أحمد خاني المفكر الكردي الذي سبق عصره

رد واحد [اخر رد]
User offline. Last seen 10 سنة 42 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 14/03/2008

استوعب الشاعر أحمد خاني الثقافة التي سبقته واطلع عن كثب على الآداب الفارسية والعثمانية والعربية والكردية بلغاتها الأصلية. وظهرت ثقافته الموسوعية مبثوثة في ثنايا هذه القصة الرائعة، فالتصوف الإسلامي يشغل حيزاً كبيراً من فكره ، و ثمة إشارات عديدة إلى شعراء فرس كبار و موضوعات تطرق إليها أولئك الشعراء. كما نجد في المقدمة آثاراً واضحة لتأثره بالتيارات الفكرية الإسلامية واطلاعه على الجدل الذي كان قائماً بين تلك التيارات. لقد استطاع الشاعر الكبير أن يصهر كل ذلك في بوتقة قصته و ينفخ فيها من روحه المبدعة ليعطي بذلك الأدب الكردي دفعاً قوياً إلى الأمام. و بتعبير المثقف الكردي حمزة مكسي: إذا كان الفردوسي قد أحيا الأمة الفارسية فإن خاني أنقذ الأمة الكردية من الموت المحتم.(1)

و شاعر بهذا الحجم لا بد أن يكون له تأثير كبير في الأجيال اللاحقة ، و بالفعل فقد قلده كثيرون من الشعراء في أساليبه و مضامينه الشعرية أيضاً. و قد أصبحت مقدمته القومية و شكواه من جور الزمان و إهمال اللغة الكردية و الافتقار إلى قائد كردي حكيم ، مثل البكاء على الأطلال عند الشعراء العرب. فقد جاء بعده كثيرون كرروا كلامه بما يشبه التكرار الحرفي و نهجوا منهجه في الدعوة إلى اليقظة القومية و لكن أحداً منهم لم يبلغ شأوه. و من الذين تأثروا به تأثراً واضحاً:

1- عبد الرحمن آق تپي (روحي):

هو الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ حسن النوراني الذي كان من علماء الدين الأفاضل و من أعيان الطريقة الخالدية النقشبندية ، و كانت له مدرسة دينية.

و لد في بلدة آق تپه من قضاء چنار التابع لديار بكر في كردستان الشمالية عام 1270 ﻫ = 1850 م ، و كان والده من أعيان الطريقة النقشبندية ، اشتهر بمنظومته الشعرية(روض النعيم) التي نظمها على بحر المتقارب في مئات من الأبيات ، و تحكي هذه المنظومة عن فضائل النبي و معجزاته. و له إلى جانب ذلك ديوان شعر جميل في الغزل و مواضيع أخرى كما أن له كتاب (الإبريز في إثبات القِدَم للكتاب العزيز) و كتاب( كشف الظلام في عقائد فرق الإسلام). توفي عام 1326ﻫ = 1910 م في مسقط رأسه و دفن هناك و قبره يزار.(2)

إن من يقارن مقدمة خاني و ما جاء في منظومة روض النعيم لن يحتاج إلى كثير من الذكاء ليكتشف أن آق تپي من الذين تأثروا بأفكار خاني القومية. لقد عاش آق تپي حياته بعد انهيار آخر إمارة كردية مستقل عام 1847 م أعني إمارة بوتان التي كان يحكمها بدرخان پاش ، و كانت الأوضاع قد تأزمت من جديد على الجبهة بين الإمبراطوريتين العثمانية و الفارسية(القاجارية) و أخذت جيوش الطرفين تغير مداً و جزراً على كردستان و تتخذها ميداناً لمعاركها مما أعاد إلى الأذهان ذكريات عصر خاني و كذلك شعر خاني و فكره التحرري.

يقول عبد الرحمن آق تپي في روض النعيم:

انظروا إلى هذه الأشعار يا من تعلمون..أي تركيب كردي صرف هي!

لقد نظمتُ من (اللغة) الكردية كلاماً حلواً رفيعاً فصيحاً

ليس هناك أحلى من الكردية و لكن لا يوجد مشترون

لو رأيت مرة مشترياً(من يقدر الأدب) لجعلتها دافقة كالنهر

لكتبت آلاف الكتب..و نظمت شعراً بالكردية

لكنني اكتفيت بهذه المنظومة ، إذ لا يوجد من يقول لي: مرحى

لقد عانيت المشقة في هذه الأيام ، و نظمت كتاباً كردياً

كي لا يقول الأتراك و الفرس قط: الأكراد لا يعرفون العشق!!

