء، والأزهارُ والشجر، وغنّت شجرةُ الزيزفون التي استعادت شبابها... وأنا أيضاً، مثل سمكة في حوض، سبحتُ في ملكوتِ أعذب أنغام الموسيقى... استمرت هذه الحال زُهاء دقيقة.‏

ـــ أهذه لغتكم؟‏

ـــ نعم. وهل أعجبتكَ؟‏

ـــ وهل تعتقدين أن بإمكان الجميع فهمها؟‏

ـــ طبعاً!‏

ـــ كيف؟‏

فانطلقت الطفلة بالغناء من جديد. وكانت تشير هذه المرة بيدها إلى الأشياء التي حولنا، فيتردد اسم كل منها في أغنيتها بنغمه الخاص دون أن يخلَ ذلك بالانسجام العام. تملكتني غبطة لم أشعر بمثلها يوماً في حياتي قط. ولو أنني كنت واثقاً من أنها ستستمر بلا نهاية بعد موتي، لتمنيت الموت في اللحظة ذاتها دونما تردد.‏

وإذ فهمت الطفلة حالتي صمتت.‏

ـــ اقتربي مني! ـــ طلبتُ منها. فاقتربت الطفلة.‏

ـــ اقتربي أكثر. إنني أريد أن أحتضنكِ. أيمكنني ذلك؟‏

واقتربت الطفلة مني تماماً. ففتحتُ ذراعيَّ وضممتُها إلى صدري، وشعرت بجسد هذا المخلوق غير الأرضي يذوب في كياني ويملأ قلبي دفئاً ومسرة.‏

ـــ ألا... ألا تعرفين من أنا؟‏

ـــ لا أعرف!‏

ـــ أنا إنسان... أتغذّى باللحم والنبات والماء. أستنشق الهواء، وأحيا بالشمس....‏

ـــ ولكنْ أنتَ بالذات؟ أنت بالذات مَن تكون؟‏

ـــ لقد قلت لكِ، إنني إنسان. كان لي والدان، وكان لهما والدان، وأولئك كذلك.. وهلمّ جرا...‏

ـــ ومن كان الوالدان الأولان؟‏

ـــ هذا ما لا أعرفه.‏

ـــ إذن أنت لا تعرف من تكون؟‏

ـــ مـــ ـــ مـــ ـــ م... لا أعرف...‏

ـــ وماذا تفعل هنا؟‏

ـــ هنا؟ لا شيء ذا بال... أقفُ، أستنشقُ الهواء... فأنا مريض. هل تعرفين ماذا تعني كلمة "المرض"؟ أجيء كل صباح إلى هذا المكان، إلى هذا المرج لأمتع ناظري بالأزهار الجميلة، وأستنشق الهواء العليل، لكي أعيد النضارة لجسدي مثلما أعدتِ أنتِ النضارة لهذه الزيزفونة الشائخة.‏

ـــ وممَ تعاني؟ ـــ سألتني الطفلة باهتمام.‏

ـــ لقد عانيت من مرض عضال في القلب. هل تعرفين ما هو القلب؟‏

ـــ كـ... كلا.‏

ـــ لكل إنسان قلب. فلا يستطيع الإنسان أن يحيا بدون القلب. وقبل بضع سنوات أصابت قلبي علّة... هاكِ، انظري!‏

وضممتُ إلى صدري يدَ الطفلة، تلك اليدَ الرقيقة الوردية، فشعرتُ بقلبي يمتلئ بدفء منعشٍ عذب.‏

ـــ نعم... صرتُ الآن أجيء إلى هنا وأستنشق شذى الأزاهير... الآن أشعر ببعض التحسن، ولكن هل ستعود إلى قلبي قوته السابقة؟‏

لاذت الطفلة بالصمت.‏

ـــ وأنتم ألا تمرضون؟ ـــ سألتها.‏

ـــ نمرض، وكيف لا؟‏

ـــ وما هو مرضكم؟‏

ـــ إننا نشحبُ، ونفقدُ جمال اللون.‏

ـــ وكيف تتعالجون؟‏

ـــ نحن نتبادل اللون فيما بيننا. نحن، كيف لي أن أعبّر... نحن، عندما يتقمّص أحدنا الآخر، عندما ينتقل من لون إلى لون، يهدي كل منا صاحبه الازدهار الأبدي... إن اسم كوكبنا يمكن أن يكون بلغتكم على النحو التالي: كوكب اللون الأبدي... حسن؟‏

