هوشنك أوسي : العمال الكردستاني وفرعه السوري: سادية الأصل ومازوشية الفرع

2017-05-06

تبذل قيادات حزب “الاتحاد الديمقراطي” جهوداً مضنية وشاقّة، في الإعلام العربي والعالمي، لإقناع العالم على أنه ليس حزباً تابعاً أو فرعاً لحزب “العمال الكردستاني” بزعامة أوجلان. وأن الآصرة الوحيدة التي تربط الحزبين هو “فكر” وطروحات ومشاريع أوجلان لحل القضيّة الكرديّة. وإن الحزبان يشتركان في إطلاق نفس التوصيف على أوجلان: “قائد الشعب الكردي”.
ويجهل “الاتحاد الديمقراطي” بأنه إذا كان الحزبان يشتركان في “المرشد الروحي” ويتبنّيان نفس الفكر والآيديولوجيا والشعارات والطروحات والمشاريع السياسيّة لحلّ القضيّة، ونفس النظرة للأحداث، وقتذاك؛ البتّ أو القطع في حقيقة التبعية تصبح تحصيل حاصل. بالتأكيد، لن يكون “الكردستاني” تابعاً لـ”الاتحاد الديمقراطي”. ذلك أن الأوّل تأسس في 1978 والثاني في 2003، وفي معاقل الأوّل وتحت إشرافه أيضاً.
 
ولكثرة اجتهاد قيادات “الاتحاد الديمقراطي” في عمليّة نفي تبعيّته لـ”العمال الكردستاني” صارت هذه القيادات نفسها، تصدّق ذلك النفي على أنه حقيقة دامغة، وأن “الاتحاد الديمقراطي” حرّ الإرادة وليس خاضعاً لقرار ومشيئة ومصلحة ومنفعة وسطوة “الكردستاني”. وإن العالم كلّه، عرباً وعجماً، بات يصدّق هذا النفي! ولكن، الحزب نفسه، حين ينفي على الإعلام العربي والعالمي تلك التبعية التي تفقأ العين، في الوقت نفسه، يمارس في المناطق الكرديّة السوريّة ما يدحض ويطيح بنفيه التبعية، سواء عبر رفع أعلام “الكردستاني” وحضور الكوادر والقيادات العسكريّة التابعة للأخير، وتحكّمهم بمفاصل الإدارة الأمنيّة، ومن وراء الستار، وأحياناً، من أمامه أيضاً.
 
يعزو الكثير من المراقبين نفي “الاتحاد الديمقراطي” تبعيّته التنظيميّة والعضويّة لـ”العمال الكردستاني” إلى أن الأخير مدرج في لوائح المنظمات الإرهابيّة في أمريكا وأوروبا. وأنه يريد إحراج المعارضة على أنها تابعة للخارج، بينما (PYD) مستقل! ولكن الإشكال المزمن في طرائق وأساليب وقرائن النفي التي يقدّمها “الاتحاد الديمقراطي” لكثرة ما تعانيه من الهزال والركاكة ما بات مثار التندّر والسخرية على  صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. فقبل نحو شهر أو أكثر، قامت مجموعات من الغوغاء المنظّمة التي تطلق على نفسها “الشبيبة الثوريّة” – Ciwanên Şoreşger بعمليات حرق وتدمير لمكاتب أحزاب “المجلس الوطني الكردي في سوريا”، وبممارسة الضرب والاعتداء على الموالين والمؤيدين لهذا “المجلس”، ناهيكم عن عمليات خطف واعتداء سابقة. هذه المجموعة، هي في الأصل، تتبع الجناح العسكري لـ”الكردستاني” والتي تعرف بـ”قوات الدفاع الشعبي الكردستاني – HPG” ولا سلطة لـ”الاتحاد الديمقراطي” على هذه المجموعات التي تمارس الاعمال القذرة، وتساهم في تجنيد المقاتلين لصالح “الكردستاني” و”وحدات الحماية الكرديّة” على حدّ سواء. ومع ذلك، نفى القيادي في “الاتحاد الديمقراطي” والعنصر في “العمال الكردستاني” آلدار خليل، وجود تلك المجموعة (الشبيبة الثوريّة)!. هذا النفي، من فرط الهشاشة والركاكة، وقلّة الحيلة، بحيث أنه إذا وضعنا اسم “الشبيبة الثوريّة” في محركيّ البحث لدى مواقع وكالة “هاوار” ووكالة “فرات نيوز” سنحصل على مئات الروابط التي تؤكد وجود هذا التنظيم وفعالياته ونشاطاته في المناطق الكرديّة السوريّة، ومدى الاهتمام الإعلامي الذي تحظى به هذه المجموعة من قبل حزب (PYD).
 
