من ينابيع التراث اليَزْداني 11 تجلّيات الميثرائية: من الميديين إلى الرومان Sozdar Mîdî (Ehmed. Xelîl) Bi navê Xweda yê Gewre û Mihirvan

2016-01-03

ميثرا عند الميد والأخمين:
بشكل عام يركّز الداعي إلى دين جديد على أمرين:
1 – تصوير دينه على أنه كلَّه إيجابيات، وأنه الطريق الوحيد إلى الله، وإلى السعادة في الدنيا والآخرة.
2 – تصوير الأديان السابقة على أنها زاخرة بالسلبيات، وأنها خُرافات وشَعْوَذة، وضلال وزَندقة وكُفر.  
ويبدو أن النبيُّ الميديّ زَردشت سار على هذا النهج أيضاً، إنه وصف دينه الجديد (مَزْديَسْنا) بأنه دين إله النور الأوحد (أَهُورامَزْدا)، وحارب الأديانَ الآريانية السابقة، فألغى بعضَها، وعدّل بعضها الآخر ودمجها في الزَّردشتية، وجعل الإلهَ ميثرا (مِهر/إله الشمس) أحدَ كبار الملائكة الذين يساعدون الإله أهورامَزدا في الحرب ضدّ أهريمان (إله الظّلام)، وفي إطار هجومه على الأديان الآريانية السابقة صنّف عبادةَ الإله المحارب ڤارونا varon (عند الآريين في الهند)، وعبادةَ الإله ميثرا والإلهَ (أَهُورا) على أنها عبادة للجِنّ والشيطان. 
والمثير للانتباه؛ نُدْرةُ المعلومات عن الوضع الديني في المجتمع الميدي، سواء قبل قيام مملكة ميديا أم خلال عهدها، مع أن اسم الميديين ظهر في الحَوليّات الآشورية منذ سنة (844 ق.م)، وأن مملكة ميديا سقطت في قبضة الفُرس سنة (550 ق.م)، ولا شك في أنهم كانوا يقيمون في ميديا قبل أن يذكرهم الآشوريون، وهذا يعني أن ثمّة غموضاً في مجال الدِّين يشمل لا أقلّ من أربعة قرون، ولعلّ مؤسّسات البحث العلمي الكُردية تملأ هذا الفراغ مستقبلاً.
والأرجح أن ميثرا كان محتفظاً بمكانته كإله للشمس في المجتمع الميدي كباقي الشعوب الآرية الشرقية، وكان بعض الميديين يحملون اسم (ميثرادات/ميثريدات) أي (هِبة الإله ميثر)، ولعلّ قيام زَردشت بتخفيض مرتبة ميثرا من إله للشمس إلى مَلاك للشمس كان أحدَ أسباب وقوف الميديين ضدّ ديانة (مَزْد يَسْنا) التي دعا إليها زَردشت.  
ويبدو أن عقيدة الملوك الأخمين الفُرس قبل دارا الأول (داريوش) كانت شبيهة بعقيدة ملوك ميديا، وكان لميثرا (مِهر) مكانةٌ مرموقة عندهم، وكان دارا الأوّل هو أوّلَ مَن فرض الزَّردشتية بنسختها الفارسية على الآريانيين بمن فيهم الميديون، ومرّ أن المَلاك ميثرا خسر مرتبته كإله، وصار في الزَّردشتية أحدَ كبار الملائكة المساعدين للإله الأوحد آهورامَزدا ضدّ أهريمان إله الظلام، مع الأخذ بالحسبان أن كلمة (إله) في كثير من الأديان القديمة كانت تعني (مَلاك، كائن فوق طبيعي). 
وصحيح أن الزَّردشتية أصبحت الديانةَ الرسمية للأخمين، لكن بقايا الديانات القديمة ظلّت سائداً بين الشعب، ومنذ عهد أَرْتَخْشَشْتا (أَرْدَشَير) الثاني ابن دارا الثاني (404 – 359 ق.م) ظهر مِيثرا Mithra كإله للعدل والإخلاص إلى جانب أهورامَزدا، يقول أَرْتَخْشَشْتا الثاني: " أنا أصنع صورَ مِهِر وناهيد، وأضعها في هذا القصر". و(ناهيد) هي الإلهة (آناهيد) Anahide ومعنى اسمها (الطاهرة/العذراء)، وهي التي تَمنح الخصب والنجاح. ويقول جُفّري بارِّندرGeoffrey Parrinder: "كان مِيثرا إلهاً شعبياً في إيران، تَضرّع إليه الملوك الأخمين في النقوش، وكان الملوك والعامّة يُركّبون أسماءَهم منه، مثل (مِيثرادتيس)".  
تحوّل ميثرا إلى نبيّ:
انتصر الإسكندر المكدوني على الملك الأخميني الأخير دارا الثالث سنة 331 ق.م، في معركة گُوگاميلا Jaujamala في سهل هَوْلَير (أربيل)، وأسقط إمبراطوريةَ الُفرس، وحاول التقريب بين الشرق والغرب، ودمج الثقافتين الشرقية والغربية، وبما أن الزَّردشتية كانت قد أصبحت أيديولوجيا الإمبراطورية الفارسية، وتُعرقل تنفيذ مشروع التقريب والدمج، أمر الإسكندر بحرق الكتاب المقدّس (أَڤِستا).
وبعد سقوط مملكة الأخمين، ومعها الزَّردشيتة الرسمية، استعادت العقائد الدينية القديمة نشاطها بشكل أقوى، واستعاد ميثرا مكانته كإله للشمس (مِهِر)، وشاعت طقوسه، واستمرّت الحال كذلك في عهود ملوك السُّلوقيينThe Seleucids  الإغريق الذين حكموا بدءاً من سنة 312 ق.م، وكذلك في عهد ملوك الپارث (آشْگان) الآريانيين الذين حكموا بدءاً من سنة  250 ق.م، والدليل أن بعض ملوك الپارث حملوا اسم (ميثرادات) وبالصيغة اليونانية (ميثراداتيس) أيْ (هِبة الإله ميثرا)، وهذا يعني أنه كان اسماً شائعاً عن الشعوب الآريانية عموماً.
وفي القرن الأوّل قبل الميلاد، وفي ظلّ الإمبراطورية الرومانية التي كانت تهيمن على مناطق كثيرة من غربي آسيا، ظهر ميثرا كنبيّ ومُجسِّد للإله ومخلِّص (مَسيح)، تماماً كما سيكون عليه النبيّ عيسى بعد ذلك، وحصل هذا التطوّر في آسيا الصغرى (النصف الغربي من تركيا حالياً)، وأصبحت الميثرائية ديانة لها خصوصيّتُها وهويّتُها، وكانت لها شعبية كبيرة بين صفوف الجيش الروماني، يقول أرنولد تُوينْبي: " لقد حمل الجنود الرومان ميثرا من الفرات إلى بريطانيا".
وجدير بالذكر أن آسيا الصغرى كانت منذ أوائل الألف الثاني قبل الميلاد، منطقة صدامات عسكرية وسياسية وتمازجٍ حضاري بين الآريين الشرقيين والغربيين، وأبرزُهم (الحوريون والحِثّيون)، ثمّ (الميديون واللِّيديون)، ثمّ (الفُرس واللِّيديون)، ثم (الپارث والرومان). وذكر مِهْرداد إيزادي أن ثلاث ممالك كُردية كانت توجد حينذاك في آسيا الصغرى؛ هي مملكة كاپادوكياCappadocia ، ومملكة كُومّاجينCommagene ، ومملكة پُونْتPontus ، وفي عهد الملك ميثريدات Mithridates العظيم (حكم بين 120 – 63 ق.م) ، امتدّ نفوذ مملكة پونت من اليونان إلى جنوبي أُوكرانيا، وقضى الرومان بعدئذ على تلك الممالك، وكان جميع ملوك پُونْت يحملون لقب ميثريدات.
 
