م. دلوفان سلو : قراءة هادئة في نتائج الانتخابات التركية وما قبلها وما بعدها

2015-06-20

مما لاشك فيه أن تركيا كدولة بموقعيها الجغرافي والجيوسياسي هي لاعب أساسي ومحوري في جميع قضايا الشرق الأوسط, وانطلاقاً من هذه الحقيقة فإن أي تغيير في سياسة تركيا سيؤدي بالضرورة إلى تغييرات إقليمية جادة وحقيقية ومؤثرة, وبالعودة إلى تاريخ الجمهورية التركية منذ إعلانها وحتى الآن فإن التغييرات التي حصلت في سياساتها ومواقفها  الداخلية والإقليمية والدولية كانت إما بسبب الانقلابات العسكرية التي حصلت أو كانت نتيجة لانتخابات برلمانية ما,
فالتوجه الإسلامي للدولة التركية مثلاَ (وخاصة التوجه السني الإسلامي) لم يأتي إلا بعد الفوز الكاسح لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية عام 2002 ووصوله إلى سدة السلطة منذ ذلك الحين وحتى قبل إجراء الانتخابات الأخيرة, هذه السلطة التي كانت غاية لحزب العدالة والتنمية كغيره من التنظيمات الإسلامية عبر العالم – مصر وسوريا وتونس وليبيا والمغرب أمثلة حية عن هذا التوجه الإسلامي للسلطة - ولم يكن وسيلة لحل مشاكل تركيا العالقة وخاصة الداخلية منها, بل تعدى الأمر إلى تحوير هذا الحزب لعودة تركيا إلى عهد الرجل الواحد, الآمر الناهي, المتكبر المتعجرف, السلطان الجديد, وتسخير كل أدوات الدولة بما فيها المؤسسة العسكرية والمؤسسات الاقتصادية لخدمة هذا الحزب ورجله الأول رجب طيب أردوغان, وبدأ الحزب ورئيسه يعدون كامل العدة لتحويل تركيا من نظام برلماني إلى نظام رئاسي, أو بالأصح إلى نظام رئاسي سلطاني, دون أن يعيروا اهتماما بالأحزاب المنافسة, بل تعدى الأمر إلى الاستهانة الكاملة بهم وإهمال كافة المشاريع والخطط التي يبدو أنها كانت قد وضعت لغايات انتخابية حزبية وليس لغايات وطنية بحتة, وعلى رأس هذه المشاريع مشروع السلام بين الدولة التركية وحزب العمال الكُردستاني الـ PKK, كما قاموا بتشديد العزلة على القائد أوجلان, وتم دعم الجماعات المتطرفة في الصراع السوري بشتى الوسائل, والتوجه المباشر والقوي إلى المحور العربي السني المتمثل بالسعودية وقطر ومصر في عهد الإخوان, وأيضاً الابتعاد عن الاتحاد الأوربي, ولعل دور تركيا المشبوه في معركة كوباني العالمية أثرت بشكل مباشر على الناخب في تركيا وخاصة الكُردي والقوى اليسارية منه, وهذا ما أدى لتحويل شعاره الذي جذب الناخبين السابقين والمتمثل بصفر مشاكل إلى حقيقة جلية وهي صفر أصدقاء, وكل هذا خلق أرضية موضوعية لهزيمة حزب العدالة والتنمية وإلى بروز حزب ديمقراطية الشعوب الـ(HDP) المتبني أفكار القائد أوجلان في أخوة الشعوب والأمة الديمقراطية وضرورة العيش المشترك بمساواة وعدالة بين الجميع كون دولة مثل تركيا تعج بالقوميات والمِلل المختلفة المتعايشة عبر التاريخ وهذا كان من دون نزع النزعة الكُردية عن هذا الحزب كونه يتبنى فكر قائد كُردي كما أن هذا الحزب هو امتداد سياسي لحزب العمال الكُردستاني في تركيا الدولة, وأيضاً كون الشعب الكُردي هو أكثر الشعوب اضطهاداً في تركيا إن لم نقل في العالم أجمع لذا فهذا الحزب يمثل الكُرد هناك بالدرجة الأولى. وجاءت النتائج الانتخابية تتويجاً وتعبيراً عما سبق, فكل ما خطط له حزب العدالة والتنمية وحلم به كثيرا أردوغان ذهبت أدراج