ـــ مدهش!‏

فتهللت عينا الطفلة بالرضا.‏

وفجأة ارتعش المرج. وبهت لونُ الزهر. وتوهّجت شجرة الزيزفون بضياء قرمزي. وشعشعت في قبة السماء ومضات نور. وداهمنا من بعيد ما يشبه ألق أنوار السماء في بلدان القطب الشمالي.‏

ـــ هذه أمي! ـــ هتفت الطفلة.‏

وفي الحال ما لبث أن غرق كل شيء حولنا في نغمات ساحرة من سمفونية أثير عُلوية عجيبة يعجز عن وصفها اللسان. وخُيّل إليّ أن كلّ واحد ممّا لا يُعَدّ ولا يحصى من الألوان التي كانت تغمر المرج قد تحوّل إلى آلة موسيقية فريدة تصدر أنغاماً رقيقة لا مثيل لها، تأسر الروح. لقد كان ذلك نشيد الطبيعة العظيم، كان أنشودة الكون العظيمة، كان اندغام روحين لاثنين من سكان كوكب اللون الخالد، هما الأم وابنتها... إنني لا أذكر كم دام هذا السحر الأسطوري... ولكن عندما ثبتُ إلى رشدي كانت الطفلة واقفة أمامي تبتسم.‏

ـــ وداعاً أيها الإنسان! ـــ قالت.‏

ـــ هل أنتِ ذاهبة؟ ـــ سألتها بصوتٍ كسير.‏

ـــ يجب أن أذهب. فأمي تناديني.‏

ـــ خذيني معك! أتوسّل إليكِ، خذيني!‏

ـــ أتهجر موطنك؟ ـــ تعجّبت الطفلة.‏

ـــ أليس الأمر سيان عندي إذا لم يكن مقدّراً لقلبي أن يشفى، وإذا كان ينتظرني الموت والفناء؟ إنني أخاف الموت... فخذيني معك، هِبيني ألوانك وشفافيتك وخلودك... خذيني!‏

وخررت راكعاً أمام الطفلة.‏

ـــ ولكنني لا أستطيع أن آخذك معي أيها الإنسان! ـــ بسطت البنية يديها متأسفة.‏

ـــ لماذا؟‏

ـــ لأنك مخلوق من لحم ودم. يجب أن تصبح لوناً، أمنية، وعندئذ يكون بوسعي أن أتمنّاك... وأن آخذك إلي...‏

ـــ فلتتمنّيني إذن!‏

ـــ كيف؟ فأنا هنا، معك!‏

ـــ عودي إلى ديارك في بلاد اللون الأبدي، وهناك تمنّيني!‏

ـــ ولكن ذلك يتطلّب أن تتحول أنت لوناً، أمنية!‏

ـــ متى، متى؟!‏

ـــ هذا ما يجب أن تقرّره أمُّك الأرض.‏

ـــ وبعد ذلك؟..‏

ـــ بعد ذلك سأتمنّاك.‏

شكراً! ـــ ونهضتُ.‏

ـــ عانقني مرة أخرى!‏

ودنت مني. ففتحتُ ذارعيَّ، وضممتُها إلى صدري وشعرت من جديد كيف ذاب فيَّ جسدُ هذا المخلوق المجهول فملأ قلبي دفئاً ومسرة. ثم تركتني ومضت، ليخترق قلبي ألم حادٌّ على الفور. فارتعشتُ.‏

