وليد فارس : "الانزياح الطبقي"... ظاهرة اجتماعية أنشأتها الثورة
2014-04-27
لقد اتخذت المناطق الشعبية مستوى متقدم -زمنياً ومرحلياً -في الثورة, فقد اشتعلت تلك المناطق قبل مثيلاتها ذات الطبقة الأغنى, وحُمل السلاح في المناطق الشعبية قبل مثيلاتها الغنية, وعندما بدأت عمليات القصف والمداهمة بدأت في تلك الشعبية قبل الغنية.
هذا السبق الزمني والمرحلي, سبب نزوحاً واسعاً في المناطق الشعبية, نحو المناطق التي تتمتع بمستوى معيشي أفضل, الأغنياء بدورهم نزح أغلبهم إلى مناطق أعلى حيث غادر أصحاب الطبقة الثرية والأغنياء البلاد -غالباً-, وانتقل أبناء الطبقة الفقيرة للعيش في منازل الطبقة المتوسطة أو الغنية, وانتقل أبناء الطبقة المتوسطة للعيش في منازل أبناء الطبقة الغنية والثرية.
هذا الانتقال الذي يحمل في ظاهره مستوى مقبول من التكافل والتضامن بين أبناء المجتمع السوري, حيث تكبدت الطبقة الغنية –مثلاً- كلفة العيش خارج البلد, وكلفة التخلي عن منزلها القديم في حي غني لصالح أبناء الطبقة الفقيرة النازحة, بل وربما تركت ورائها طعامها وشرابها وسيارتها وفي حالات إضافية أموالاً أخرى.
هنا في حمص مثلاً, لأول مرة يعيش ذلك الشاب –دعنا نأخذ مثالاً ابن منطقة كرم الزيتون أو وادي العرب الفقيرتين- في منزل جميل مشمس في حي الغوطة أو الانشاءات, لطالما نام ذلك الشاب على أريكة مهترئة في صالون الجلوس, واشترى من محل البقالة حاجات منزله وفق قدر أقل من كافي, كأن يشتري بعشرة ليرات زيتاً, أو بعشر ليرات سمناً, أو غيرها من المواد, اليوم وجد نفسه في غرفة نوم مصنوعة من الخشب الجيد, في منزل ذو إطلالة جميلة ومياه ساخنة, و"جاكوزي", ووجد مطبخاً جميلاً, وفيه زيتٌ "بالكالونات", والسمن بـ"التنكة", وشاهد مسلسله المفضل -الذي كان يشاهد النصف الأول منه عبر تلفزيونٍ هربت منه الألوان كما هربت البهجة من حياته, وتقطع الكهرباء النصف الثاني منه بغيابها,- بدأ يشاهد هذا المسلسل عبر شاشة مسطحة "LCD", بكل تأكيد أن الحياة الجديدة مشوبة بالمنغصات, وفنجان القهوة على البلكون الواسع أو الحديقة الخضراء تعكره أصوات القصف القريبة أو البعيدة.
هذا الانتقال أظهر حجم الهوة الواسعة من الناحية المعيشية والناحية الثقافية بين طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء, هذه الهوة نتجت بناءً على النظام الاجتماعي الاقتصادي الذي كان سائداً في البلاد خلال الفترة الماضية, ونحن نشارك جميعنا –كسوريين- في تكوينه وإظهار نتائجه.
لقد نتج احتكاك متقارب بين طبقات المجتمع المختلفة نتيجة عملية الانزياح تلك, وأتاحت الفرصة للطبقات المختلفة الاطلاع على الوضع لكل طبقة عن قرب أكثر.
المجتمع , الذي كنا نعتقد أن طبقاته متقاربة في النشأة والعادات والمعرفة, ظهرت فيه فجوة واسعة على مستوى العيش, وفجوة في حجم المعرفة والاطلاع, وفجوة في المصطلحات وخلفيات ومعاني هذه المصطلحات.
لا أحاول أن أناقش هنا أسباب هذه الفجوة, وإنما لفت الأنظار إلى الفجوة الناتجة عن ظاهرة الانزياح تلك, والتي تلقي الضوء على حجم التقصير في التواصل بين تلك الطبقات, وحجم التقصير في التضامن, وأيضاً تغيّر مركز استقاء المعرفة والعادات في بعض الأحيان.
الأمر الأخر الذي أود لفت النظر إليه, هو أن هذه الفجوة أفرزت وستفرز, ظواهر اجتماعية مرضية, وغير محببة, كالحنق بين الطبقات, والانشداد نحو منطق (الأسرة, العشيرة, المنطقة...), عدم احترام الكبير وتسفيهه أحياناً (سناً, شيخاً, قدراً, وجاهةً...), سهولة الانحلال وعدم تكون الشخصية الراشدة مما جعل كثير من الشباب أهداف سهلة للأفكار المختلفة التي طرحت مهما كانت سذاجتها,... وغيرها من المفرزات.
الظاهرة ملفتة للمتابعين, وهي تشكل فرصة لتصحيح مسار النظام الاجتماعي القديم, المؤسسات الإغاثية, المؤسسات الدينية, العاملين في حقول المجتمع المعرفة والتثقيف والمجتمع, عليهم أن يهتموا بهذه الظاهرة وأن يضعوا برامج مدروسة لتخفيف الأثار السلبية وتعزيز الأثار الإيجابية لظاهرة الانزياح الطبقي.
حمص, 23-4-2014
وليد فارس