وليد فارس : أربعة أيام على نافذة حمص المحاصرة
أصدرت الكيانات العسكرية والثورية في حمص المحاصرة عدداً من البيانات توضح فيها رغبتها بالتعاون مع المؤسسات الإنسانية وتقديم التسهيلات اللازمة والتعاون معها, وكان لجنيف دور في ترجمة عملية لعقد اتفاق لإخراج المدنين وإدخال مساعدات إنسانية للمنطقة المحاصرة.
هدنة لمدة أربعة أيام, استطعنا فيها الوصول إلى الخطوط الأولى بأريحية, والنظر عبر نافذة حمص –وللمرة الأولى منذ عشرين شهراً- إلى ذلك العالم المحيط بنا, لقد بدا مختلفاً وليس كما نعرفه لكنه يشبه كثيراً تصوراتنا وماتصوغه مخيلتنا, لقد رأينا للمرة الأولى منذ عشرين شهراً وجوهاً جديدة لا يبدو عليها الشحوب ولا الخوف, لقد كانوا آدميين في المظهر, يشبهوننا تماماً حين دخلنا حمص قبل عامين.
كان النظام يحاول بكل ما أوتي من خبث ومكر أن يعرقل الاتفاق, مع هذا خرج في اليوم الأول من الاتفاق ستة وسبعون رجلاً وامرأة مسنين, وذلك بعد أن أصيب رجل في عقده السادس برصاصة في بطنه من قناصة النظام, في أول دفعة من الخارجين الست وسبعون, لكن البقية قرروا العبور ولو في ظل مثل هذه الظروف.
في اليوم الثاني, تقدمت سيارتين محملتين بالمواد الغذائية نحو المنطقة المحاصرة, أطلق قناصة النظام عليهما النار لكنهما عبرا بأعجوبة, وما إن توقفا حتى أطلقت عليها قذائف الهاون, مما أدى لاستشهاد خمسة من خيرة شباب حمص وإصابة عشرين آخرين, وأدى لتلف جزئي في بعض المواد القادمة, سادت حالة من الاستياء وموجة من الغضب حينما لم يستطع موظفو الأمم المتحدة فعل شيء أمام مشهد الدم بل لم يفعلوا شيء اتجاه حماية أنفسهم.
كان من المقرر أن يتم إيقاف الاتفاق في اليوم الثاني, لكن إرادة الثوار كانت أمضى على متابعة المسيرة وإن كانت الكلفة مرتفعة, فخرج في اليوم الثالث مايقارب الثلاثمائة وخمسين من مدني حمص (أطفالاً ونساءاً وشيوخاً ومرضى), ومرة أخرى أطلقت قذائف الهاون عند تجمع الناس للخروج, واستشهد تسعة أفراد وأصيب عدد كبير أخر.
اليوم الرابع, كان أقل دموية واستمر فيه إخراج المدنين وبعض الجرحى, وانتهى بإخراج مايقارب المائتين.
لم يصل جميع المدنين إلى مقصدهم, ومع تلك النافذة التي كان الثوار يقفون عندها, لم يستطيعوا من خلالها التواصل والاطمئنان على كل من خرج, بعض العائلات تعرضت للإهانة ومنهم من تعرض للاعتقال, وحاصر الشبيحة مركزاً للإيواء في اليوم الرابع, ومنعهم أن يتمادوا تواجد موظفين من الأمم المتحدة.
حصل الثوار على لقيمات بعد جوع طويل, وإن كانت تلك الأغذية لا تكفي إلا لبضع أيام, بل لا تكاد تسد جوع الأيام التي سبقت دخولها, إلا أن نوراً جديداً تدفق عبر تلك النافذة نحو حمص, لم يكن ذلك النور هو خروج المدنين فقد كانت هذه أرضهم وكان خروجهم يشبه اقتلاع شجرة الزيتون المعمرة من أرضها, كانت خطواتهم نحو الطرف الأخر توافق دقات القلب المنكسر حزناً على فراق حبيب, وكان كل ما يسلينا أننا نظرنا عبر تلك النافذة إليهم وهم يغادرون ليحصلوا على وجبة طعام, ثم يتركوا إلى مصير مجهول, يشبه كثيراً مصير الطيور المهاجرة.
ولم يكن النور المنبعث عبر النافذة هو ذلك الطعام, القليل بكميته, العظيم بقيمته للمحاصرين, بل ربما كان شيئاً أخراً, إنه اهتمام العالم بهم من جديد, إنه نور أعين الناظرين إليهم كل صباح, والمتابعين لأخبارهم وأحوالهم, بعد غياب عن العالم لمدة تفوق العشرين شهراً, عشرين شهراً من النسيان والألم والجوع والشقاء والخوف, نور ينبعث عبر نافذة حمص ليضفي على شوارعها التي فقدت الحياة وعاشت أياماً طويلة في رفوف النسيان, فازدادت دماراً فوق دمارها.
أربعة أيام دخل فيها نور المتابعة والاهتمام إلى قلوب كل محاصر, قبل أن يدخل ذلك النور إلى شوارعها, إنه نور الاتصال بين البشر, ونور الإحساس بوجود من يشاركك الهم فعلاً لا قولاً, وكان أصعب مافي الأمر إسدال الستار, الستار الذي يفصل بينه وبين العالم مرة أخرى, أزيز الرصاص وقذائف الدبابات وصواريخ الطيارات, ليبقى ألاف من ثوار حمص وأهلها غائبين في ذاكرة ما, لا تعرف إن كانت ستجد من يسترجعها ليدونها تأريخاً أو يدرسها تجارباً, ستارٌ يحجب النور مرة أخرى, ويرمي على مناطق حمص مزيداً من الظلام, وتبقى حمص تنتظر النور, ويبقى ثوارها ينتظرون الفجر, وينشد الجميع فيها:
أشـكــوك لـــيلاً مــــا أشـــد ظـلامـــه
أشــكوك يا أم الــحـجارة......غربتي
فـــوقـفت أنــظر بالــمـكان وأهــــلـه
ويدي تعــانــق بالـدموع حـــقيـبــــــتي
أشكــو إلــيــك مخـالـباً قد هــشمــــت
جرحــي الــعــمـيق ولــم تداري علتي
حمص المحاصرة, وليد فارس,11-2-2014