و هكذا فهناك شعراء من الكرد كلامهم عذب ، و شعرهم في أحسن نظام

و لكننا فقدنا حميتنا فتألب علينا الترك و الفرس

إنني أبدعت هذه الألفاظ العذبة فقطعت بذلك لسان الترك و الفرس(3)

و يتحدث الشاعر آق تپي مثل سلفه خاني تماماً عن كساد سوق الأدب و يعزوه إلى انعدام قائد يرعاه فيقول:

ليست غايتي من هذا الكتاب عرض مهاراتي ، بل أن أترك أثراً في الدنيا

كي لا يقول الترك و الفرس أبداً: لا يوجد في الكرد شاعر كتب مصراعاً واحداً

إعلموا أن في الكرد شعراء تفوقوا على عشاق الترك و الفرس

و لكننا نفتقد إلى رئيس و صاحب يهتم بالشعر الجميل

فلو كان لنا حاكم عارف بالجوهر و قيمته

لخرج كثير من الشعراء الكرد كالنغمات الساحرة من الموسيقى.(4)

إن ظروف كردستان في عهد خاني و التي كانت مثلها ظروفُ كردستان في عصر آق تپي جعلت فكر أحمد خاني يحتفظ بطراوته و تأثيره و لو بعد مرور قرنين من الزمان.

2 _ الشيخ محمد جان(خاكي) :

هو شقيق الشاعر المار ذكره ، ولد سنة 1858 في آق تپه و تتلمذ كأخيه على يد والده الشيخ حسن ثم ترقى في مدارج العلوم حتى نال الإجازة ثم سافر إلى دمشق و أصبح من خلفاء مولانا خالد النقشبندي. نظم هذا الشاعر قصة (مجنون ليلى) الشهيرة شعراً عام 1884 م ، و في الفصل المسمى سبب تأليف الكتاب نلاحظ التأثير الواضح لفكر الخاني القومي و مقدمة مم و زين التي أصبحت كما قلنا كالمقدمات الطللية في الشعر العربي القديم. يقول محمد جان:

استمع إلى صدى العاشق ، هذا العاشق المبتلى الصادق

سأجعل المجنون والهاً متحير ، و أظهر له ليلى

ستحكي القصائد الكردية الموزونة ، عن حال المجنون

هناك قصائد تركية ، لكن لا تمت للكردية بشيء ، فالكردية كنز مخفي

....

لو كان لنا أمير ، صاحب سيف و بطولات

لأصبح هؤلاء الترك و الفرس و العرب

ناقصين بالمقارنة بنا

لا يوجد لنا صاحب ، و لا نعتبر بشراً بين الترك و العرب

....

لقد أخذتني العصبية لهم(للكرد) ، و أصابتني الغيرة في القلب و اللسان

إن الكلمات الكردية حلوة جد ، مقبولة هي و مثل الدر الثمين(5).

3 _ الشيخ محمد عسكري:

هو ابن الشيخ عبد الرحمن آق تپي. ولد عام 1898 م و تتلمذ على يد والده ثم شقيقه الشيخ كربلا في المدرسة التي أسسها والده في آق تپه. توفي عام 1952 في قرية چولى.

ترك هذا الشاعر وراءه ديوان شعر و قصة شعرية بعنوان( عقدێ دُرفام).(6)

ما يهمنا من أمر هذا الشاعر (الذي عاش القسم الأخير من حياته في حكم الجمهورية التركية التي نكلت بالشعب الكردي تنكيلاً وحشياً و قضت على كل ما يمت إلى الروح الكردية بصلة) هو النَفَس القومي الذي رأيناه لدى من سبقه و حمل شعلة الكردايتي في شعره . يقول في كتابه عقدێ درفام الذي أنهاه سنة 1942:

لا مال لنا من هذا البحر ، و لا قيمة للكلام في هذا الدهر

خاصة لغتنا الكردية هذه ، و التي ورثناها هدية من والدينا

إن مصباح العِلْم الكردي لا يضيء في هذا العصر ، لقد رأيته من دون زيت

هذه الحسناء بزينتها و بهائها و طيبته ، جيدها و صدرها و قامتها مثل الكنوز

لا أحد يلتفت إليها أعرف ذلك ، لأن أرباب العلم قليلون أيها المدرس

و إذا لم يرغب ملك و حاكم في حبها بعد أن يعرف قدرها

فلا نفع في شيء و لا دواء لآلامي

إن اللغة الكردية حلوة جد ، فواأسفاه لقد تركناها.