ـــ ما لك؟ ـــ سألتني الطفلة، وخُيّل إليّ أنها أحسّت بألمي.‏

ـــ لا شيء يا عزيزتي! ـــ ولوّحت لي الطفلة بيدها.‏

ثمّ تكرّر كلّ شيء، ولكن بتسلسل عكسي. فقد انقلبت الطفلة فراشة ضخمة، زاهية الألوان، ثم تحوّلت الفراشة دثاراً بالغ الرقة عذب الجمال، ثم دار الدثار، كما في رقصة مرحة، وأخذ يبتعد بسرعة، ثم ارتسمت في السماء البعيدة زوبعة خفيفة تتألق بجميع أطياف قوس قزح، وأخيراً تلاشى كل شيء. ولم يتبقَّ إلا ذكريات حلم فريد، أسطوري... حلم سمفونية أثير بديعة تأسر الروح. وبقيتْ أيضاً، كشاهدةً على كل ما جرى، شجرةُ الزيزفون التي استعادت شبابها وهي تكتسي بخضرة أوراقها اليانعة...‏

أنهيتُ قصتي. فألقت ابنتي الكبرى نظرة على حسنائنا شجرة الزيزفون، من جذورها حتى ذؤابتها، وسألتني:‏

ـــ وهل حقاً رأيتَ شجرة الزيزفون هذه يابسةً ومريضةً؟‏

ـــ رأيتُها.‏

ـــ وماذا جرى بعد ذلك؟ ـــ سألت ابنتي الصغرى وهي ترطِّب بلسانها شفتيها اللتين جفّتا من الاضطراب.‏

ـــ استلقيتُ هنا، في هذا المرج، ثلاثة أيام بلياليها أصيخ السمع لنشيد الألوان الغريب هذا... وأنا أسمع ذلك اللحن الآن أيضاً... ألا تسمعانه؟‏

أصاخت ابنتاي السمع، ثم هزّتا رأسيهما بالنفي.‏

ـــ هيا استلقيا على الأرض وأنصتا!‏

استلقت الفتاتان، وأغمضتا عيونهما وظلّتا مستلقيتين نحو خمس دقائق لا تأتيان بحركة، ولا تصدر عنهما نأمة.‏

ـــ ألا تسمعان؟‏

ـــ كلا! ـــ ردت الصغرى.‏

ـــ أسمع، ولكن الصوت ضعيفٌ جداً، جداً، ـــ ردت الكبرى.‏

ـــ لا يهم أنه ضعيف. المهم أنك تسمعين!‏

ـــ وهل رأى أحدٌ غيرك هذه الطفلة؟ ـــ سألت الكبرى.‏

ـــ كلا، تصوري أن أحداً غيري لم يرها! علماً بأنني سألتُ كثيرين... لم يرها أحد، ولم يصدقني أحد.‏

ـــ وماما؟ ـــ سألت الصغرى.‏

ـــ ما لها ماما؟‏

ـــ هل تصدقكَ ماما؟‏

ـــ كلا.‏

ـــ وماذا تقول؟‏

ـــ تقول أن مساً أصابني... هل قالت لكما ذلك أيضاً؟‏

أحنت الفتاتان رأسيهما...‏

ـــ وأنتما..! هل تصدقان؟‏

هزت الفتاتان رأسيهما ولكنهما لم تجيبا.‏

ـــ ولكنك لم تكمل... ماذا جرى بعد ذلك؟ ـــ قطعت الكبرى حبل الصمت.‏

ـــ لا شيء... منذ ذلك الحين وأنا كلَّ صيف أجيء إلى هنا كل يوم تقريباً، فأقف تحت شجرة الزيزفون هذه وأنتظر... أنتظر الوقت الذي سترغب فيه صديقتي الصغيرة برؤيتي، الوقت الذي ستظهر فيه على شكل زوبعة سباعية الألوان وتأخذني معها.‏

خيّم صمت طويل لا يُطاق.‏

ـــ تظهر وتأخذك معها... ـــ همست ابنتي الكبرى أخيراً.‏

ـــ ونحن؟ ـــ سألت الصغرى.‏

ـــ أنتما؟‏

ـــ ماذا سنفعل بدونك؟ ـــ واحتقنت عينا الطفلة بالدموع، والتوت شفتها السفلى، وارتعشت ذقنها.‏

شعرتُ بلهب مضطرم تحت حلمتي اليسرى. فاقتربتُ من ابنتي، واحتضنتُها وضممتُها إلى صدري بقوة. وشعرت كيف ذاب فيَّ جسدُ هذا المخلوق العزيز عليَّ وملأ قلبي دفئاً ومسرّة.‏

