"بكره انت وجاي"

2009-11-24

سدّدتُ عينيّ عليكَ.. وأطلقتُ صوتي كما لم أفعلْ من قبل، فيما كانت دفقات من دم حار حيناً.. وثلجي حيناً آخر تنسلّ إلى شراييني، ورحتُ أغني تلك الأغنية التي تُحب: بكره انت وجايرح زَيّن الريح.. خللي الشمس مرايةوالكنار يصيح..سدّدتُ عينيّ عليكَ.. وأطلقتُ صوتي كما لم أفعلْ من قبل، فيما كانت دفقات من دم حار حيناً.. وثلجي حيناً آخر تنسلّ إلى شراييني، ورحتُ أغني تلك الأغنية التي تُحب: بكره انت وجايرح زَيّن الريح.. خللي الشمس مرايةوالكنار يصيح..وجمّع ناس وعللي قواس وبكل شارع ضوي حكايةبكره انت وجاي.. يا حبيبي.. كان أفراد "شلتك" كما تسميهم مبهورين بأدائي، والكل يعلم أنها أغنيتك المفضلة، لكنني الوحيدة التي أدركت وأنا أرصد تعابير وجهك، أن هذه الأغنية الفيروزية هي فرحك اللامتناهي.. وفضاءك الفسيح الذي يأخذك من عالم الحركة والإدراك إلى نشوة التوحد مع السكون والخيال، وعندما وصلتُ إلى المقطع الأثير لديك: رايتك منصوبة..والدهب ميزانك عملني لعّوبة.. وحملني عَ حصانك وبالساحة الكبيرة تمختر فيّ.. أحسستُ أن دمعة ستغافل الهدب.. فسارعتُ إلى كبحها قبل أن تعلن للجميع مكنونات الصدر والخافق. هل تذكرْ..؟ حينها اقتربتَ مني.. وهمستَ في أذني: "أيُ سحرٍ تنشره عيناك"، وفهمتُ عندها أنك قرأتَ ما خطّته عينيّ، وسمعتَ ما لم ينطق به لساني.. ثلاث سنوات يا حبيبي الأبدي، تسكعنا خلالها في زواريب ضيقة.. وساحات فسيحة، شريكين في كل شيء، أدخلتني إلى تجاويف حياتك اليومية.. وتقاسمناً همومنا الصغيرة..وآمالنا الكبيرة.لم تذكر لي شيئاً عن ماضيك، ولم أشأ التطفل على سنينك..وهذا ما ترك لدي شكوكاً تحمّلتها بداية، لكنها حفرتْ في داخلي نفقاً دفنتُ فيه روحي كل ما استيقظتْ هواجس الأنثى لديّ، أما تلك اللحظات التي كانت تأخذك مني أحياناً وأنت غارق في نوبة تأمل وشرود، فكانت تعزز شكوكي بأنك هارب من ألم مدمر، فقررتُ أن أحبكَ أكثر كي أحاصر ماضيك.. وأداوي شرودك.أذكر جيداً فرحكَ الطفولي حين أخبرتكَ أني نجحتُ في مادتي الأخيرة وأصبحت مهندسة، نسيتَ أننا نجلس في مكان عام، فحملتَني وبدأت تلف بي، وكأننا فارسين في رقصة فالس، قلتَ لي يومها: لقد انضممتِ الآن إلى بناة سورية الجميلة.. هيا اخترقي هذا المجتمع الذكوري، فكل فتاة تتخرج من الجامعة تقرب المساواة بين الجنسين خطوة، وعشنا ليلة من الليالي التي لا تمر إلاّ على من كانا مثلنا.. توأمين في الروح والجسد..وكان ذلك المساء المشؤوم، حين أحسستُ بدوار شديد، وألم فظيع في رأسي، وبعد أيام من مراجعة الأطباء علمتُ أني قد لا أرافقكَ في رحلة العمر كما كنتَ تُسميها.. لقد سرقني القدر من بين ذراعيك.. وها أنا بعيدة عنك.. مقيدة إلى مقعد في طائرة تتجه بي إلى المجهول، لكنني يا حبيبي سأقاوم حتى النهاية.. فالحياة معك جديرة بأن أعيشها.سأرسل كلماتي هذه إليك قبل دخولي إلى غرفة العمليات..أُحبكْ.قرأَ رسالتها للمرة الألف وهو يتمتم.. لن تموتي.. لن تموتيمن يوم ليوم بتفتح سوسنةمن يوم ليوم وتلوّن هالدنيويرجع الهوى يجمّعهم سواوبيلتقوا بيوممن يوم ليومستأتي في ليلة خريفية.. سأشحدُ رجوعكِ من جميع هياكل الحب المقدسة.. سأنتظركِ لنمضي في رحلة العمر.. الانتظار أحلى من الموت.. إنه يتغير، أما الموت فلا يتغير.وظل يتردد إلى بيتها..وركنهما في تلك القهوة الدمشقية العتيقة، وتمضي الأيام، يوم يأخذ برقاب آخر.. لكن اليأس لم يجد طريقاً إليه، فهي آتية لا محالة.لَملمَ الصيف لياليه القمرية ورحل إلى عالم آخر، وبينما كان عائداً في تلك الليلة الخريفية بعد يوم عمل شاق مجتازاً مدخل البناء الطويل، سمع صوتاً آتياً من الحديقة الجانبية:رايتك منصوبة..والدهب ميزانك..عملني لعّوبة.. وحملني عَ حصانك..بكره انت وجاي...ثرثار، زاوية "كلمتين.. وبس"، ("بكره انت وجاي") - نساء سورية



ارسل تعليق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.