خالد ديريك : اللوحة السورية مختصرة في أربع سنوات

2015-05-19

سوريا الثورة: المظاهرات السلمية والشعارات الوطنية
سوريا الأزمة: العمليات العسكرية والخطابات الطائفية
هذه هي اللوحة السورية بعد أربع سنوات من الثورة والإرهاب.
في الوقت الذي كان الثوار فيه في ذروة  الحركة والنشاط لتوسيع رقعة المظاهرات السلمية المناهضة وتدفعهم الحماس والعنفوان وهم في عجلة من أمرهم بإسقاط النظام أسوة بتونس ومصر وليبيا واليمن,
كان النظام وحلفاؤه يخططون في غرف مغلقة في كيفية تحريف مسار الثورة السلمية وتوجيهها نحو زاوية ضيقة ومشوهة تجسيداً لرؤية النظام بأن ما يحدث هي مؤامرة خارجية بأياد داخلية.
عندما أطلقت قوات النظام الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين المطالبين بالحرية والكرامة تم تسليح الثورة انعكاساً لردات الفعل والانتقام وفيما بعد تدخلت الأجندات القريبة والبعيدة وسحبت البساط من تحت  أقدام السوريين وتحولت المسألة السورية إلى أزمة دولية وأفرزت التبعات والصراعات  واصطفافات المحلية والإقليمية والدولية حول الثروة والنفوذ والمصالح ,حينها أدرك النظام بأن قطاره الذي كان متوجهاً نحو الهاوية قد لمس السكة  الصحيحة من جديد ونجا من موت محتوم.
وعندما رحبت المعارضة بكل من هب ودب وحمل السلاح تحت شعار إسقاط النظام ,أدخلت نفسها في الفوضى التنظيمية العسكرية والسياسية نتيجة قراءتها الخاطئة للمشهد والخريطة والنسيج السوري .
وفي وقت فتحت فيه تركيا حدودها على مصراعيها لعبور المسلحين من أجناس وأشكال مختلفة أملاً في المساهمة بإسقاط النظام و إزاحة الأسد عدو أردوغان اليوم وصديقه الحميم في الأمس القريب.
كان النظام  يهيء نفسه لتطورات مختلفة والسيناريوهات المتسارعة في كيفية الاستفادة من المسلحين ذوي الميول المتطرفة في تحكيم رؤيته  من جهة وتحصين سلطانه بأدوات خارجية من جهة أخرى.
عندما تعاظمت قوة التنظيمات المتطرفة لصالح القوى المعتدلة ,كان النظام قد جلب الميليشيات  الطائفية من الخارج  لسد الفراغ والهزيمة وتحصين مراكز المدن والمواقع الدينية والأمنية والنفخ في الفتنة الطائفية وغض النظر عن أعمال المجموعات المتطرفة بحق المجتمعات المحلية. 
وفي وقت تقاتل فيه المعارضة  العسكرية بجميع أصنافها فيما بينها حول الثروة والنفوذ واندثرت المعارضة السياسية بين الولاءات الخارجية  حسب تدفق التمويل من جهات منتدبة عليها, ونهش الفساد في جسدها,كانت عمليات القتل والنحر والسبي والبتر تتم من قبل المتطرفين على قدم وساق بحق الأقليات الدينية والعرقية وكل من عارضهم تحت التسميات الردة والازدراء والكفر,وفي هذا الأثناء أظهر النظام نفسه حامي الشعوب السورية وروج إن البديل هو الإرهاب. 
فالنظام الذي قتل المئات آلاف من شعبه وهجر الملايين ,بدأ الغرب يراه أهون الشرين  ولم تعد إزاحته عن الحكم أولوية بل يرون أنه قد يتحول إلى جزء من الحل السوري القادم  ويتم تعويمه وترويضه من قبل بعض أصدقاء المعارضة  من خلال فتح قنوات استخباراتية معه.
النظام الذي عهد بسوريا إلى أمراء الحرب سواء أكانت  بالانسحابات الطوعية أو الهزائم الجبرية جعل من خارطة السيطرات المعارضة أشبه بممالك وإمارات فكل مجموعة عسكرية لها قوانين وأعلام  وإيديولوجيات خاصة بها إضافة إلى الحروب البينية  التي لا تنتهي.
المعارضة التي شعرت بأن المجتمع الدولي تخاذل معها ولم يسعفها كما حصل مع بلدان الربيع العربي الأخرى ,عمدت إلى الاعتماد على دعم  أية جهة تتبنى إسقاط النظام دون الأخذ بعين الاعتبار التداعيات  والحساسيات  وغضت النظر عن المتطرفين هي الأخرى.
استفاد النظام من الغباء وسذاجة المعارضة كما استغل التناقضات الإقليمية والدولية وتراخي حلف المعارضة أمام عناد حلف النظام  اللامبالي لتهديدات الغربية .
والآن  وبعد كل هذا الوقت  من الحرب والدمار  ومن الثورة والإرهاب فمن الصعب أن يتخلى الأسد ونظامه عن الحكم مهما  استمرت  إراقة الدماء  السورية وكما إن أي حل سلمي  في المستقبل سيلقى تحديات وصعوبات  جمة في  التفعيل  والانسجام والاستمرار  بسبب بروز روح الثأر والانتقام بين أطياف السورية المختلفة وتصاعد لهجة الخطابات الطائفية والعرقية في المنطقة ,فحال سوريا ستكون أشبه بحال العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 م  وماآلت إليه الأوضاع حتى يومنا هذا ,ولذا قد يصبح التقسيم  الطائفي والعرقي أمراً واقعاَ سواء بقي الأسد أو رحل.
بقلم. خالد ديريك