صورة  hiam's
User offline. Last seen 10 سنة 6 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 18/08/2007

قصة ساعة كيت تشوبين(*) ـــ ت.د.يوسف حطيني

معروف أنّ السيدة «مالارد» تعاني من اضطراب قلبي، لذا فقد اتخذ حرص شديد لينقل إليها خبر وفاة زوجها.‏

أختها جوزفين هي التي أخبرتها، من خلال جمل متقطعة، وتلميحات مبطنة، تبدي بقدر ما تخفي.‏

كان صديق زوجها ريتشارد هناك أيضاً، قريباً منها. وهو الذي كان في مكتب الصحيفة؛ حيث تلقى أخبار كارثة سكة الحديد، وكان اسم صديقه «برنتلي مالارد» يتصدّر قائمة القتلى. أخذ بعض الوقت ليتأكد بنفسه من حقيقة ذلك، عبر إرسال برقية ثانية. وسارع ليسبق أي صديق أقل منه حرصاً ووفاءً، في إيصال الرسالة الحزينة.‏

لم تسمع الخبر كما تسمع كثير من النساء خبراً مماثلاً، بعجز كامل عن قبول فحواه، فقد بكت في الحال بشكل فجائي، وسقطت منهارة بين ذراعي أختها، وعندما انجلت عاصفة الأسى ذهبت إلى غرفتها وحيدة، ولم ترغب في أن يتبعها أحد.‏

هناك، حيث وُضِع كرسي مريح ذو ذراعين، في مواجهة النافذة المفتوحة، ألقت بنفسها. تحت ضغط الإنهاك البدني الذي لازم جسدها، وبدا أنه وصل إلى روحها.‏

استطاعت أن ترى في الجانب المكشوف من الساحة مقابل منزلها رؤوس الأشجار التي كانت كلها تهتز طرباً بالحياة الربيعية الجديدة.‏

أنفاس المطر المنعشة كانت تعبق في الجوّ، وثمة في الشارع بائع متجوّل ينادي على بضائعه، وأنغام أغنية بعيدة يغنّيها أحدهم، وتصل مبهمة إلى أذنيها، وعصافير دوريّ لا تحصى كانت تزقزق فوق الأفاريز.‏

وعبر الغيوم المتراكمة هنا وهناك، كانت تظهر قطع من سماء زرقاء في الجهة الغربية التي تقابل نافذتها.‏

جلست، وقد ألقت برأسها إلى الخلف، فوق وسادة الكرسي بهدوء، ودون أية حركة، سوى تنهيدة تصاعدت من حلقها وهزّتها مثل طفل يبكي من تلقاء نفسه لينام، ويغرق في أحلامه.‏

كانت شابة ذات وجه جميل هادئ، تظهر قسماته حزماً وقوة أكيدة، أما الآن فثمة نظرة كليلةٌ في عينيها اللتين كانتا تحدقان بعيداً باتجاه ثابت نحو واحدة من تلك الرقع الصغيرة في السّماء الزرقاء، ولم تكن تلك نظراتِ تأمل، بقدر ما كانت تعبّر عن استغراق في تفكير ثاقب.‏

كان ثمة شيء قادم إليها، وكانت تنتظره بخوف. ترى ماذا كان ذلك الشيء؟ لم تكن تعرف، فقد كان لطيفاً جداً، وعصيّاً على التسمية. لكنها شعرت به، يزحف من السماء، ثم يصل متقدّماً نحوها عبر الأصوات والروائح والألوان التي ملأت الجوّ.‏

صدرها يعلو ويهبط الآن مضطرباً. لقد بدأت بالتعرف إلى ذلك الإحساس الذي كان يقترب ليتملكها، وهي تجاهد لكي تقاومه بإرادتها الواهنة التي تشبه يديها البيضاوين الهزيلتين. وعندما حرّرت نفسها من ذلك الشعور هربت كلمة صغيرة هامسة من شفتيها النحيلتين المنفرجتين. قالتها مرّة بعد مرّة تحت ضغط أنفاسها: «حرّة، حرّة، حرة».‏

