إبراهيم اليوسف : الوجه الآخرللكلمة

2012-05-16

لايمكن إحصاء، ماقيل ولايزال يقال، في وصف الكلمة، وكيف أنها الأداة الأولى في التواصل بين الإنسان وأخيه الإنسان، منذ بداية الخليقة، ناهيك عن دورها في حمل رسالة المعرفة، وتحوّلها إلى خزان للثقافة، والتراث، والأدب

وهي تظلّ في جوهرها صورة عن وعي الناطق بها، و روحه، ووعيه، كما أنها بحسب علماء اللغة، وعلى ضوء التجربة الحياتية، مادامت أسَّ اللغة الأول- تتطور، وتولد، وتحيا، وتندرس، إلى الدرجة التي شبهها بعضهم ب" أوراق الشجرة".

والكلمة، في أول أوصافها، صورة الواقع، عينه، وإليها يعود الفضل في قول ما هوفصل، أنى التبس الأمر، وكأنّها وفق هذا التصورالحقيقة كاملة، ولقد تمَّ الاعتماد عليها، ولايزال، وسيظل الأمركذلك، مدى استمرارالحياة والخليقة، على أنها الترجمة الصوتية، لكل ماهوفي العالم، سواء أكان مرئياً، أو متخيَّلاً، دونما أي زيغ، ما يجعلها توأم الصدق، مادامت أمينة في التعبيرعن الأشياء، مرئياتٍ، وأفكاراً، كما هي.
 
 والكلمة،في ضوء مثل هذا الفهم، ابنة صورتها المطلوبة، والافتراضية، إذا تم استخدامها، من قبل المتكلم بها، في شكلها الصحيح، دون أي انتهاك طهرانيتها، وبراءتها، حيث أن تناولها ينبغي أن يكون –في الحالات العادية-ضمن شرط وجودها، لتكون، الصورة عن الشيء، أو الشيء نفسه حقاً،، كما يتطابق الاسم مع المسمى، بلا أي تحريف، لأن الكلمة ناهيك عن أنها قد تكون حمَّالة أوجه، مفتوحة على التأويل من قبل صاحبها، لاسيما في وجهها البلاغي، وكأنها تؤول إلى المبالغة، وهوما سوِّغ له في الشعر، مادام أن" أعذبه أكذبه، كما قالت العرب من قبل، بل تسللت العذوبة، ضمن هذا التصور، إلى بعض ضروب الأدب،  إلى درجة أن بعض نقدة الأدب، صاروا يتحدثون، عن كتابة للواقع"بلغة لاواقعية"..!.
 
وإذا كان مباحا ًللأديب المبدع اللجوء إلى الوجه الآخرللكلمة، تأويلاً، أو تخيلاً، أو مراوغة، وهو السلوك المتأخر، عن بدء التفاعل مع الكلمة، فإن الكلمة قد تحرَّف، من قبل صاحبها، في ماهو حياتي، وخارج إطارالإبداع، كما قد يتم في المقال مثلاً-وهو النص الذي لا يتحمل استخدامها المراوغ أو المزور-  وما أكثر ما نقرؤه يومياً، من كتابات، عمادها الكلمة التي لا تشبه وقائع مجريات اللحظة، وقد يكون الأمرفي حدود المقبول، إن كان هذا التحويرنتاج سوء فهم للحقيقة، إلا أننا نكون أمام قضية كبرى، عندما يأتي هذا السلوك بموجب تصوِّرمسبَّق، بغية التضليل،وهوأخطرما يمكن التعامل معه، ولعل الأدهى من كل ذلك، حين يشرِّع هذا التضليل ما يسوِّغ قتل الإنسان، واقعياً، أومعنوياً، مادام أن مزوري الكلمة باتوا طوابير موجودة، في الحياة، بدءاً بالشارع، أو الحي، أو مكان العمل، وانتهاء بأخطرمؤسسات الإعلام في العالم، ومراكز القرار، كي يكون هناك كاتب،أو إعلامي، أومثقف، يقبلون بالأدوارالتي يؤدونها، لأغراض تخدم مصالحهم الدنيوية، ما يجعل الكلمة-وهي الطيبة جذراً-تباع، وتشترى، في مزادات الواقع، بثمن بخس، وإن كان مزوِّرالكلمة هو أول من  سيسقط في فخِّ ينصبه لاصطياد المضلَّلين-بصيغة اسم المفعول مفتوحة العين-ليغدو متقوِّلاً رخيصاً، شريكاً في أية جريمة يحوَّل فيها المجرم إلى ضحية!؟.
 
 
 
إبراهيم اليوسف
 
elyousef@gmail.com