4 _سليم بن سليمان الهيزاني:

نظم هذاالشاعر قصة يوسف و زليخا عام 1168ﻫ ، و يبدو في هذه القصة أثر خاني فكراً و أسلوب نظمٍ واضحاً جداً و تكاد تكون بعض أبيات هذه القصة استنساخاً لأبيات محددة من مم و زين ، بل إن القصة تضمنت كثيراً من أبيات خاني بحرفيتها. يقول سليم في الفصل الثالث الذي سمي( البند الثالث في سبب تأليف الكتاب):

إنهم(يقصد الكرد) دائمو التمرد و الشقاق و لا مذهب لهم ولا اتفاق بينهم

لا دواء لهذه العلة فيهيا تداركوا الأمر في هذا الزمان.(7)

5 _ حاجي قادر كويي(1817_1897):

ينتسب هذا الشاعر إلى مدينة كويسنجق في كردستان الجنوبية ، و قد درس في طفولته في المدارس التابعة لمسجدها ثم سافر بعد فترة من الزمن إلى مدن سردشت و مهاباد و شنو في كردستان الشرقية حيث حصل عام 1863 على الإجازة العلمية ليعود إلى كويسنجق و منها يسافر إلى الآستانة(اسطمبول) عاصمة السلطنة العثمانية. و هناك يتصل بعائلة بدرخان پاشا و يصبح المدرس الخاص لأبنائها.

لم يكن للشاعر حاجي قادر اهتمام كبير بالقضايا القومية قبل رحيله إلى اسطمبول و كان ينتمي إلى مدرسة الشعر الكردي التي أسسها رواد الشعر الكرمانجي الجنوبي نالي و سالم و كردي . لكنه في اسطمبول تعرف إلى الشاعر أحمد خاني عبر قصته المنظومة مم و زين الذي كان آل بدرخان يتداولونها . تأثر الشاعر الضيف بأفكار خاني القومية و كتب قصائد عديدة باللهجة الكرمانجية الجنوبية داعياً أبناء قومه الكرد إلى الاستيقاظ و الوحدة و النهوض.

لقد كانت الظروف أيضاً متشابهة بين عصر خاني و عصر حاجي( و هي ظروف تتكرر في كردستان بسبب عوامل تاريخية و جغرافية لا تخفى). و هذا ما جعل تأثير خاني أشد قوة. يقول حاجي قادر واصفاً وضع الأكراد بين رحى حرب الاإمبراطوريتين الفارسية القاجارية و العثمانية في زمنه:

نحن تائهون كالثور الأغر

بين أصحاب القلانس الحر و أصحاب القلانس السود

و دعا حاجي إلى حمل السلاح قائلاً:

إن صلاح أمركم الآن في حمل السلاح

فلا تطمعوا في العزة من دونه.(8)

6 _ الشيخ معروف النودهي(مارف نودي):

هو الشيخ معروف المنتسب إلى عشيرة البرزنجية الشهيرة. ولد في قرية نودێ بمنطقة السليمانية عام 1753 م في عهد سليمان باشا الكبير. و قد نظم على نسق قاموس نوبهار الذي ألفه خاني قاموساً سماه أحمدي عام 1895 م أهداه إلى ابنه كاك أحمد ليحفظ ما يحتاجه من كلمات اللغة العربية و هو يقع في 368 بيتاً. توفي في مدينة السليمانية عام 1838م.(9)

7_ ملا محمود بايزيدي:

ولد سنة 1797 م في بلدة بايزيد(مسقط رأس خاني) على المثلث الحدودي التركي الإيراني الروسي.....و أكمل دراسته فيها، و كان قد أصبح حجة عصره في تفسير القرآن و انتقل في العقد السادس من القرن التاسع عشر إلى مدينة أرضروم ليلتقي بالقنصل الروسي الكسندر ژابا و يصبح رفيق دربه في البحث عن كنوز الأدب الكردي المدفونة في حجرات المساجد النائية و الزوايا المنسية لرهبان منسيين.و بفضل التعاون المثمر بين الرجلين تم إنقاذ العديد من عيون الشعر الكردي و مجموعة كبيرة من الحكم و الحكايا الفلكلورية إضافة إلى أول ترجمة قام بها البايزيدي لكتاب الشرفنامة المعروف عام 1858 م و ما يزال هذا الكتاب مخطوطا في مكتبة لينينغراد العامة. و جاء في مقدمتها: ليكن معلوماً لدى العارفين أن لجميع الملل و الطوائف تواريخها إلا طوائف الأكراد فلم يكن لهم تاريخ خاص حتى عام 1000 ﻫ . و كانت تواريخ تلك الطوائف مبثوثة في كتب تاريخ الأمم الأخرى إلى أن قام الأمير الفاضل الكامل شرفخان بدليسي بكتابة شرفنامه باللغة الفارسية عن الملوك و الأمراء و مجموع الطائف الكردية في بلاد الروم و إيران(......). و برغبة و همة السيد ژابا أقدمت على ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة الكردية.(10)

كما أنه كتب تاريخ كردستان الجديد بدأه من حيث انتهى شرفخان البدليسي ، و لكن لم يكشف النقاب حتّى الآن عنه و له أيضاً كتاب عادات و رسومتنامهء أكراديه (عادات الاكراد و تقاليدهم) و هو كتاب يبحث في البنية الاجتماعية للأكراد الرحّل و يتعرض لمجمل الحالة الكردية البدوية بدقّة الباحث و لكن بأسلوب ممل أحياناً لأنه لم يبوب الكتاب و بسط المعلومات دون منهج معين و هو بذلك يعتبر أبا النثر الكوردي و هذا ما يشفع له ضعف أسلوبه النثري. كما يقال أنه ساعد ألكسندر ژابا في تأليف قاموسه الكردي الفرنسي الذي طبع بعد وفاة ژابا سنة 1879 م و قد جمع هذا القاموس حوالي خمسة عشر ألف مفردة كردية. بالإضافة إلى لعبه دوراً سياسياً في المنطقة الكوردية و النزاع بين الحكومة و الزعماء الكورد. فقد توجه إليه المشير حافظ باشا ليقوم بدور الوساطة بينه و بين الأمير الكردي الثائر بدرخان پاش ، و يؤكد ژابا أن ملا محمود بايزيدي قد نفذ مهمته و أن المشير كان راضياً عن أدائه. و قد قام البايزيدي مرة أخرى بدور الوساطة بين كامل بك حاكم أرزروم و نور الله بك في حكاري. و قد تعرض البايزيدي للاعتقال عقب انتفاضة قامت في وان كان يقودها خان محمود لاعتقاد كامل بك بضلوعه فيها.(11)

لقد كان عمل البايزيدي ترجمةً لافكار خاني حيث سعى إلى صون التراث الكردي و حفظه من الضياع و تسليمه إلى قنصل أجنبي و هذا ذكاء منه لأن القنصل لا شك سيبعثها لبلاده و يحفظها في المتاحف الخاصة فيحميها من الضياع على يد من لا يقدرون قيمة تلك الكنوز.

و كان البايزيدي قد كتب رسالة في اللغة الكردية سماها (تحفة الخلان في زمانى كردان= أي تحفة الخلان في اللغة الكردية).(12)

كما قدَّم البايزيدي لكتاب على التره ماخي في القواعد العربية باللغة الكردية ، و تطرق فيها إلى جوانب من أساليب و طرق تدريس العلوم الإسلامية في المدارس التابعة للجوامع و المساجد و يسرد بصورة موجزة سيرة حياة علي التره ماخي.(13)

8_ اسماعيل البايزيدي:

يتفق معظم الباحثين على أن إسماعيل البايزيدي كان من تلامذة الشاعر أحمد خاني المباشرين. فقد ولد و عاش في بايزيد في نفس الفترة التي عاش فيها خاني. يقول د. بله ج شيركو: هو من أهالي بايزيد ، ولد سنة 1654 و اقتدى بالشيخ أحمد خاني ، و له قاموس صغير في اللغات الكردية و الفارسية و العربية يسمى كامزار(كذا في الأصل و الصحيح گلزار) و له قصائد رنانة و أشعار لطيفة باللهجة الكرمانجية(الشمالية) ، توفي سنة 1709 و قبره ببايزيد مشهور.(14)