فرت من عينيها الآن تلك النظرة المحدقة الحمقاء، وكذلك نظرة الرعب التي أعقبتها، وحلّت مكانها نظرة متوقدة مشرقة، وراح قلبها يخفق بسرعة، وأدفأ دمها المتدفق كلّ جزء من أجزاء جسمها.‏

لم تتوقف عن التساؤل عما إذا كان ذلك الإحساس مجرد بهجة شاذة سيطرت عليها، غير أن نفاذ بصيرة واضحاً وقوياً مكّنها من نبذ ذلك الإحساس كما ينبذ أمر تافه.‏

كانت تعلم أنها ستبكي عليه ثانية عندما ترى اليدين الرقيقتين الضعيفتين، وقد طواهما الموت، والوجه الذي لم يعبّر قط إلا عن حبها، وقد أصبح جامداً ورمادياً وميتاً. ولكنها رأت بعد تلك اللحظة الموجعة موكباً من السنوات الطويلة تأتي إليها، ولا تخص سواها بكل تأكيد. وفتحت ذراعيها ومدّتهما للترحيب بها.‏

لن يكون هناك من تعيش لأجله خلال تلك السنوات القادمة، ستعيش لنفسها فقط، لن تكون هناك إرادة قادرة على إخضاعها لذلك الإصرار الأعمى الذي يجعل الرجال والنساء يعتقدون أنّ لكل منهما الحق في فرض إرادته الخاصة على قرينه.‏

وبدا لها في لحظة الإشراق تلك، أن ذلك الأمر، سواء أكان القصد شريفاً أم وضيعاً، ليس أقلّ من جريمة.‏

لقد أحبّت زوجها في بعض الأحيان، وفي الغالب لم تحبه، ذلك لا يهمّ، وماذا يمكن أن يعدّ الحبّ، تلك الأحجية غير المفهومة، في مواجهة هذا التوكيد التام للذات الذي تعرفت إليه بشكل فجائي حالما داهمها ذلك الإحساس القويّ بوجودها: «حرّة،! حرّة جسداً وروحاً» تابعت هامسة.‏

كانت جوزفين راكعة أمام الباب المغلق، واضعة شفتيها على مقبض الباب، ملتمسة الإذن بالدخول:‏

ـ «لويزا.. افتحي الباب، أرجوك.. افتحي الباب، ستؤذين نفسك، ماذا تفعلين لويزا؟ أناشدك الله أن تفتحي الباب».‏

ـ «انصرفي فأنا لن أؤذي نفسي».‏

لا.. كانت تستنشق جوهر الحياة الحقيقية من خلال تلك النافذة المفتوحة. خيالها كان يتدفق مسرعاً بمرح صاخب نحو أيامها القادمة: أيام الربيع، وأيام الصيف، وكل صنوف الأيام التي ستكون لها وحدها، وابتهلت بدعاء سريع تدعو الله فيه أن يطيل عمرها، فقد فكّرت، بارتعاد، منذ الأمس بأن حياتها ربما تكون طويلة.‏

أخيراً نهضت وفتحت الباب أمام إلحاح أختها، وفي عينيها بهجة النصر المحموم، وحملت نفسها دون وعي، مثل آلهة النصر، وأمسكت بخصر أختها، وهبطتا السلّم معاً. كان آل ريتشارد بانتظارهما في الأسفل، بينما كان شخص ما يفتح البوابة الأمامية بالمزلاج، ومن دخل من تلك البوابة كان برنتلي مالارد، وعليه بعض آثار السفر، هادئاً يحمل حقيبة سفره ومظلَّتَه. كان بعيداً عن مكان الحادث، حتى إنه لم يعرف بشيء مما حدث.‏

وقف مذهولاً بسبب صرخة جوزفين الحادة، وبسبب حركة آل ريتشارد السريعة، وهم يحاولون إخفاءه عن نظرات زوجته.‏

وعندما أتى الأطباء قالوا أنها ماتت إثر أزمة قلبية ناجمة عن فرحة قاتلة.‏