لكن على الطرف المقابل، كيف ينظر الحزب الأم – “PKK” إلى فرعه- “الاتحاد الديمقراط -PYD”؟. بالعودة إلى أعداد جريدة “سرخوبون” المركزيّة الناطقة باسم “الكردستاني” منذ 2003 ولغاية 2010، وحتى قبل اندلاع الثورة السوريّة، ثمة تجاهل مطلق لوجود حزب (PYD). إذ لا يوجد هنالك أيّة إشارة إلى حملات الملاحقة التي كانت تطال قيادات وانصار وكوادر الحزب من قبل نظام الأسد!. بل هناك تجاهل لأحداث مهمّة جرت في المناطق الكرديّة السورية كانتفاضة آذار سنة 2004، وقمع نظام الاسد الوحشي للمدنيين، وقتل ما يزيد عن 30 مواطن كردي وجرح العشرات، واعتقاله لما يزيد عن 2500 مواطن كردي سوري في السجون والمعتقلات. وثمة تجاهل لمقتل عناصر من حزب (PYD) تحت التعذيب في سجون الأسد!. ومقتل عشرات المجندين الكرد في جيش النظام السوري في ظروف غامضة، بخاصة بعد انتفاضة آذار 2004 ولغاية 2010!. كذلك تجاهلت الجريدة خطف واغتيال الشخصية الدينية والوطنية الكردية الشيخ معشوق الخزنوي في صيف 2006 من قبل النظام السوري. الأنكى من ذلك، تجاهلت الجريدة اعتقال النظام السوري لمسؤول منظمة “الكردستاني” في سوريا: “خبات آمد” من قبل المخابرات الجوية السورية، وتسليمه للنظام التركي سنة 2002.
 
حادثة واحدة فقط، ذكرتها جريدة “سرخوبون” تتعلّق بكرد سوريا، وهي اغتيال القياديّة الكرديّة السورية ميساء باقي (شيلان كوباني) ورفاقها الأربع، من قبل مجموعة إسلاميّة عراقيّة متطرّفة في منطقة الموصل العراقيّة. حيث جاء في مقال منشور في الصفحة 20 من العدد 299، نوفمبر 2006، أن شيلان كوباني عضو في “الكردستاني”، وأن “وجودها في سوريا كان لاعادة ترتيب منظمة الحزب هنالك”. ولا يوجد في هذا المقال ولو حرف واحد يشير الى وجود حزب (PYD) وان هؤلاء القتلى هم اعضاء في هذا الحزب! وفي الوقت عينه، ينسب “الاتحاد الديمقراطي” ميساء باقي ورفاقها إلى قياداته، بخلاف رواية “الكردستاني”!. وعليه، إحدى الروايتين غير صحيحة. أو أن كلتيهما صحيحتان. فشيلان كوباني كانت عنصرا في “الكردستاني” وأن وجودها في سوريا هو لترتيب منظمة “الحزب” والمقصود هنا: “الاتحاد الديمقراطي”. بمعنى آخر؛ أن الأخير بالنسبة للحزب الأم هو مجرّد منظمة فرعية له في سوريا، وليس حزب لكون كيان تنظيمي مستقل وشخصيّة سياسيّة مستقلّة.
 