أما ألكساندر ژابا فيقول: هو من شعراء كردستان ينتسب إلى بايزيد و هو من تلاميذ أحمد خاني ولد سنة 1065 ﻫ و توفي سنة 1121 ﻫ ، و له كتاب في اللغة يسمى(گلزار) باللغتين العربية و الفارسية يتعلم به أولاد الكرد الذين يطلبون العلم. و له بالإضافة إلى ذلك من الغزل و الأشعار و الأبيات الشيء الكثير و هي باللغة الكردية. و كان مشهوراً و معروفاً في موطنه. توفي و دفن في بايزيد.(15)

و بمقارنة ما كتبه د. شيركو و المستشرق ژابا ، نجد أن الإثنين قد أكدا أن خاني هو أستاذ اسماعيل ، لكن الغريب أن تاريخ ميلاد خاني مقارب لتاريخ ميلاد اسماعيل( خاني أكبر منه بأربع سنوات فقط) و هذا ما يبعدنا عن احتمال كون خاني استاذاً لإسماعيل. بل نرجح بينهما نوعاً من الصداقة القوية و تأثيراً من خاني عليه ظهر في نتاجاته التي لم تظهر إلى الآن مع الأسف الشديد.

أخيراً فقد أثَّر أحمد خاني بفكره في جيل من المثقفين المتنورين الذي حملوا راية النهضة في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين ، و لم يكن عبثاً أن مؤسس أول جريدة كردية(مقداد بدرخان پاشا) أشار منذ العدد الثاني من جريدته(كردستان) التي صدرت عام 1898 م فصولاً من مم و زين أثارت اهتماماً واسعاً بين القراء الكرد و بين العلماء الأوروبيين المهتمين بالكردولوجيا. و لقد كتب المستشرق الشهير مارتين هارتمان: إذا كانت جريدة كردستان قد استطاعت إثارة هذا الاهتمام في تجربة أولية ، فقد أسعدني ذلك حين طالعت مم و زين ابتداءً من العدد الثاني.

آثار أحمد خاني الأخرى:

أولاً: نوبهارا بچوكان

هو قاموس شعري يتألف من 216 بيتاً على أوزان عروضية بلغت ثلاثة عشر وزناً( البحور الأساسية هي سبعة). قام الشاعر بالفراغ من نظم القاموس و عمره ثلاث و ثلاثون عاماً و ذلك بناء على الحاجة الملحة لتفسير بعض المفردات العربية. و قد نوَّه الشاعر في فاتحة القاموس النثرية المسجوعة أنه نظم هذه المفردات مشروحة لأجل أطفال الكرد الذين يختمون القرآن و يبدؤون منهاج التعليم الجديد. و قد بلغ عدد المفردات العربية المشروحة حوالي ألف مفردة.

و تحدث الشاعر في المقدمة عن المبادئ الأولية التي يجب تعلمها و هي معرفة الله و رسوله و الخلفاء الاربعة و العشرة المبشرين بالجنة و أئمة المذهب السني الأربعة و لمحات من سيرة الرسول كمسقط رأسه و محل دفنه و عمره حين بُعِثَ نبياً و حين توفي... إلخ.

إن خاتمة هذا القاموس المنظوم أيضاً مثل فاتحته نثرية مسجوعة بين فيها الشاعر و عن طريق الأحاجي الرقمية سنة و شهر و يوم تأليف القاموس.

طبع هذا القاموس مرات عديدة و اعتنى به أهل العلم في كردستان و كان ضمن المناهج الدراسية الدينية.

ثانياً: عقيدا إيمانى

يسميها البعض (عقيده نامه) وهي منظومة شعرية تعليمية في العقيدة الإسلامية تتألف من أكثر من سبعين بيتاً على بحر المتقارب. و قد بسَّط فيه خاني أركان الإيمان و تحدث عن صفات الله المعروفة( الحياة ، العلم ، الإرادة ، القدرة ، الكلام ، السمع ، البصر) و يؤكد على أزلية هذه الصفات و أنها قديمة قدم الذات.

و ما يلفت النظر أكثر من أي شيء آخر في هذه المنظومة هو في الظاهر تناقض الشاعر الصريح مع نفسه في مسألة الجبر و الاختيار.

فلقد رأينا خلال دراستنا الموجزة لقصة مم و زين أنه مؤمن بالجبرية و أنه يعزو كل فعل للعبد إلى الله و يطلب بناء على ذلك من الله ألا يعذب بني آدم بل يدخلهم كلهم الجنة. كما رأيناه يجادل الله في مسألة طرد إبليس و لعنه دون (أي ذنب ارتكبه) سوى تنفيذه للمشيئة الإلهية الأزلية بعدم السجود.!!