(المناطق البنّية هي إمبراطورية ميثريدات العظيم سنة 86 ق.م- 
والمناطق الصفراء داخلة ضمن نفوذها بصيغة التحالف) 
وليس الآن مجال التوسّع في تواريخ هذه الممالك الكُردية الثلاث، لكن المهمّ أن آسيا الصغرى التي ظهرت فيها الصيغة الجديدة لمثيرا (نبيّ، مُجسِّد للرب، مُخلِّص/مسيح)، كانت جغرافيا تلتقي فيها ثقافة الآريين الشرقيين (أسلاف الكُرد) مع ثقافة الآريين الغربيين (الإغريق والرومان)، وكان تَحَوّلُ ميثرا من مَلاك مساعد للإله أهورامزدا إلى نبيّ مُجسِّد للإله ومُخلِّص (مسيح) للبشر من نتائج ذلك التمازج الثقافي. 
وبعبارة أخرى: إن جذور فكرة (المسيح/المُخلِّص) كانت عميقة في الفلسفة الدينية اليَزدانية، وتجلّت بقوة في الدين الميثرائي خلال القرن الأول قبل الميلاد، فهل فكرة (المسيح/المخلِّص) في الديانة المسيحية مقتبَسة من الميثرائية؟
الإجابة عن هذا التساؤل هي موضوعنا التالي.
3 – 1 - 2016
توضيح: 
يترجم الصديق الأستاذ مصطفى رشيد حلقات هذه السلسلة إلى الكُردية بالحرف اللاتيني، وينشرها، فله الشكر الجزيل.