رياح كُردية, رياح ديمقراطية ترفض الخنوع وتبويس الأيادي, ترفض الرجوع مائة سنة إلى الوراء, فكانت خسارة حزب العدالة والتنمية لأكثر من ثمانية بالمائة من أصواته السابقة في آخر انتخابات برلمانية لتذهب كل تلك الأصوات لحزب ديمقراطية الشعوب, مع حفاظ كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية على نسبهما السابقة بشكل تقريبي, وهذا يعني أن نتيجة الانتخابات كانت كالتالي غير قابلةً للتأويل وهي أن حزب العدالة والتنمية انهزم, حزب ديمقراطية الشعوب انتصر, حزبا الشعب الجمهوري والحركة القومية لم يقدما أي جديد, مع العلم أن هذا الانتصار المؤثر لحزب ديمقراطية الشعوب كان قد سبقه العديد من الهجمات المنسقة ضده في العديد من مناطق تواجده في تركيا إلا أن السحر انقلب على الساحر وانتصرت ديمقراطية الشعوب, وبهذه النتيجة لم يعد بالإمكان تشكيل حكومة أغلبية كما كان طيلة ثلاثة عشر عاماً سابقة فهذا يحتاج إلى نسبة الخمسين زائد واحد وهذا ما لم يحققه أحد من الأحزاب, كما باتت عملية تغيير الدستور إلى نظام رئاسي أضغاث أحلام أصحاب تلك الفكرة لأن ذلك يحتاج إلى نسبة الثلثين في البرلمان, وبالتالي باتت تركيا أمام احد خيارين لا ثالث لهما ولكل من هذين الخيارين عدة تفرعات وتشعبات مؤثرة بشكل مباشر على كل السياسات التركية الداخلية والخارجية, والخيار الأول هو تشكيل حكومة أقلية (حكومة ائتلافية) والخيار الثاني سيكون في حال عدم إمكانية تحقيق الخيار الأول خلال خمسة وأربعين يوماً من إعلان النتائج الرسمية حيث سيتم الذهاب إلى انتخابات مبكرة في أيلول القادم, وبالعودة إلى الحكومة الائتلافية فإنها تتطلب تحالف حزب العدالة والتنمية مع أحد الأحزاب الأخرى أو تحالف الأحزاب الثلاثة الأخرى مع بعضها وهذا يبدو ضرباً من الطوباوية والخيال أن يتحالف حزب ديمقراطية الشعوب ذو البنية الكُردية مع حزب الحركة القومية والذي يعتبر الكُرد أتراك الجبال وليس لديه أي استعداد لمناقشة القضية الكُردية وحلها, هذا بالرغم من طرح هذا الخيار إعلاميا, أما احتمالات تحالف حزب العدالة والتنمية مع أحد الأحزاب الثلاثة الأخرى فيبدو صعبا جداً وسيتطلب من حزب العدالة والتنمية تقديم تنازلات عديدة وكبيرة على كافة المستويات للحزب المتحالف معه, لذا سيعمد كل حزب لحين انتهاء المدة الدستورية إلى وضع الكرة في ملاعب الأحزاب الأخرى لتحمل مسؤولية عدم تشكيل الحكومة, وفي حال تم الذهاب إلى الانتخابات المبكرة فإن أكبر الأحزاب المهددة بالخسارة هو حزب العدالة والتنمية كون هناك تقارير وبوادر ومؤشرات عديدة في حال عدم تمكن حزب العدالة والتنمية من تشكيل حكومة ائتلافية لانشقاق هذا الحزب بقيادة كل من الرئيس السابق عبدالله غول ووزير الخارجية الأسبق علي باباجان, ولكن لن يتم كل هذا بهدوء وبساطة بل سيحاول أردوغان وأنصاره لعدم تحقيق ماسبق وسيحاربون بكل قوتهم للبقاء في موقع السلطة, لذا فتركيا مقبلة على تغييرات جوهرية ولن تعود كما كانت قبل السابع من شهر حزيران, وكذلك على الصعيد الكُردي فلن يعود الكُرد في شمال كُردستان كما كانوا في السابق ورقةً سياسية بل أصبحوا لاعباً أساسياً له كلمة كبيرة في كامل مستقبل تركيا والسياسة التركية الداخلية والخارجية وخاصةً فيما يتعلق بالقضية الكُردية منها.