زكريا تامر : سهرة في المخفر
دعانا رئيس مخفر الشرطة إلى ســـهرة في مخفره، فلبّينا الدعوة شاكرين ممتنين، ودخلنا إلى المخفر دخول الضيوف المكرمين المرحّب بهم لا دخول المطلوبين للتحقيق، وسرنا بخطى مضطربة في ممراته ذات الأبواب الكثيرة المغلقة ، وتبارينا في مصافحة رئيس المخفر، ثم جلسنا صامتين حيارى،
فقال لنا متسائلاً بصوت ممازح مؤنّب : ما بكم ساكتون؟ أنسيتم أن لا شيء في الحياة أبغضه مثل الأفواه الساكتة؟ أنسيتم أنّ الإنسان لم يخلق إلاّ ليتكلّم، فتكلّموا.
فتكلّمنا باسهاب عن زوجاتنا المبذرات وألسنتهن الطويلة، وتكلّمنا عن أولادنا المشــاكسين المحبين للتشـــاجر، فتثاءب رئيس المخفر بادي الملل، وقال لنا : أتعرفون أننا قبضنا اليوم على لص دوّخ البلد، ولا يسرق إلاّ ماخف وزنه وغلا ثمنه؟
وقال لنا رئيس المخفر : وقبل أيام ، قبضنا على رجل اشتهر بقوته، فرجاني وهو يبكي كالنســــاء أن أسمح له بتقبيل قدمي، فأشفقت عليه، وسمحت له بتقبيل حذائي.
وقال لنا رئيس المخفر : وقبضنا على امرأة تغتصب الرجال ، واعترفت إبان التحقيق أنها اغتصبت سبعة رجال.
وقال لنا رئيس المخفر : وقبضــنا على سكران يسير في الطرقات صائحــاً أنه الله.
وقال لنا رئيس المخفر : وقبضنا على شحاذ مبتور الساقين والذراعين، ولا يزال التحقيق معه جارياً، ولم يعترف بعد باسم الدولة التي يتجسس لحسابها، ولكنه سيعترف.
وقال لنا رئيس المخفر : وقبضنا على صبيّ لايتجاوز عمره عشر سنين، ففوجئنا بأنه أخطر مهرّب للمخدرات.
وقال لنا رئيس المخفر : وقبضنا على رجل متزوج من عشر زوجات، ويعامل كل زوجة بوصفها دكّاناً مطلوباً منها كل يوم أن تربح.
وقال لنا رئيس المخفر : وقبضنا على ثلاثة رجال كانوا يحاولون هــــدم مسـجد.
وقال لنا رئيس المخفر : وقبضنا على فتاة صغيرة جميلة مختصة بإغراء الأتقياء من الشيوخ.
وقال لنا رئيس المخفر : وقبضنا على شاب يصنع القنابل، ويوّزعها مجّاناً على الراغبين فيها.
وقال لنا رئيس المخفر : وقبضنا على امرأة عجوز هوايتها ضرب جيرانها.
وقال لنا رئيس المخفر : وقبضنا على كلب يتعمد النباح في آخر الليل كي يجعل نوم الناس قصيراً.
فأصغينا بخشوع إلى أقوال رئيس المخفر، وتوسلت دماؤنا المرتجفة إلى الليل أن يسارع إلى الرحيل، ولكنّه لم يأبه لها، فبقينا في مخفر الشرطة، ولم تنته السهرة