Dr. Sozdar Mîdî (E. Xelîl) المسألة الكُردية بين المشاريع الإقليميةوالأزمة السورية (رؤية استراتيجية)

2015-12-23

د. أحمد الخليل
[ تلقّيت من الأخ الدكتور رضوان باديني، ومن الأخ الأستاذ حسن مجيد دعوة للمشاركة فيسيمينار حول (تداعيات الأزمة السياسية في الحركة الكوردية في سوريا)يوم 20 – 12- 2015، في مدينة آيسن الألمانية، بالتعاون مع مركز الإعلام والدراسات السياسية. وفيما يلي نصّ مشاركتي]./أضفت العنوان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحضور المحترم.
أحيّيكم، وأشكر الإخوة الأعزّاء على دعوتي للمشاركة في هذه الندوة، واسمحوا لي بالدخول في الموضوع مباشرة، فمنذ بدء الأزمة العراقية، أدركت أهمّيةَ تأصيل وتطوير فكرنا الكُردستاني من المنظور القومي/الوطني، ليكون في مستوى الأوضاع التي يمرّ بها شعبنا، وتزايد اهتمامي بالموضوع أكثر خلال الأزمة السورية المستمرة الآن، وأودعتُ رؤيتي في كتابين: 
الأول بعنوان ( وللكُرد مكان تحت شمس التاريخ )، لمّا يُطبع بعد.
والثاني بعنوان ( كُردستان أولاً- استراتيجيات التحرير)، طُبع بالعربية والكُردية.
وأعرض رؤيتي بإيجاز في النقاط التالية:
1. نحن شعب لنا هويتنا القومية والوطنية الخاصة، لسنا عرباً ولا مُستعرِبين ولا فرساً ولا تركاً، وجذورنا في وطننا كُردستان عميقة، وقضيتناهي: "وطنٌ محتلّ، وشعبٌ مُستعمَر".
2. قادة الفرس والترك والمُستعرِبين الذين يحتلون وطننا،تربّوا على ثقافات متخلّفة وفاشية، ولا يمتلكون القدرة على قبول حقّنا في الوجود، إلا في حالة واحدة، هي أن نكون أتباعاً لهم.
3. من واجبنا تحرير وطننا مهما كلّف الأمر، وإن أيّ تنازل أو تقاعس أو تهرّب عن هذا الواجب يعني أننا نهدر جهود شهدائنا وهم بمئات الألوف، ونتنازل عن إنسانيتنا.
4. لا طائل في إنفاق جهودنا ووقتنا ضمن إطار مشروع (المواطنة في دول الاحتلال)، وإن الانشغال بهكذا مشروع يعني أننا تنازلنا ضمناً عن حقنا في تحرير كُردستان.
5. من الأهمية بمكان ألّا نكون مناضلين رومانسيين، ولا ثوريين فوضويين، علينا أن نكون واقعيين، نحلّل الواقع الكُردستاني، والواقع الإقليمي، والواقع الدولي، ونضع الخطوط الرئيسية لمشروع كُردستاني استراتيجي، يوصلنا في النهاية إلى تحرير كُردستان.
6. الواقع الكُردستاني فيه خلل كبير، ثقافياً، وسياسياً، واجتماعياً، ولعلّ كلمة (خلل) غير كافية، فثمّة انشطارات خطيرة وخاصة على الصعيد الثقافي والسياسي، وإن الأجندات الدينية والمذهبية والحزبية والسروكاتية تتفاقم، أقول هذا بكل ألم، وهي تدمّر كل أمل لتوحيد الكُرد. وهذه الانشطارات هي في العمق انشطارات في الوعي والرؤية، أجل، ثمّة قصور شديد في الوعي الكُردستاني، وإن أحزابنا السياسية ركّزت على البندقة أكثر من تركيزها على تعميم الوعي الكُردستاني الأصيل، وإلى الآن لا يوجد تطوّر جادّ في هذا المجال، مع أن وسائل إعلامنا صارت كثيرة.
7. الواقع الإقليمي: إن الشرق الأوسط الآن ساحة للصراع الشرس بين أربعة مشاريع سياسية: 
أ - المشروع العربي (الخليجي).
ب - المشروع الفارسي (الإيراني).
ج - المشروع الطوراني (التركي).
د – المشروع الإسلامي (الجهادي).
وهذه المشاريع هي في العمق معادية لتحرير كُردستان وتأسيس الدولة الكُردية، وخاصة المشروع الفارسي والمشروع التركي، والمشروع الإسلامي الجهادي، لأن قيام دولة كُردستان يعني تقزيم دولة إيران ودولة تركيا، وقادة إيران وتركيا يعرفون هذه الحقيقة جيداً، لذلك يحاولون بوسائلهم الماكرة المتوحشة ضربَحركة التحرر الكُردستانية، وإحداثَ المزيد من التمزيق في المجتمع الكُردي، وإعادةَ تجربة الدولة الصَفوية والعثمانية في تقاسم كُردستان.
