ابراهيم اليوسف : يوسف عبدلكي يرسم لوحة السجن ..!

2013-07-28

 ليست مفاجأة على من يعرف البيئة الأولى التي انحدرمنها الفنان السوري الكبيريوسف عبدلكي، ابن مدينة "قامشلي"، المدينة التي تعد الأنموذج الفسيفسائي الجميل، في حال الملف يعيش فيها السرياني مع الكردي ألي جانب العربي  ألي جانب الأرمني والآشوري والتركماني والشيشاشني، المسيحي، إلى جانب المسلم، فالإيزيدي ، فاليهودي، بل تتجاورفيها المعابد، المختلفة، لتكون هذه المدينة بيتا واحدا،

يتعايش أهله، متحابين، متآلفين، وإن كان بيت الرجل - في الأصل - هوأحد البيوت مشرعة الأبواب أمام الناس، مادام أن والده عبدالأحد عبدلكي، إلى جانب آخرين، ممن اشتغلوا على بداية تأسيس الحراك السياسي الأول لهذه المدينة، كي يبقى أثرالأسرة حتى بعد انتقالها إلى عددمن المدن، مادام الأب قدعرف السجن السوري في خمسينيات القرن الماضي، وأنه سيطرد من عمله في "مكتبة" القصر الجمهوري عند وصول الانقلابيين إلى دفة الحكم في أول سبعينيات ذلك القرن. وبدهي، أن ابنا كيوسف يفتح عينيه في أسرة ذات موقف، لن يتخلى عن موقفه، أنى حط به الرحال، سواء أكان في دمشق التي سيلتقي فيها بابني بلديه بشارالعيسى، وعمرحمدي، وآخرين، من كبارالفنانين العالميين، اليوم، كي يدفع هوضريبته سجنا لمدة عامين، في أواخرالسبعينيات بعد تخرجه في كلية الفنون الجميلة، كي ييمم وجهه شطرباريس، يتابع فيها دراسته العليا، ولتواصل لوحته، ورسومها الكاريكاتيرية أداء الخطاب الفني الذي اختطه ​​لنفسه، كمبدع كبيرذي موقف، لايمكن للوحته أن تعيش دون أن ترسل ذبذباتها في اتجاهين، مختلفين، متضادين، وهما إدانة القبح، وتمجيد الجمال.

 
 
 
وبدهي، أن يوسف الذي ترك وراءه ربع قرن في فرنسا، حط  بة الرحال ثانية فى دمشق، حيث العنوان الأخير لرائحة أمه وشقيقه الفنان فوازوأبيه، وذلك في العام 2005 وسط أسئلة كثيرة ممن نحبه، حول كيفية تنفس ألوانه هواءها وهي في ذلك المناخ المكربن، حيث آلة الاستبداد تمكن قبضتها من كل شيء، في إطار الإجهاز على كل ما هو جميل، وإطفاء الملامح المضيئة، لتتوقف قطارات المكان عند مجرد "حاجز" من الرعب، وضعه دهاة المرحلة، وهم يحتالون على التاريخ، والجغرافيا، والإنسان، في إطار تزوير كل شيء ، وقلب المفاهيم، كي يقدم الفاسد أمينا، والجلاد ضحية، وبائع تراب الوطن، المساوم، المنهزم، وطنيا، يمنح   أوسمة الشجاعة المزورة. إنها ثقافة انقلاب المفاهيم التي لايرضى بها المبدع، الشريف، وإن كان مصير كل من تأخذ لاؤه الرافضة بعدها، مواجهته بشرور ثقافة المحو والإبادة، وقد شهد المكان ذاته كسر أصابع فنان مثله، يشاطره في رسم الكاريكاتير، ويجنده لثورة بلده، بيد أن ماحدث لزميله، وسواه من أصحاب الموقف الذين لم يتم التعامل معهم كأصحاب رأي، لابد من الاستماع إليهم، بل كأعداء حقيقيين، لذلك فقد كان من نصيب هؤلاء المطاردة، والسجن، والإعدام الميداني، فيما لو نجوا من رحمة الحقد المبرمل، وهو يمحو ملامح المدن، واحدة تلو أخرى ، في الوقت الذي يمضي المبدع: بريشته أو قلمه،   عكس ذلك، من خلال  تركيزه علي ضخ  الحياة بالأمل، والجمال، ورسم الأفق، نحو الناس، في الوقت الذي يريد الطغاة أن يقولوا لهم: "لاخيارعن القتل، سوى بالصمت، والرضوخ"، وهو ما يرفضه من هو من أنموذج فكر عبدلكي، مادام أنه وبعد مرور عامين ونصف تقريبا ، على ثورة بلده، يرفع صوته، مع المتنادين بإعادة الألق  إلى قاسيون، وبردى، وهما يريان كيف أن الخيارات تتقلص، لاسيما عندما يؤسس القاتل لصورة بديل آخر، مشوه، هو نفسه، في ثوب "جهلة النصرة" وهم يقطعون رأس أبي العلاء المعري، وكل ما هو جميل، في بلد جميل، يريدكلا الطرفين، أن يقوداه إلى النهاية التي لن تتحقق لهما ..!
 
إبراهيم اليوسف
 
elyousef@gmail.com
 


ارسل تعليق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.