زكريا تامر : أفواهنا للتصوير فقط
ثمة بلدان تعامل مواطنيها كأنهم ولدوا بغير أفواه وبطون، ومثلما ولدوا يجب أن يموتوا، ومن يطلب أن يأكل هو الجشع المتصف بالدناءة والخسة.
وثمة بلدان تتصرف كأن الأفواه لا دور لها في الحياة سوى الصياح والهتاف، فالمواطن الصالح هو الذي يبادر إلى مسح دموعه الغزيرة كلما عبس مسؤول.
وثمة بلدان الأفواه فيها كمائن سرية لصيد الذباب وما شابه الذباب.
وثمة بلدان تهوى الأفواه المقفلة، وعدوها اللدود هو ذاك الذي يملك فماً مفتوحاً، ولا ينجو من عنايتها إلا من كان ذا فم مقفل من المهد إلى اللحد.
وثمة بلدان تعادي الأفواه المفتوحة، وتطارد أصحابها مطاردة الذئب للنعاج.
وثمة بلدان الناس فيها فئتان، فئة لا يحق لها أن تأكل، وفئة أخرى يحق لها أن تأكل ما تشاء وكيفما تشاء ولحظة تشاء، أما كبار الآكلين، فهم الخبراء في التهام حقوق البلاد والعباد.