وإن قيام دولة كُردستان يعني ضمناً قطع الطريق على قيام دولة الخلافة الإسلامية، لأن قادة المشروع الجهادي يتطلّعون إلى إعادة تأسيس إمبراطورية إسلامية تمتد من حدود الصين إلى إسبانيا (الأندلس)، ويعتقدون أن كل مشروع قومي هو معادٍ لمشروعهم الأممي الإسلامي، مع الأخذ بالحسبان أن المشروع الإسلامي الجهادي هو في العمق مشروع عربي/مستعرب/طوراني مركَّب. 
ويبدو لي أن أقلّ هذه المشاريع عداوة للكُرد هو المشروع العربي الخليجي، وأنا أميّز بين العرب (سكّان شبه الجزيرة العربية) والمُستعرِبين في العراق وسوريا. إن قادة المشروع العربي لن يخسروا الكثير بقيام دولة كُردستان، فهم لا يحتلّون أيّ جزء من وطننا،ويعرفون جيداً أن العراق صار في قبضة الشيعة (الأنصار الايديولوجيون لمَلالي الفرس)، وليس هذا فحسب، بل صار العراق الآن خطراً على أمن الخليج أكثر مما كان في عهد صدّام حسين.
ويعرف قادة المشروع الخليجي أيضاً أن سوريا لن تعود كما كانت في قبضة المُستعرِبين السنّة، وأن العلويين (وقد صاروا موالين لإيران سياسياً، وإلى حدّ ما ايديولوجياً) لن يقبلوا بأن يعيشوا تحت حكم أغلبية سنّية، وكذلك الكُردوالدُّروز والطوائف المسيحية.
لذا فإن قيام حكم فيدرالي كُردي في العراق أو في سوريا، أو حتّىقيام دولة كُردستان الكبرى، لن يكون مُضرّاً بالمشروع الخليجي، ومن هذا المنظور أرجّح أن يكون قادة المشروع الخليجي أقلَّ معاداة لتأسيس دولة كُردستان، وثمّة بعض المؤشّرات على ذلك.
8. الواقع الدولي:إن الشرق الأوسط بدأ يتحوّل إلى ساحة للصراع بين روسيا وحلفائها من جانب، وأمريكا وحلفائها من جانب آخر. إن روسيا لن تقبل بأن يقضي الغرب على مرتكزات وجودها الجيوستراتيجي في شرقي البحر المتوسط، إنها قوة عظمى، وللعظمة على الصعيد السياسي ضروراتها، وعلى ضوء هذه الحقيقة ينبغي تفسير دخول روسيا السياسي العسكري في الأزمة السورية، والمسألةليست مسألة الحفاظ على كرسي بشار، وإنما هي مسألة الحفاظ على مصالح روسيا الاستراتيجية في شرق المتوسط، وبشّار ومستشاروه يعرفون ذلك، ويستغلّونه لصالحهم.
وعموماً إن القوى الكبرى في الغرب والشرق بدأت تتفهّم أن الكُرد أصحاب قضية تحرير وطن، وأنهم شعب غير ملوّث بثقافة الإرهاب، واكتشفوا أيضاً أن الكُرد حلفاء مفيدون لهم في مواجهة الإرهاب، لذا بدأوا يتحالفون مع الكُرد في الجنوب والغرب ضد الجماعات الإرهابية، وهذا تطوّر مهمّ جداً، يُثير غضب الفرس والطورانيين والمُستعرِبين في العراق وسوريا. ويبقى أن نعرف كيف نطوّر ونعمّق تحالفنا مع الغرب (أمريكا وأوربا) ومع روسيا، من غير أن نكون مجرد أدوات في أيديهم، يستعملوننا عند الحاجة، ثم يتخلّون عنا.
9. أعرف أنني ذهبت بعيداً عن مسار الندوة (تداعيات أزمة الحركة السياسية الكُردية في غرب كُردستان)، لكن من الضروري أن ننظر إلى المشهد السياسي في غرب كُردستانضمن  المشهد العام (الكُردستاني- الإقليمي- الدولي). والمؤسف أن قادة الحركة السياسية الكُردية في غرب كُردستان لم يبرهنوا إلى الآن على أنهم يفكرون ويعملون كُردستانياً بالكيفية المطلوبة قومياً ووطنياً، إن انشطاراتهم المتزايدة، وصراعاتهم التي باتت مُخجلة حقاً، أصبحت تُثقل كاهل شعبنا في غرب كُردستان، وتساهم في إعاقة وتيرة النضال لتحرير كُردستان. 
وعلى أيّة حال يقع اللوم الأقلّ على قادة أحزابنا في غرب كُردستان، ويقع اللوم الأكبر على قادة الأحزاب الكُردية الكبرى (PDK، YNK، PKK)، لأن أحزابنا الكُردية في غرب كُردستان هي فصائل تابعة لهذه الأحزاب الكُردية الكبرى، وهذه حقيقة لا فائدة من إخفائها، وفي اليوم الذي تتوافق فيه الأحزاب الكبرى على مشروع كُردستاني واحد، ستختفي على الأقل ثلاثة أرباع انشطارات الحركة السياسية في غرب كُردستان.