أيضاً من خلال تصفّح أعداد الجريدة المركزيّة لـ”الكردستاني”: “سرخوبون” من 2003 ولغاية 2012، لا يوجد مقالات رأي او حوارات مع قياديين كرد سوريين ضمن “الكردستاني” وعلى سبيل الذكر: رستم جودي، شاهين جيلو، باهوز ارال (قائد الجناح العسكري سابقاً)، أو حتى قيادات في “الفرع السوري: كـ فؤاد عمر؛ الرئيس السابق لـ(PYD)  أو رئيسه الحالي صالح مسلم. والاخير يجيد التركية قراءة وكتابة. كذلك، كل المظاهرات والنشاطات التي كان يقوم بها حزب (PYD) تضامناً مع اوجلان، في تلك الفترة: 2003-2007، لاقت تجاهلاً تاماً من جريدة الحزب المركزية، في وقت ان الجريدة نفسها كانت تتحدث عن الاحداث في العراق او اوروبا، وتتجاهل ما يجري في سوريا وكردستانها.
 
وإزاء تجاهل “الكردستاني” في جريدته المركزيّة، لما كان يجري في سوريا والمناطق الكردية فيها بشكل عام، ولمظالم ونشاطات الفرع السوري، نحن أمام احتمالين: إمّا أن “الكردستاني” كان يمنّي النفس بعودة العلاقة من نظام الأسد الابن؟ أو أن الحزب لم يشأ أن يعطي تصوّراً وانطباعاً سلبيّاً عن نظام الأسد لدى قواعده الجماهيريّة من كرد تركيا الذين يقرأون الجريدة باللغة التركيّة ويعتبرون نظام البعث والأسد الأب، صديقين.
 
في كلتا الحالتين، “الكردستاني” كان وما زال ينظر إلى فرعه السوري بشكل خاص وإلى الشعب الكردي في سوريا بشكل عام، على أنه “خزان بشري” يمدّه بالمقاتلين، وأن هذا الفرع والجماهير التابعة له مجرد حطب في محرقة مصالح الحزب الاقليميّة.
 
بالعودة إلى الجريدة المركزيّة لـ”الكردستاني” الصادرة في ألمانيا باللغة التركيّة، لفهم الموقف الحقيقي للحزب مما جرى في سوريا وطريقة تعاطيه مع النظام والمعارضة، وتوصيفه تسليم النظام السوري جزء من السلطة والإدارة لـ”الكردستاني” وفرعه (PYD)، نجد أن الجريدة بدأت تتحدّث عن الأوضاع في سوريا بعض مضي عدة أشهر على الثورة السوريّة، وتحدداً في العدد 355، تموز 2011، حيث أفردت الجريدة ثلاث صفحات كاملة (6.7.8) لتحليل طويل، ذو منحى يساري، للأوضاع في سوريا، يصف ما يجري بـ”الثورة” ويتحدّث عن مأزق نظام بشار الأسد. وأن الأحداث في سوريا يمكن أن تنزلق للإرهاب والصراع العسكري. وضرورة استفادة “العمال الكردستاني” من الظروف والأزمة الثورة للحدود القصوى، إلى جانب توخّي الحذر مما يجري. كذلك تنشر الجريدة في العدد 378 / حزيران 2013، حواراً مع مسؤول الامن في “العمال الكردستاني”: صبري أوك، تفرد له ثلاث صفحات كاملة (12-13-14). وفي العدد 379 / تموز 2013، تنشر الجريدة في الصفحة الأولى، العنوان الرئيس: “روجافا تسير نحو الحرية”. وفي الصفحة 6 من نفس العدد، هنالك مقال بعنوان: “ثورة روجافا انتصار للخط الثالث”. المقال غير موقّع باسم شخص او جهة. ولكن يبدو انه يعبّر عن وجهة نظر وموقف “الكردستاني”. إذ يستهلّ بالتهنئة، والقول: “مبدع هذه الثورة أو خالقها هو القائد آبو (الاسم الحركي لأوجلان)”. وفي العدد 386، شباط 2014، تجري الجريدة حواراً مطوّلاً مع نفس الشخص؛ مسؤول الأمن في “الكردستاني” صبري أوك، وتفرد للحوار هذه المرّة أربع صفحات (28-29-30-31)، يتحدّث فيه عن الوضع السوري وعن مؤتمر “جنيف 2″، وينتقد المعارضة وتركيا و”الديمقراطي الكردستاني”، ويشرح ما ينبغي أن تكون عليه سوريا المستقبل.
 