لكنه في هذه المنظومة يقول:

إعلم أن العبد يختار الفعل و ليس خالقاً له أو مجبراً عليه.

كيف نحل هذا الإشكال و التناقض إذاً !؟

أعتقد أن خاني كتب هذه المنظومة و بسط فيه العقيدة الإسلامية( الأشعرية) كما هي و ليس بالضرورة كما يعتقد هو. ثم إنه كتبها و هو في مرحلة الشباب ، أما مم و زين فقد نظمها في مرحلة النضج الفكري و قد تجاوز الأربعين من عمره و تجاوز أفكاره بشأن الجبر و الاختيار ، فما نراه إذاً تحول فكري و ليس تناقضاً في القول ، فلا يمكن لمفكر بمستوى خاني أن يتناقض مع نفسه في مسألة هامة جداًً و حساسة كالجبر!

بعد ذلك يتعرض الشاعر لبعض المبادئ الأخرى مثل عدم خلود المؤمنين في النار ، و عدم الحكم بكفر مرتكب الكبيرة ، و رؤية الله عياناً في الجنة ، و ينفي الشاعر مبدأ الحلول و التناسخ و الاتحاد و عدم الإيمان بالهيولى( المادة الأساسية في الخلق ، و أقد أكثر من الحديث عنها في مم و زين) و أن القائل بِقِدَم الدنيا كافر. بعد ذلك يتحدث عن الصحابة و من هو الأفضل فيهم.....إلخ. و يختم الشاعر منظومته كالعادة بالدعاء لنفسه و مناجاة ربه و طلب الغفران له و للمسلمين.

ثالثاً: ديوان شعر

نشر الأستاذ إسماعيل بادي عام 1996 عشرين قصيدة من قصائد خاني في كتاب واحد و تحدث في المقدمة عن الجهود التي بذلها الباحثون من قبله لجمع تلك القصائد مثل د. مسعود مصطفى كتاني و فرهاد شاكلي و غيرهما.(16)

إن الجهد الذي بذله الأستاذ بادي جهد مشكور و ما قام به من تحقيق للقصائد و ضبط مفرداتها يدل على عقليته العلمية البحثية التي يفتقر إليها كثير من الذين يتعرضون لنشر تراثنا الثقافي الكردي. لكن الثغرة الوحيدة في عمله حسب اعتقادي هو عدم وجود شرح أو معجم صغير لكلمات تلك القصائد التي نشرها كما هي ، و هي نصوص كلاسيكية منغلقة على الفهم المعاصر بسبب تراكيبها و مفرداتها الغريبة.

و في الحقيقة فقد كنت مهتماً بالبحث عن قصائد خاني و استنساخها من الكشكولات الموجودة لدى المهتمين فما ظفرت سوى بتسع قصائد منه ، و كان آخرها قصيدة رأيتها منشورة في مجلة سروه التي يصدرها مركز صلاح الدين الأيوبي لنشر الثقافة و الأدب الكردي في أورمية أثناء زيارتي لكردستان الشرقية عام 1996 .

إن بعض قصائد خاني لا تقل روعة و قوة و تماسكاً عن قصائد الجزري الشهيرة ، فقد نفث فيها روحه العبقرية و بث فيها أفكاره التي تلتقي مع أفكاره المبثوثة في مم و زين ، و حبذا لو قام طلاب الآداب في جامعاتنا الوطنية بالغوص في بحار الخاني و استخراج درره الكامنة للقراء و المهتمين و بيان أن خاني من أمراء البيان الكردي و القابض على أعنة اللغاتو و ليس فقط باعث الروح القومية الكردية.

و في عام 2005 صدر عن دار سپبيريز في كردستان الجنوبية ديوان خاني مع شرحٍ وافٍ للمفردات قام به الأستاذ تحسين إبراهيم الدوسكي و في الحقيقة فقد سررت أيما سرور لدى استنساخي هذا الكتاب القيم من موقع الدار المذكورة على الانترنيت ، و لدى اطلاعي على طريقة المؤلف و جهده المبذول في الشرح و ضبط الكلمات أدركت أنه الكتاب الأكمل إلى الآن عن ديوان خاني ، و كان من فضائله علي أن نبهني إلى كتاب الفاضل عبد الله ڤارلي الذي نشر فيه تلك المعلومات القيمة جداً عن خاني و حياته مما يجعل جميع الباحثين مدينين له بالفضل و الأسبقية.(17)

نتاجات أخرى!!

