زكريا تامر : بائع البطيخ
كان بائع بطيخ جوالاً، دكانه على ظهر حماره، وعمره لا يتجاوز الخامسة والخمسين، ولكن وجهه مملوء بالتجاعيد كأنه عاش مليون سنة من غير أن يظفر بنعمة الموت، وقد لاحظ أني أحملق بإعجاب إلى امرأة جميلة كانت تعبر الشارع، فقال لي : استمع لنصحي. ليس كل ما يلمع ذهباً.
فقلت له : كل ما يلمع هو ذهب أصيل حتى يجرب ويمتحن.
فال بائع البطيخ : سأبرهن لك على خطئك. انظر إلي .. ماذا ترى؟
فتصـنعت أني أتأمله بنظرات متفحصــــة ثم قلت له : أنا لا أرى إلا بائع بطيخ.
فقال لي فوراً وبلهجة المنتصر : ها أنت قد أخطأت عندما اعتمدت على المظهر الخارجي وحده. صحيح أني بائع بطيخ، ولكني لست بائع بطيخ.
قلت : لم أفهم شيئاً. جوابك كمن يقول نعم و لا في وقت واحد.
قال : أنا الآن بائع بطيخ، ولكني قبل سنوات لم أكن بائع بطيخ.
قلت : سبحان مغير الأحوال. وماذا كنت قبل سنوات؟ مدير بنك أم وزير خارجية أم بائع فجل؟
قال بائع البطيخ بصوت غير مازح : كنت أستاذاً جامعياً.
قلت : أنـــت تمزح بالتأكيد، فالفرق شاسع بين بائع البطيخ والأستاذ الجامعي.
فتنهد بائع البطيخ، وقال : إذا كان لديك وقت فراغ رويت لك حكايتي.
قلت : أنا عربي، وغالبية العرب لديها فراغ أكثر مما ينبغي.
فقال بائع البطيخ : اسمع إذن. قبل حوالي عشرين سنة كنت أستاذاً في الجامعة أدرّس الفلسفة وعلم الاجتماع، وكنت أحرص على حض تلامذتي على الإيمان بكل الأفكار والقيم والمبادئ التي تحترم الإنسان وحقوقه وخاصة حقه في الحرية، وكنت أحب مهنتي وأقدسها، وأحس وأنا أمارسها أني أشارك في تربية جيل جديد سيكون له في المستقبل دور أساسي في بناء وطن مختلف تسوده الحرية ويخلو من الظلم، وكنت شديد الفخر بتلميذ من تلامذتي كان شاباً ذكياً وديعاً طيباً متحمساً لكل ما على سطح الأرض من مثل عليا، ومخلصا لها إلى الاستشهاد في سبيلها، وعندما تخرج من الجامعة قلت له إن وطنه ينتظر منه الكثير.
وبعد سنوات، استولت على الحكم فئة أعلنت أنها مؤمنة بالديمقراطية والحرية والعدالة وستعمل من أجلها، وبدأت عملها باعتقال كل من كان يؤمن بالحرية، ولما كنت واحداً من المؤمنين بالحرية، فقد اعتقلت وسجنت في سجن عسكري مع مئات السجناء السياسيين، ولم أعذب كغيري من السجناء السياسيين، ولكن صراخ الذين كانوا يعانون التعذيب ليل نهار كان يحرمني النوم والراحة، ويشعرني بأني أتعذب عذابهم أجمعين.
وعلمت أن مدير السجن لم يكن يكتفي بالإشراف على رجاله وهم يحققون مع السجناء ويعذبونهم بل كان يشترك في تعذيب السجناء وبقسوة أشد، وقد بلغت به القسوة يوماً أن انقض على سجين وغرس أسنانه في عنقه ولم يفلته إلا بعد انبثاق الدم بغزارة من عنق السجين، وصعقت لما علمت اسم مدير السجن، فقد كان هو نفسه تلميذي المستعد للاستشهاد في سبيل الحرية والعدل، واستدعاني في أحد الأيام، وعاملني باحترام بوصفي أستاذه القديم مما شجعني على القول له بلوم وعتاب : ما هذا الذي أسمعه عن أفعالك مع السجناء؟ أهذا يتفق وما تعلمته في الجامعة؟
فقال لي : ما في الكتب يصلح للقراءة ولا يصلح للحياة، والحياة تطورت، ولكل زمان دولة ورجال.
فلم أفه بكلمة، ونظرت بخوف إلى أسنانه المدببة وأنا أتحسس عنقي، فابتسم ساخراً، وقال لي : ألم تقل لي يوم تخرجي من الجامعة أن الوطن ينتظر مني الكثير؟ ما أفعله في هذا السجن هو قليل من ذلك الكثير.
وعندما غادرت السجن بعد أشهر، أقسمت ألا أعود إلى مهنة التدريس، وهجرتها فعلاً، واشتغلت كما ترى بائع بطيخ.
وسكت بائع البطيخ مترقباً تعليقي، فلما وجدني أحدق إليه واجماً صامتاً، قال لي : إذا كان في كلامي ما يحتاج إلى سؤال، فاسأل، وأنا مستعد للجواب عن أي سؤال مهما كان حرجاً.
ففكرت لحظات، ثم قلت له : البطيخ كما هو معروف فاكهة الصيف، فماذا تشتغل في الربيع والشتاء؟
فقال بلا تردد : أبيع الشوندر المسلوق أو أشتغل زبالاً.
قلت : وحمارك .. ماذا تفعل به؟
قال بائع البطيخ : أتركه يستريح.
ونظرت إلى الحمار كي أحسده، ففوجئت به يحدق إلي ساخراً من كوني واحداً ممن ينتمون إلى فصيلة البشر، واقتنعت أنه كان ينصت لحديثنا، واطلع على كل ما قيل، كما اقتنعت أنه يعرف اللغة العربية، ولكنه يأبى النطق بها تعصباً لبني قومه وخوفاً من أن يحل به ما يحل بالبشر.
ووجدت نفسي أبتعد عن بائع البطيخ وحماره محاولاً الاقتناع بأن كل شيء بخير وعلى ما يرام وبأن الأطفال في أيام الخطر يحتاجون إلى قتلة محترفين يحمونهم ويدافعون عنهم، فإذا القتلة يبدأون عملهم بالقضاء على هؤلاء الأطفال باسم الاستعداد للمعارك المصيرية.