وتحت عنوان “ثورة روجافا ستتكلل بالحرية”، نشرت نفس الجريدة في الصفحة 25 من العدد 383 / نوفمبر 2013 مقالاً غير موقّع باسم صاحبه، يؤكد أن كل ما جرى من اذار 2011 حتى ذلك الحين (نوفمبر 2013) في المناطق الكرديّة السوريّة هو نقل ساحة الحرب بين “العمال الكردستاني” وتركيا إلى سوريا. ويعتبر المقال ان ما تحقق هناك من سيطرة حزب (PYD) على المناطق الكرديّة، هو نصر لـ”الكردستاني” على حلف: تركيا، السعودية و”الحزب الديمقراطي الكردستاني”. وأن “داعش”، “القاعدة”، “النصرة”، والمجموعات الارهابية هي أدوات هذا الحلف. وعليه، من خلال متابعة أعداد الجريدة الشهريّة المركزيّة لحزب “العمال الكردستاني” منذ 2003، تاريخ تشكيل فرعه السوري (حزب الاتحاد الديمقراطي) ولغاية 2010، يعني خلال سبع سنوات وفي 84 عدد من الجريدة، لا يوجد هنالك أيّة إشارة لانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا بحق الكرد عموماً وبحق أنصار حزب (PYD) على وجه الخصوص، ولا يوجد أيّة مقال او حوار مع قيادات الفرع السوري (PYD) حول تدهور الأوضاع الأمنيّة بحق الكرد في سوريا. كذلك من 2011 ولغاية 2016، ورغم أنه من المفترض حزب “الاتحاد الديمقراطي” سيطر على المناطق الكردية في تموز 2013، وأن هذا الحزب ينفي أية علاقة له بـ”العمال الكردستاني” إلاّ أن الأخير في جريدته الرسميّة، ينسب كل ما جرى في المناطق الكرديّة من سيطرة وتحرير كوباني من “داعش”…، ينسبها إلى نفسه، ولا يذكر أي دور استراتيجي لـ(PYD). ورغم وجود قادة كرد سوريين مهمين ضمن “العمال الكردستاني” كباهوز اردال (قائد الجناح العسكري السابق للحزب)، ونور الدين صوفي (القائد الحالي للجناح العسكري)، ورستم جودي عضو اللجنة السياسية في الحزب، من المفترض أن هؤلاء أكثر دراية وإلمام بالأوضاع في سوريا، إلاّ أن جريدة حزبهم المركزيّة تتجاهلهم تماماً. ويظهر صبري أوك ودوران كالكان ومصطفى قاره سو، جميل بايك ومراد قره إيلان وكل قيادات “العمال الكردستاني” من اكراد تركيا، وكأنّهم اكثر إلماماً ودراية ومتابعة ومعرفة من باهوز اردال أو نورالدين صوفي أو رستم جودي أو صالح مسلم أو آلدار خليل بشؤون كرد سوريا بشكل خاص، وبالوضع السياسي في سوريا بشكل عام.
 
خلاصة القول: وكأنّ موقف “الكردستاني” مما يعانيه فرعه السوري شديد السادية. إذ يتجاهله في جريدته المركزيّة لسنوات. وأن كل ما جرى في المناطق الكردية السورية هو من إنجازاته ومكتسباته. في حين أن الفرع كان وما زال شديد المازوشية في تقديم كل فروض الطاعة والولاء الأعمى للحزب الأم، مع معرفته بمستوى وماهية تعاطي “الأصل” مع “الفرع”. ومع ذلك، ينفي الفرع تبعيّته التنظيميّة لـ”الكردستاني”!.