يجزم بعض الباحثين بأن القصة الشعرية يوسف و زليخا هي من تأليف خاني ، و منهم محمد أنور علي إذ يقول: نظمها أحمد خاني شعراً موزوناً مقفىً على الطريقة الفارسية(!!)و على أساس من الرواية و القالب الشعري.(18)

و قد أعلن المجمع العلمي الكردي في بغداد أن نسخةً من يوسف و زليخا كتبها خاني موجودة في إحدى المكتبات الخاصة ولكن تبين فيما بعد أن تلك النسخة عبارة عن نسخة مطابقة لنسخة أخرى موجودة في خزائن المخطوطات في كل من برلين و لينينغراد(بطرسبورغ) كتبها سليم بن سليمان.(19)

إن قارئ يوسف و زليخا يدرك بسهولة إن كان قد اطلع على مم و زين أن هذه القصة الشعرية تقليد لأسلوب خاني في كل شيء ، في اللغة و موسيقى الشعر و الصور الفنية و حتى مصاريع كاملة جاءت كما هي في مم و زين و اتخذت مكاناً لها في يوسف و زليخا. و غير خافٍ أن صاحب يوسف و زليخا غير متمكن من هذا الفن الشعري و يتكئ في كل شيء على سلفه العظيم أحمد خاني( و ربما كانت النسخة التي اطلعت عليها مشوهة و محرفة بأيدي النساخ على مر الزمن).

و لقد نسب بعضهم هذه القصة إلى الشاعر الكردي فقى طيران ، إلا أن جامعي ديوانه ينفيان هذا الادعاء قائلين: ذاك الرأي القائل إن يوسف و زليخا من نظم فقى طيران ليس رأياً صائب ، بل القصة من نظم شاعر يسمى سليم ، و أسلوبها قريب من أسلوب مم و زين ، و هو بهذا يعد من تلامذة أحمد خاني ، و في خاتمة القصة يصرح الشاعر باسمه قائلاً:

يا ربْ بِه جَمالا ذاتِ سَرْمَدْ آزاده بِكِي سَليمَ ئى بَد(20)

و معناه: يا رب بحق جمال ذاتك السرمدية ، فك قيود سليم السيء.

و من النتاجات التي نسبت إلى خاني قصة مجنون ليلى المنظومة ، و قد أعلن المجمع اللغوي الكردي أيضاً عثوره على نسخة مخطوطة كتبها أحمد خاني من مجنون ليلى ، إلا أن رئيس اللجنة التي عثرت على المخطوط أبدى شكوكه في نسبة القصة إلى أحمد خاني و لم يبت فيها نهائياً.(21)

و المعروف أن هذه القصة الشعرية كتبها الشاعر الكردي المعروف بـ ( سوادي). يذكر أن القصتين أعني (يوسف و زليخا) و ( مجنون ليلى) قد طبعتا مؤخراً في دهوك الزاهية و نشرتهما دار سپيريز بتحقيق الأستاذ تحسين إبراهيم الدوسكي عام 2004 بعد أن كانت الباحثة الروسية مارگريتا رودينكو قد نشرتهما في موسكو .

و هناك أقوال شائعة عن أن خاني ألف كتاباً في الفلك و قد سمعت من مجاور قبره هذه المعلومة ، كما أن جلادت هاوار نشرها في جريدته هاوار لكن ذلك لا يعول عليه في البحث العلمي. و قد نسبت كتب أخرى إلى الشاعر لم نفصل في أمرها دفعاً للملل و سداً لباب الاجتهادات الخاطئة ، لكننا نقول في النهاية: ربما كانت لهذا الشاعر نتاجات ضاعت و قد نكتشف ذات يوم قصيدة له أو كتيباً صغيراً هنا و هناك ، إلا أن ما بين أيدينا من نتاجه يكفينا الآن لنرسم إطاراً واضحاً لفكره و عبقريته.

إحالات:

1. مم و زين. مطبعة آراس حلب 1947. من مقدمة حمزة مكسي الذي هو من الناشطين في الحركة الثقافية و السياسية الكردية في بدايات القرن العشرين ، أصدر في اسطمبول عام 1918 جريدة ژين الأسبوعية باللغتين الكردية و التركية و كان أول من طبع مم و زين و قدم له عام 1919 في اسطمبول. توفي في قرية دوگر التابعة لبلدة تربه سپي في كردستان الغربية.

