نسرين تيللو : ليلة السكاكين في كوباني
2015-07-05
ليلة السكاكين في كوباني تعبر عن أزمة في المقاومة الكوردية بشكل خاص , والسورية بشكل عام . إضافة إلى أزمة الإعلام الذي قفز فجأة من مرحلة الإعلامية الطفولية , إلى مرحلة الإزهايمر , دون المرور بمرحلة التألق والشباب .إعلام يفتقر إلى المعايير التي تميز بين ما هو جاد وماهو هراء .
يسهل تداول معلومات خاطئة أحيانا . ويسهم الواقع العبثي الضبابي على تبني الأشخاص لتلك المعلومات وتناقلها بغير تدقيق وتمحيص . دون البحث عن بوصلة الحقيقة . في ظل حالةغير طبيعية من قهر وخوف واحباط , وغضب كحالة مؤقتة للجنون . إضافة للإسكات المنظم للجماهير الرازخة تحت الظلام والفقر والغلاء . حالة تدفع الناس فقط لجمع المعلومات ونشرها دون التريث وإبلاء الوقت أية أهمية . لتأكيد المعلومة أو نفيها . أو الإكتفاء بمناداة الخالق والدعاء لدخول المدينة المذبوحة إلى الجنة . وكأن وضعنا التقني والإقتصادي والعسكري والسياسي والفكري , لا يبيح لنا سوى الترحم على أرواح الشهداء .. دون التنديد بالفاجعة والجرأة على التعبير عن الألم . ودون محاولة تتبع الإثر المنطقي لمخططي ومنفذي هذه الجريمة الفظيعة . .. الإله سبحانه وتعالى أبوابه رحمته مفتوحة للشهداء العزل الذين ذبحوا وهم نائمين . استغرب من الإستكانة والإستسلام .. هل كان زلزالا أم بركانا .. أم وباءا أم قدرا من أقدار الله ..؟ أم جريمة كبرى خطط لها أعداء الكورد ونفذها بيادقهم وعملائهم المجرمون ..؟؟؟
يكثر اللغط أيضا وتناقل المعلومات الغير موثوقة حول طريقة دخول المجرمين إلى كوباني بتأكيد دخولهم من تركيا بعددهم الكبير هذا , بكامل ملابسهم المزيفة تقليدا لل ب ك ك . .؟؟؟ غافلين عن بقية أعداء الكورد في المحيط الأقليمي, وبينهم من يتقن الإجرام بصمت وبحرفية ماكرة ..إضافة إلى سلطة شمولية على شفا حفرة من السقوط تسعى لخط الأوراق وتسعير الحرب وتوسيع رقعتها لإبعاد شبح السقوط عن نفسها . إضافة إلى دور أعداء الكورد في مايسمى بالإتلاف والمعارضة السورية , والذين كانوا إلى وقت قريب جزءا من الدولة الطفيلية ومقربين من السلطة كرجال أعمال منتفعين . والدور التحريضي الذي مارسوه في الإعلام العربي , كتشجيع على تنفيذ هذه الجريمة .. ومن ثم البيانات الشامتة التي أعقبت المجزرة الرهيبة وبكل وقاحة دون أدنى ذرة حياء . كما تم تناقل نبأ مفاده تمزيق القرآن الكريم على يد شخص من كوباني فيديو مشكك بمصداقيته من تلفون محمول وليس من وكالة أنباء . رغم وجود مدربين على مستوى عال لصنع هذه الفيديوهات , وكيفية تركيبها والتحكم في تاريخ إنتاجها , وسرعة إنتشارها لجأ البعض بكل بلاهة إلى تبنيها ونشرها على مواقع التواصل الإجتماعي بهدف تسعير الفتن . لنتبين في اليوم التالي أن الفيديو مفبرك وأن المنطقة ليست كوباني أصلا .. هذه الصور طبعا لا يكتشف كذبها من صدقها إلا الخبراء . لكن قصار النظر يسارعون إلى تبنيها وبثها بجهل تام عن إدراك أهداف من يقف وراءها .. مع وجود استعدادات شخصية اخلاقية وتربوية لدى البعض لممارسة الكذب بشكل دائم .
