وليد فارس : منظمات الأمم المتحدة, رؤية من زاوية واحدة, وكلام في الهواء...."اليونسيف" النموذج الأقرب
أصدرت المنظمة الدولية للطفولة (يونيسيف) تقريراً يحمل عنوان "تحت الحصار: تأثير مدمر على الأطفال خلال ثلاثة أعوام من الصراع", التقرير الذي لاقى قبولاً وصدى في مختلف وسائل الإعلام ومؤسسات متابعة الشؤون السورية وأصحاب القرار, وبعد يومين فقط على صدور التقرير كانت بعثة من المنظمة ذاتها قد وصلت إلى محافظة حمص -برئاسة السيد أنتوني ليك المدير التنفيذي للمنظمة- التي تحوي مائتين وعشرين ألف طفل
بحاجة للمساعدة العاجلة –بحسب احصاءات المنظمة ذاتها, منتصف العام الماضي- تجول أفراد البعثة في مناطق متعددة من حمص, لكنهم لم يقتربوا نحو المناطق المحاصرة –التي يحمل التقرير عنوانها- منذ مايقارب التسعة عشر شهراً في حمص المدينة, ولا من منطقة الحصن المحاصرة منذ مايقارب الثمانية أشهر, ولا من الحولة التي ذبح أطفالها بنفس اليد التي صافحوها أثناء مقابلتهم وفد النظام, وأعتقد أن مجزرة كرم الزيتون ذات الثمانية عشر طفلاً, ومجزرة الرفاعي ذات الاثنين وثلاثين طفلاً, ومجزرة العدوية ذات العشرين طفلاً, ومجزرة الحصوية ذات الخمسة عشر طفلاً, يضاف إليهم أكثر من مائة طفل من مدينة حمص المحاصرة, كانت مجرد معلومات حصلوا عليها في أوقات مختلفة, وربما لأسباب فنية لا يمكن أن يتم وضع هذه المناطق على سلم الزيارة أو المتابعة مع المؤسسات التي تملك المعلومات الحقيقية.
وإذا كانت البعثة الأخيرة مُنعت من دخول المناطق المحاصرة –مع أنني أكاد أجزم أنها لا تضع أطفال حمص المحاصرة في برنامجها وإلا كانت اتصلت في وقت سابق للتنسيق- فلماذا لم تجري اتصالات مع المؤسسات العاملة في الحصار ولو عبر الهاتف أو الانترنت؟, ولو أنصت الوفد لسمع وهم في غرف استقبالهم النظيفة التي أعدت لهم في حمص صرخات الأطفال المعتقلين في الأفرع الأمنية, وبكاء أطفال المنطقة المحاصرة من شدة الجوع.
لقد سعت المؤسسات الدولية التي دخلت حمص للتعامل بواقعية مع الطبيعة الأمنية في حمص, ولأسباب فنية حصلت على تراخيص لدخول تلك الأماكن التي سمح لها النظام بدخولها فقط, إنها أماكن غير محاصرة غالباً, ولم يتعرض سكانها للضغط وبيوتها لاتزال سليمة وأطفالها لم يروا سكاكين حقيقة على رقاب اصدقائهم, وأخوتهم.
لقد تابعت عن قرب خلال الفترة التي تلت مجزرة أطفال الحولة الشهيرة,وتطور سير التحقيقات الأممية في المسألة, وعلى الرغم من أن الجنرال "روبرت مود" زار الحولة في وقت قريب من المجزرة وأكد في تصريحاته وقوع تلك المجزرة إلا أنه لم يؤكد أن السلطات السورية أو الشبيحة هم من قام بالعمل, لقد قابل مود عدد مرضي من الشهود وعاين الأمور على الأرض, وعلى الرغم من أن المراقبين الدولين كانوا على بعد عدة كيلو مترات من الحولة ليلة المجزرة, إلا أنهم تجاهلوا نداءات المؤسسات الثورة والثوار الأفراد بأن الوضع في الحولة ينذر بكارثة قريبة, وبرروها بأسباب فنية أيضاً...وبعد أكثر من ستة أشهر على الحادثة صدرت تقارير تشير إلى تورط القوات الحكومية والشبيحة في هذه المجزرة!, وكانت صور المجازر المتكررة قد أنست الجميع ما حصل لـ خمسة وثلاثين طفلاً من الحولة في حمص.
المنظمات التي تزور حمص تهتم بتصريحات الدخول, وهذا يحتم عليها طلب الإذن من النظام للحصول على ذلك, لكن وبكل تأكيد هذا لا يحتم على أي منظمة أن تستقي المعلومات من مصدر واحد وأن تسير في المناطق التي يأخذها إليها النظام فقط, وعلى الرغم من أن ثوار حمص كانوا مبادرين دائماً للتعامل مع هذه المنظمات إلا أن البعثات الزائرة غالباً ماكانت تهمش دورهم المنظم وترفض التعامل مع مؤسساتهم الثورية التي بنوها بالدماء واللحم, وفي أحسن الأحوال تتعامل معهم كأفراد وناشطين معارضين!, ولا بد أن هذه المنظمات الدولية لا تجد غالباً في مثل هذه الحالات مبدءاً للتعامل مع المنظمات الثورية -التي كان العالم يتذرع بعدم وجودها في بداية الثورة-, فلا تتعامل معهم بنفس مبدأ الواقع والشؤون الفنية التي تتذرع بها بالتعامل مع النظام, ولا تتعامل معهم من مبدأ أنهم أصحاب الحق والقضية, ولا من باب أنهم منظمات حيادية مستقلة أو ذات شهادة تحملها للعالم!.
تجربة الأمم المتحدة وأعمالها ليست هي موضع حديثنا في هذه الأسطر, فأفرادها بكل تأكيد يبذلون الكثير من الجهد والعرق, وقد يلومنا البعض على هذا الخطاب الذي يتصف بأنه "لا سياسي", نحن أولاً وأخيراً ثوار نكافح في سبيل الحصول على أهدافنا ولا تقيّدنا تلك الحدود والأعراف التي تقيّد السياسين, نحن أصحاب حق وقضية, وسنحصل على حقنا في وقت قريب أو بعيد, وربما على المنظمات الزائرة التي تضع في اعتباراتها مبادئ سياسية أن تدرك أن بناء شراكة مع أصحاب الحق على أساس استراتيجي سيضمن لها تعاملات مقبولة في المستقبل.
حمص المحاصرة, وليد فارس, 14-3-2014