فدوى كيلاني : مهمة الكاتب
ما أصعب المهمة الموكلة علي الكاتب الحقيقي، وهنا أقصد به الروائي والشاعر والقاص والصحفي وكل من يمتهن أسلوب الكتابة في هذه الفترة الزمنية الأكثر حرجا بالنسبة إلينا جميعا، في زحمة مأساة الربيع العربي وتداعياته على العديد من بلدان المنطقة، لأن الكاتب لم يعد لسان حال ذاته وأسرته ومجتمعه فقط في هذا الوقت، وليس لسان حال بلده ووطنه وشعبه فقط،
بل هو كما يفترض لسان حال الإنسان أينما كان، لأن حجم المسؤولية ازداد كثيرا على عاتقه، ولأن المواطن أصبح كونيا، فلم يعد مواطن منطقة محددة ، كما كان الحال من قبل، إذ إن حجم الدائرة توسع، وهو ما يرتب عليه المزيد من الأعباء. أجل، ليس في إمكان أي كاتب الآن، أن يقول: أنا أرصد ما يقع في بلدي وحده، لأن البيت الذي يسكنه توسع، والبلد الذي ينتمي إليه - بهذا المعنى - توسع، ضمن شروط المواطنة الكونية، ومايجري على سبيل المثال في سوريا من تدمير يومي شبه كامل لهذا البلد من قبل آلة النظام الدموي إنما يجعل كل مواطن عربي أو عالمي معنيا به، لأن هذا الدمار موجه للبيت الكوني كله، وإن الدماء التي تسيل من جرح امرأة أو طفل أو شيخ مسن أوشاب إنما تسيل في بيت أي فرد منا، مهما كان بعيدا عن موقع الحدث، حيث شاشة التلفزيون أو الكمبيوتر أو حتى الهاتف المتحرك تجعلنا وجها لوجه أمام كل هذا الدم الساخن الذي تفوح رائحته في كل مكان دون التوقف عند حدود بلد ما.
ولعل حدثا يتم في أي بيت أو شارع من شوارع بلد ما في العالم يسمع به من هو أبعد ضمن الخريطة العالمية عن مكان وقوعه من ابن ذلك المكان، وقد أوضحت بعض الاستبيانات التي تناولت إنجازات ثورة الاتصالات والمعلوماتية كل ذلك. ومع اتساع مهمات الكاتب فإنه يكون أمام مسؤولية أخلاقية كبيرة، فإن أي أذى يلحق بأي امرئ أو بمكانه، فإنما هو ملزم باتخاذ موقف ما، لأنه عبر الكتابة، يمكن أن نلعب دورا كبيرا ليس في فضح المجرم، بل في وضع حد لطغيان الاستبداد والإجرام، وهو ما يكون له أثره الملموس، لاسيما وأن لم شمل الكتاب حول اتخاذ موقف أخلاقي يؤثر بشكل مباشر على الرأي العام العالمي، ووقوف هذا الرأي العام إلى جانب بعضهم يتحول إلى فعل حقيقي في إنهاء المأساة التي تلحق بالشعوب والأمم، ولكم كان له وفي ظل تجارب كثيرة معروفة من دور في مساعدة الضعفاء والمظلومين، وكسر شوكة الطغاة. ولقد دأب الظالم أينما كان أن يطلع وبشكل مباشر أو غير مباشر على آراء نخبة الكتاب والمبدعين أصحاب المواقف، حيث يتهيبهم، ويسعى جاهدا من خلال آلة إعلامه، وإغراءاته الهائلة أن يوقفهم إلى جانبه، أو في أقل تقدير أن يحيدهم، ومن هنا فإن صمت الكثير من الكتاب إنما هو مطلوب من قبل آلة الاستبداد، لأن هذا الصمت أو التحييد أكثر خطورة من دورالذين يقفون مع الاستبداد مباشرة، لأنهم يكشفون أوراقهم، ويفتقدون الاحترام، وينحسر دور خطابهم، كما يرى ذلك د. عامر الأخضر في دراسة خاصة له بهذا المجال بعنوان «المثقف والسلطة:؟ وئام أم خصام» وتأسيسا على مثل هذا الكلام، فإن خطاب المثقف عليه أن يكون واضحا شفافا، وأن يكون رأيه في أي حدث حاسما، لأنه بذلك يضع حدا لجمح آلة القتل والفساد والجوع ودمار العالم. المقال نشر في جريدة الرؤية الاماراتية بتاريخ السبت تموز (يوليو) 20، 2013
ارسل تعليق