زكريا تامر : الجوعان
2014-05-31
كان قراقوش شبيهاً بكرتين، كرة ضخمة هي جسمه، وكرة صغيرة هي رأسه. وفي يوم من الأيام، اكتشف وحده أن الطعام الكثير يضر الصحة ويضعف الجسم ويورث شيخوخة مبكرة، فكتب خطبة طويلة منمقة الكلمات، وتلاها على مسامع الناس الذين يحكمهم، وطالبهم بالإقلال من الطعام حرصاً على سلامة صحتهم وحفاظاً على رشاقة أجسامهم، فتبادل الناس النظرات المتعجبة، ونظروا إلى أجسامهم بتعجب أكثر، فهي مجرد عظام هزيلة مكسوة بجلد أصفر.
وما بذله قراقوش من جهد في أثناء كتابة الخطبة وإلقائها أتعبه وجوّعه وجعله يهرع إلى مائدة الغداء متلهفاً ويجلس إليها مردداً بحماسة أنّ خير الطعام ما قلّ ودلّ، وابتدأ يأكل على عجل ما أسماه ما قلّ ودلّ ..
أكل قراقوش دجاجة مشوية، وقال عنها إنها دجاجة ضبطت تخالف القوانين، وتنتقل من رصيف إلى رصيف غير مستخدمة ممر المشاة، ولا تبالي بالشــــارات الضوئية الحمر والخضر، ونهاية من كان مثلها ستكون عبرة لمن يعتبر ..
وأكل قراقوش سمكة مقلية على نار هادئة، وقال عنها إنها مجرد سمكة حمقاء هجرت وطنها وأرادت العيش في وطن ليس بوطنها وغير مؤهلة له، فاستحقت الحساب العسير والعقاب العادل..
وأكل قراقوش خروفاً صغيراً مسلوقاً مضمخاً بالبهارات، وقال عنه إنه كان نزقاً مغروراً طائشاً دائم السخرية من أولي أمره، فكان لا بد له من أن يُلقن درساً لا ينسى..
وعندما تنبه قراقوش إلى أنه لم يعد موجوداً على سطح المائدة إلا عظام الدجاجة والسمكة والخروف، تمطى وتثاءب، وقال لخدمه وحراسه المحيطين به إنّ ما أكله ليس سوى مقبلات خفيفة وتمهيد حسن لطعام حقيقي يليق بالملوك والرجال، فسارع الخدم إلى التعاون على حمل جمل طُهي مع السمن والحليب والأرز، ووضعوه على سطح المائدة ملاصقاً لصدر قراقوش، فأكل قراقوش من الجمل عدة لقيمات متأففاً من لحمه القاسي، وحملق إلى خدمه وحراسه بنظرات متفحصة، فهيمن الرعب عليهم، وفهموا غاية نظراته، ولا مهرب لهم من الاختيار بين أن يأكلهم قراقوش وبين أن يأكلوه، فارتبكوا وتحيّروا وفكروا في الهرب حفاظاً على حياتهم، ولكنهم عندما تذكروا الشرف الذي سيحظون به حين يقيمون في معدة ملكهم، زال عنهم رعبهم ووسواسهم، وانتظروا الصيحة الآمرة التي سيليها اقتياد بعضهم بسرعة إلى المطبخ السامي.