وليد فارس : الأدوات الجزئية... هل تحقق الأهداف الكلية؟
2014-04-29
كثير من العاملين في الحقل الثوري اليوم, بدأت مفردات لغتهم تتغير اتجاه الحديث عن الأهداف والتفكير المستقبلي, والنظرة الحالية, فهم يتكلمون عن (الأمة, المجتمع, الدولة, الحكم, التغيير الشامل, الثورة, الحكومة, المجتمع الدولي, ....), وغيرها من المفردات والمفاهيم الكلية, أو المفردات "الفوق وحدوية", أي أنها مفردات أكبر من الجزء أو الوحدة الواحدة التي تشكل في مجموعها ذلك الكل.
يصنف دارسو علم الاقتصاد المفردات الكلية مثل الدخل القومي والموازنة العامة وغيرها ضمن حقل (Macro) ويميزون المفردات الجزئية على مستوى الشخص أو المؤسسة ضمن حقل (Micro), ولكل حقل من هذين التصنيفين نظرياته وأدواته وأهدافه, كذلك تنتمي معظم المفردات الكلية إلى علم السياسة الذي يهتم بقضايا كلية, ولا تنتمي إلى علم الإدارة مثلاً أو علم النفس الذي يهتم بقضايا على مستوى الوحدة (الفرد, المنشأة..).
وعلى الرغم من أن معظم القضايا الكلية تتكون في أجزائها من مفردات جزئية, مثلاً المجتمع يتكون من تجمع الأفراد, إلا أن القضايا التي تتعلق بالفرد (الجزء) لا يمكن أن تنطبق على تلك التي تتعلق بالمجتمع (الكل), ذلك يشبه الفروقات النظرية بين "علم النفس وعلم الاجتماع" أو "علم الإدارة وعلم الاقتصاد".
الأمر الجيد والجديد هو ادخال هذه المفردات بشكل كبير في حديثنا اليومي وحساباتنا العملية, بعد أن كانت شبه محظورة, والأمر السيء هو بقاء أدوات و وسائل التفكير الوحدوي| الجزئي مسيطرة على نظرتنا في هذه القضايا, أي أن طموحنا والتعبير عن رؤيتنا اتجاه قضايا مثل (الأمة, الدولة, الشعب....) تحكمها وسائل وأدوات (الفرد, المنشأة, المحل التجاري, الأسرة, القبيلة...).
بكل تأكيد أن هذا أمر طبيعي, وليس مستغرباً, فالثقافة السياسية التي سادت في المجتمع السوري خلال فترة الهيمنة والتسلط السابقة, هي ثقافة سياسية بدائية, ليس ضعفاً أو تقصيراً من المجتمع السوري نفسه لكن لعلم الأفراد والمؤسسات العاملة فيه أن النظام السياسي لا يستجيب لمطالبهم ولا يمكن التأثير فيه, وإن تفاعلهم الأساسي والمؤثر هو انتماءاتهم الأولية أحياناً, أو ضمن أسرتهم أو محلهم التجاري على أبعد تقدير, وكان مجرد التفكير في مفردات تغيير كلية (الحركة|الجماعة|الحزب, الجمعية, الترشح, العلاقات, السلاح, الإعلام...) مجرد التفكير فقط هو جريمة يحاسب عليها "القانون", بل حتى لو كان التفكير في هذه الأمور في الحلم, وروي هذا الحلم أمام من ينقله لأجهزة الدولة.
ما أردت قوله, هو أن التفكير الكلي يحتاج إلى حزمة الأدوات والنظريات الكلية, ولا يمكن أن نفكر ونضع مخططات وأهداف كلية, بنفس الآليات والوسائل الوحدوية| الجزئية, وإن اسقاط أساليب التفكير الوحدوي على المنظومة الكلية سيعطينا تفكير مبتور ومجتزأ وذو نظرة محدودة, مثلاً إن التعامل مع المجتمع في مدينة ما بأسلوب التعامل مع العاملين في المنشأة هو تفكير منحرف عن المنظومة الكلية المتوجب تكاملها مع بعضها, مهما بلغت درجة الحرفية والإنسانية في اسلوب الإدارة المستخدم للتعامل مع العاملين, وأيضاً مثلاً الحديث عن قضايا الأمة والتخطيط لها أو الاهتمام بها–بغض النظر عن ماهية الأمة التي يجري الحديث عنها- بعقلية إدارة المؤسسة, وباستخدام أدواتها ووسائلها لن يعطيك أكثر من صور غير معبرة عن الواقع وأحلام لا يمكن أن توصلك إلى مستوى التخطيط الذي تراهن عليه.
لقد اُنشئت بعد الثورة السورية مؤسسات كثيرة واسعة النشاط, هي جزء من منظومة كلية, وبدأت هذه المؤسسات وكذلك الأفراد العاملين فيها, يتناولون قضايا على مستوى عالي من الأهمية وشديدة الحساسية, وإنه من مقتضى الحرفية واتقان الصنعة أن تكون أدواتهم وآليات تفكيرهم على نفس سوية طبقة المصطلحات التي يناقشون قضاياها, ولينتبهوا إلى أن الخطأ والتجريب في القضايا الكلية ينتج عنه آلاف المشاكل بسبب أن القضية الكلية الواحدة تتكون من ألاف الأجزاء.
وليد فارس, 29-4-2013