وليد فارس : اتفاق حمص في إطار الإستراتيجية الثورية
قبل حوالي عشرة أيام, أبرم ثوار حمص المحاصرة اتفاقاً مع الأمم المتحدة يقضي بإدخال مساعدات إنسانية, وإخراج المدنين الراغبين بالخروج من ظروف الحصار والقصف اليومي, وكان تطبيق الاتفاق يمر عبر امتداد زمني مقداره أربعة أيام, ثم جرى تمديده يومين إضافيين, في المحصلة أتت نتيجة الاتفاق ضمن مايلي:
· خروج مايزيد عن ألف شخص, جلهم من النساء والأطفال والشيوخ, وقد اعتقل من الخارجين ما نسبته (15%), معظم المعتقلين كانوا من الشباب وبينهم جرحى ومعاقين.
· دخول ثلاثمائة حصة غذائية تقريباً, بعد شح غذائي عالي المستوى, وهذه الكمية تكفي مدني المنطقة المحاصرة -المتبقين- لأيام فقط.
· قصف النظام المنطقة أثناء تطبيق الاتفاق, مما أفقد المنطقة المحاصر أربعة عشر شاباً من خيرة شبابها, قضوا شهداء تحت القصف, وأكثر من عشرين جريحاً.
· أتى الاتفاق في خدمة المخطط الطائفي للنظام, حيث ساعد على إخراج المزيد من العائلات من بيوتها نحو مناطق أخرى مما يعني المزيد من النازحين, وشتت عائلات أخرى رفض بعض أفرادها الخروج, وخرج البعض الأخر.
· حصل النظام على معلومات مهمة من الناحية العسكرية نتيجة اعتقال عدد كبير من الشباب الخارجين والتحقيق مع المدنين.
· أعطى الاتفاق ذريعة لثوار المناطق القريبة -الذين تأخروا عن مساندة المدينة- بأن حمص التي عانت وضحت قد تنفست الآن, وهي لم تعد بحاجة لمساندة, وهو أمر بعيد عن الواقع, لكنه قد يكون من باب الأماني عندهم.
· خفف الاتفاق العبئ على ثوار المنطقة المحاصرة, حيث كان هؤلاء المدنين-الخارجين- يشكلون عبئاً كبيراً من الناحية الغذائية والخدمية, كذلك كان بعض الشباب الخارجين في قمة ضعف المعنويات, وبعضهم الأخر يثير الفتنة والاضطراب بين صفوف الثوار, وهذا الاتفاق سمح بتنفيس هذه المسائل الموجودة, مما انعكس على الروح المعنوية.
· بقي عدد كبير من المدنين (أكثر من عدد الخارجين), ومنهم من يريد الخروج, لكن قلة الثقة بالأمم المتحدة وبالنظام منعته من المضي برغبته.
وفي المحصلة, وبعيداً عن التفاصيل, يتساءل المرء!, كيف خدم هذا الاتفاق الإستراتيجية الثورية, المبنية على هدف إسقاط النظام بكافة رموزه وأركانه!, وفي هذا الإطار لابد من معرفة المرحلة الثورية التي تعيشها حمص حالياً, وموائمة المرحلة الراهنة مع الهدف الاستراتيجي العام.
لم نعد نذيع سراً, إذا ما قلنا أن ثوار حمص يحاولون الحفاظ على المدينة لأهلها ومنع النظام من تقسيم سورية, والحفاظ على نقطة الوصل بين جنوب وشمال سورية عبر حمص, وأيضاً البقاء شوكة في حلق مشروع الاستقرار الساحلي المتصل بمناطق حزب إبليس, وإن الانتقال نحو المرحلة التالية من مراحل الهدف العسكري العام -وهو تحرير المحافظة بالكامل- يتطلب المزيد من التنسيق بين ثوار المدينة والريف ومعرفة اللحظة المناسبة للانتقال إلى هذه المرحلة, مع الأخذ بعين الاعتبار, كافة المتغيرات الأخرى, المتعلقة بأسلوب التكتيك العسكري والثوري المتبع في المحافظة, وبمتغير سير المعارك في المناطق السورية الأخرى, وبالنبض السياسي والتفاعل مع الملف السوري دولياً وإقليمياً.