2. Rewdeneîm. Şêx Evdirehmanê Axtepî.çapa pêşî. Stockholm 1991

3. روض النعيم .طبعة اسطمبول بالأحرف العربية. 1966. ص17.

4. نفس المصدر.البند الخامس في سبب تأليف الكتاب.

5. Şêx Mihemed Can. Leyl û Mecnûn. Weşanên çanda Kurdî. Stockholm 1992

6. Iqdê durfam . Şêx Eskerî. Wergêr ji tîpên Erebî: Zeynilabidîn Zinar(Kaya) Stockholm 1989

7. من نسخة بخط يد ملا رمضان برزنجي..بتاريخ 1979م و من الواضح أنها غير منتهية. قد تكون هذه النسخة قد تم تحريفها على يد النساخ العديدين ، إذ لاحظت أن هناك تقديماً و تأخيراً في الأبيات لم ينتبه إليه الناسخ ملا رمضان.و قد اطلعت عبر الانترنيت على النسخة التي قدم لها و حققها الاستاذ تحسين ابراهيم الدوسكي فكانت مطابقة للنسخة التي بحوزتي. و للمستزيد مطالعة ذلك الكتاب للاطلاع على تلك الملحمة الشعرية.

8. جميع هذه المعلومات مقتبسة من مقدمة ديوان حاجي قادر كويي المطبوع عام 1986 من قبل: سردار حميد ميران و كريم مصطفى شارزا.

9. مجلة كاروان العدد 24 ايلول 1984. السنة الثانية. انظر أيضاً كتاب: نوبهار خاني و أحمدي معروف النودهي. باللغة الكردية. علي فتاح دزه يي. مطبعة الثقافة و الشباب. أربيل 1985.

10. تواريخ قديم كردستان. ملا محمود بايزيدي. موسكو 1986. ص4. و هذا الكتاب ترجمة لكتاب شرفنامه المشهور.

11. من تاريخ الإمارات في الإمبراطورية العثمانية. د. جليلى جليل. ترجمة محمد عبدو النجاري. دمشق ط1 1987. ص132.

12. مخطوطات فريدة و مطبوعات نادرة. د. معروف خزندار. بغداد 1978 ص 38.

13. المصدر السابق ص44.انظر كذلك مقدمة م. رودينكو لكتاب عادات و رسومتنامه ء أكراديه.

14. القضية الكردية.د. بله ج شيركو. منشورات رابطة كاوا للثقافة الكردية. ط1 بيروت 1986. ص27.

15. مخطوطات فريدة..ص 74.

16. ژ هه لبستين ئه حمدێ خاني. اسماعيل بادي. ص5.6.

17. جواهر المعاني في شرح ديوان أحمد الخاني. تحقيق و ترجمة تحسين ابراهيم دوسكي. منشورات دار سپيريز. دهوك 2005.

18. فلسفة التصوف في ديوان مم و زين. رسالة جامعية أعدها محمد أنور علي. جامعة القديس يوسف. معهد الآداب الشرقية. بيروت. غير مطبوع.

19. أحمد خاني. د. عز الدين مصطفى رسول. ص36.37.

20. ديوانا فقى ته يران. سه عيد ديره شي و پيزانى ئاليخان. چاپخانا الحوادث. به غدا 1989.

21. أحمد خاني. د. عز الدين مصطفى رسول. ص36.

User offline. Last seen 24 اسبوع 1 يوم ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 08/10/2007

يشبه أحمد خانى جما المرأة بكتاب جميل في بعض المواقع .. ويجد ان الكتاب أجمل من صور الطبيعة كلها فيقول :

ان ساحة الكروم كتاب في مجملها
وكل قطعة من الكروم وكل جزء منها فصل وباب
لك ان تقول ان الاديب المنجم
قد جعل من الاسطر الاولى لصفحة البستان
بأدبه جدولا كتقويم مقسم بماء الزئبق
هي في صفة ( شنكرف , الزئبق الاحمر ) بوروده الريانة
اطرافها من السنبل والرياحين
الوان من الخطوط
في كل واحد بيان للاحكام
ففيها الخط الاسود والابيض مبلغان ...

شكرا لك عزيزي على الموضوع القيم على الرغم من انه مكرر لكن لا باس فهو مهم اشكر جهودك الجميلة
الىاللقاء .........