وبعبارة أخرى: إن قادة الأحزاب الكبرى هم المسؤولون بالدرجة الأكثر عن تشتّت القوى السياسية الكُردية في غرب كُردستان، وإذا استمرّ الوضع هكذا فمن المحتمل أن نخرج من الصراع الدائر الآن في سوريا بأقل المكاسب.
10. بالنسبة إلى الصراع في سوريا أعتقد ما يلي: هذه الدولة كان اسمها (الجمهورية السورية)، ثم اختطفها المُستعرِبون الشوفينيون، وجعلوها (الجمهورية العربية السورية)،وهي في الأصل من إنتاج سياسات سايكس- بيكو، وتأسّست نتيجةً لتوافقات بين البرجوازيات المُستعرِبة والعربية (البدوية)، والكُردية، والعلوية، والدُّرزية، والمسيحية، وحينما سيطر العروبيون الناصريون ثم البعثيون على السلطة اختلّت تلك التوافقات بشكل حادّ، وخاصة بعد سيطرة الفريق العلوي على السلطة.
وإذا كانت حركة التعريب قد دفعت الكُردي إبراهيم هنانو، والكُردي يوسف العَظمة، والكُرد في عفرين والجزيرة إلى الثورة ضد فرنسا من أجل وطن اسمه (سوريا)، فإن أحفاد أولئك الكُرد الثائرين اكتشفوا الحقيقة، وعرفوا أن سوريا أصبحت ملكاً للمُستعرِبين العنصريين، وكان نصيب الكُرد هو الفقر والقهر والصهر والتجريد من الجنسية.
وليس من الحكمة أن يكرر الكُرد الآن الخطأ ذاته، ويقاتلوا لتحرير سوريا من النظام البعثي الحاكم، ويقدّموه هدية للمُستعرِبين العنصريين الذي لبسوا عباءة المعارضة، وفي الحقيقة لا يختلف معظمهم عن البعثيين في نظرتهم إلى حقوق الكُرد القومية، ولا ننس أن مشكلتنا الأساسية ليست مع أنظمة تقمعنا، وإنما مع دول تحتل وطننا وتستعمرنا، وعلى ضوء هذه الحقيقة ينبغي أن نتحرك سياسياً وعسكرياً.
11. إن الحركة السياسية الكُردية في غرب كُردستان مطالبة بأن تتجاوز أجنداتها الحزبية، وتفكر وتنشط كُردستانياً، وتتوافق وتتشارك، لتفرض وجودها العسكري والسياسي في غرب كُردستان (مرة أخرى أذكّر بدور الأحزاب الكُردية الكبرى الثلاثة في هذا المجال). إن الدوران في فلك أيّة جهة سورية مُستعرِبة، أو في فلك أية جهة إقليمية (تركيا، إيران، السعودية) لن يجرّ على شعبنا سوى المزيد من الضرر. 
12. إن الواقعية السياسية تفرض على قادة الحركة السياسية أن يتعاملوا مع الأحداث والأطراف الأخرى المتصارعة في سوريا، أتفهّم ذلك جيداً، وأعتقد أن كل طرف سوري متحالف مع المشروع الإيراني أو مع المشروع التركي، أو مع المشروع السعودي (المتناغم إلى حدّ ما مع المشروع التركي)، لن يكون صديقاً للكُرد ولا للقضية الكُردية في سوريا، وأرى من الضروري أن يقيم الكُرد في سوريا تحالفاتهم- في هذه المرحلة - بناء على المطالبة بالفيديرالية للمناطق الكُردية، ولا يقبلوا أي تنازل عن هذا الحق.
وأعتقد أيضاً أن توحيد صفوف الحركات الكُردية السياسية في غرب كُردستان شرط أساسي ومهمّ للحصول على الفديرالية، ومن الضروري بناء علاقات تحالف مع شعوب سوريا التي تسمّى (أقلّيات)، أقصد المسيحيين، والعلويين (أقصد الشعب العلوي)، والدروز، والإسماعيليين، ومع المستعرِبين المتنوّرين غير العنصريين. أقول هذا لأن التيار المُستعرِب السنّي المشارك بقوة في الصراع أصبح في غالبيته إسلامياً ومعادياً من حيث المبدأ لحقوق الكُرد القومية.
وأخيراً، أتمنّى لكم التوفيق في حواراتكم، فالتحاور في حدّ ذاته مدخل مهمّ جداً للتفكير، وتبادل الآراء، وتعديل الرؤية وتطويرها، وما أحوج شعبناإلى ممارسة التفكير المُعمَّق!وآمل أن يوجد في هذه الكومة من القَش قليلٌ من الذهب كما قال شيكسبير عن مسرحياته.
وتحياتي لكم جميعاً.
ومهما يكن فلا بد من تحرير كُردستان!
20 – 12- 2015