عبرت مدينة حمص, سبعة عشر شهراً من حصار كامل خانق, أوصلها إلى شاطئ لا طعام فيه, وصلت إلى هذا الشاطئ بعد تعب ومعارك ارتفع غبارها حتى أخر الأرض, فقدت خلال الرحلة مئات الشهداء والجرحى, وعلى الطريق لافتات لعناوين عريضة من خيبات الأمل ابتدأت بسقوط بابا عمرو ثم القصير وقراها, ثم تأخر ثوار الريف الشمالي عن نصرة المدينة أو حتى تحرير الريف نفسه بالكامل, يضاف إلى الأمر, الخلافات المنهجية بين القوى المقاتلة في سورية في الأشهر الأخيرة, وعدم قدرت الكيانات السياسية الممثلة للحراك الثوري على تحقيق اختراق في الموقف الدولي لصالح الثورة السورية.
كان لزاماً على ثوار حمص, أن يبحثوا عن متنفس ما بين هذا الواقع القاسي, وأتى مؤتمر جنيف وانعكاساته على الأرض, وكأنه أداة من الأدوات التي يتم عبرها البحث لإيجاد متنفس إنساني, وأتى اتفاق حمص ممهوراً بموافقة كافة القوى الثورية والعسكرية في المدينة المحاصرة ومباركاً من مدنيها.
لقد استثمر النظام الاتفاق, في أنه استجاب للجهود السلمية التي يقوم بها المجتمع الدولي لإنقاذ سورية, في حين انتفضت شبيحة النظام ضد موافقته على الأمر, وخرقت الهدنة يومياً, ووقفت في وجه الشاحنات الغذائية والوفد الأممي, وأظهرت صورة عجز النظام عن مواجهة المارد الذي كان تكبيره وتضخيمه ثم السيطرة عليه عنوناً لخطة "روسية – سورية", تم وضعها مسبقاً, لكن يبدو أن هذا المارد فضحه هذه المرة, وخيب ظنه, ولم يعد النظام قادراً على التحكم به, مما دفع مؤسسات دولية للبحث بين طيات المجتمع المؤيد عن ضامن حقيقي لاتفاقات المرحلة القادمة.
بعد ستة أيام على الاتفاق, بقي من الاتفاق مدونات توثقه, ومنازل فارغة لمزيد من المدنين, ومعدة شبه ممتلئة لآخرين تضوروا جوعاً في الفترة الماضية, وكان لزاماً عليهم أن يبحثوا عن مايؤهلهم لمزيد من الصمود والثبات.
في الجانب الأخر, خاض ثوار حمص تجربة سياسية هي الأولى من نوعها, ووضعوا على المحك أمام العالم, وأثبتوا أنهم كتلة واحدة وجسم قادر على تحقيق التزاماته, والمضي في السير نحو الأمام في شؤون خدمية ولوجستية وسياسية, ومارس الجميع جهد عالي من القدرة على ضبط النفس والوفاء بالتعهدات.
إذاً, أتى الاتفاق كمحطة في قطار العبور والتقدم نحو الإستراتيجية الثورية المرسومة لحمص, وشجع الثوار على فتح خط أخر من العمل الثوري, وبالتالي أضيف متغير أخر للمعادلة الثورية العامة, وهو متغير الاتفاقات المحلية, ليس الشاغل أن يكون هذا المتغير قريب من الصفر أو بعد عنه في المرحلة القادمة, لكنه متغير أخر في معادلة بناء الإستراتيجية الثورية "الشعب يريد إسقاط النظام".
ويتابع اليوم ثوار حمص صمودهم -الذي هو جزء من هدف أكبر- مرسلين رسالة لأبناء الثورة في حمص, لبذل المزيد من الجهد للالتحام بالصف الثوري, وبناء نواة تنسيق مركزية على مستوى المحافظة تساعد على تنسيق الجهد للانتقال للمرحلة المقبلة.
حمص المحاصرة, وليد فارس, 19-2-2014