لكن الإستبداد السياسي هو ما يهيء لخلق جماهير مشلولة متقوقعة صامتة عن رأيها محترقة في آلامها مقتنعة أن حرية التعبيرعن الرأي هو من الكماليات. وعليها أن تشكل رأيها فقط عبر التسلسل التراتبي . استيرادا من منبع فكر القائد الرمز. وفي ظل أحزاب معظمها مريضة ولدت من رحم الإستبداد بعاهات مستديمة . بنت كياناتها على أسس المنفعة الشخصية الفجة , وهيئت للعيش في عالم الشعارات في ظل أمية علمية , بعد تغييب العقلانية والنخب المؤثرة المثقفة عن المشهد السياسي , والتي يمكن تناقل وعيها عن طريق العدوى الحميدة عبر الإعلام الحر , وحرية التعبير .
عندما ننظر إلى مأساة الفكر .. ويكون لدينا رغبة في اخراج المجتمع من حالة الشلل والتكلس الفكري. ليس أمامنا سوى العودة إلى الإثراء بقيم التعددية الفكرية , دون إعلاء أي منهج ,مهما كان منزلا في نظر الأغلبية . كما نشاهد هنا في الدول الديمقراطية حيث يقدم للتلميذ معلومات عن جميع أديان العالم وتاريخ العالم بأكمله . من جهتي استنتجت أن الطالب يتعلم أشياء قيمة عن الحضارة ويرى نفسه وبلاده بصورة أعظم في إطار إنساني أوسع . من خلال مقارنات عقلية يفهم من خلالها التلميذ معنى الصراع من أجل الحياة والموت . مما يؤدي إلى التنفيس عن شحنة التناقضات الداخلية المدمرة داخله . دون الحاجة لسرد تاريخ أحادي صارخ بالعنتريات ومخاطبة الحاجات السفلى للإنسان . ناريخ لا يمكن وثوق العقل به .
إننا بتقييد حرية الرأي والإطلاع . نعيد صياغة الفكر الشمولي المضاد للإنفتاح العقلي والإبتكار , وبأيدنا هذه المرة . ونقوم بإلغاء وجهة النظر المستقلة والمختلفة لدى المتلقي , أو السماح له بالتشكيك فيما يتلقاه , وهذا السبيل لايؤهلنا لإلهام أحد أو القيام بدور ريادي كما ندعي.
من هنا أرى ضرورة .إحياء قيم التعددية والعقل بالمعنى الحقيقي .
ليلة السكاكين الرهيبة , تسلط الضوء على أخطاءنا . وليس المعيب أن نحاول ونفشل بل المعيب أن نستمر في الخطأ . ونستمرفي هذا الإسكات . ما الضمانات لعدم عودة داعش ؟؟؟ وقد تعود للمرة الثالثة اذا استمرينا في رفض دخول اخوتنا بيشمركة كوردستان , خاصة وأننا نقبل التعاون مع بركان الفرات ,وأحرار الرقة .
الناس لن تعود الى كوباني للعيش في هذا الأمان الهش والحدود المفتوحة على الموت . وستبقى كوباني فارغة كما يريد اردوغان والسلطة في سوريا إن لم نسارع إلى تجديد سياستنا بالإنفتاح على الجماهير والإعتراف بالإنتكاسة الفادحة ولهذا نحتاج إلى تجديد وحيوية فكرية في المجال العام السياسي والفكري لدعم المعركة . نحتاج إلى جماهيرنا كي تكون لنا ظهيرا داعما للثورة. والثوار . والخلاص لن يكون بإغلاق دور الحراك الفكري والثقافي .وإخلاء الساحة السياسية من القوى المدنية . لأن الحرب ليست غاية بحد ذاتها , و الجماهير التي لا تحترم و يطلب منها المساندة سوف لن تقدم اية مساعدة فعلية .. لذا يجب التحضير لمرحلة حراك قادمة فكريا وثقافيا .تؤهل المجتمع لمرحلة المسؤولية السياسية . وإلا فأننا نفهم الجماهير أن المعركة مستمرة للأبد عندما نمنع صعود صوت آخر فوق صوت المعركة .
كان الثمن مقبولا بشكل مؤقت بالنسبة للكثيرين في سبيل النصر والإستقرار وهزيمة النظام الشمولي . ولكن إغلاق دور الحراك الفكري والثقافي إلى الأبد يفهم الجماهير أن المعركة مستمرة إلى الأبد وأن الموت هدفا وليس غاية . ويرهق الجماهير لدرجة الموت , ويفتح الباب لصعود الإسلام السياسي شئنا لم أبينا .
نسرين تيللو .