خالد ديريك : سيناريو إقامة كيان كردي سوري

2015-04-02

طفت اصطفافات وتحالفات طائفية وجهوية ومصالحية على سطح المشهد السوري بفعل التداخل والتقاطع في الأفكار والمشاريع مما أدى إلى استفحال الأزمة السورية وخلق واقع جديد.
وفي خضم هذه الأحداث والمستجدات ,وجد كُرد سوريا أنفسهم أمام أشرس تنظيم إرهابي في العالم مستهدفاً وجودهم ,بالرغم من إبداء المقاتلين الكورد(ي ب ك) و(ي ب ج) مقاومة في وجه هجماتهم المتكررة منذ 2013م وتحقيقهم انتصارات عسكرية كبيرة مؤخراً في مدينة كوباني والريف مدينة قامشلي(قامشلو) بإسناد قوات من البشمركة وبعض فصائل الجيش الحر وبغطاء جوي من التحالف العربي ـ الدولي .
 
إلا أن النجاحات العسكرية والإعلامية الكردية في سوريا لم تقابلها اختراقات ونجاحات سياسية كبيرة  بسبب التهمة التركية الموجهة إلى قوات (ي ب ك) بأنهم امتداد طبيعي للعمال الكردستاني الذي مازال الأخير مصنفاً على قائمة الحظر الاوربية والأميركية.
الغرب مازال يغازل تركيا في هذا الصدد,بالرغم إبداء بعض عواصم الاوربية إعجابهم بشجاعة  وصمود ومقاومة المقاتلين الكرد في مقارعتهم للإرهاب وفتح بعض القنوات معهم,لكن الأمر يبقى في إطار "التعاون الحذر".
ولاستثمار النجاحات العسكرية وتوظيفها سياسياً وحدوث خرق دبلوماسي ,يتوجب على الكُرد في سوريا ما يلي:
ـ إيجاد التوافق السياسي الكردي على مشروع موحد لحل القضية الكردية وعرضه على شركاء في المعارضة والقوى العالمية برؤية موحدة ويمكن أخذ المرجعية السياسية الكردية  المشكلة مؤخراً بين أطياف الحركة الكردية السورية نموذجاً لهذا الغرض بعد انضمام بقية المكونات إليها .
ـ تمتين أواصر الأخوة والروابط الاجتماعية من خلال التواصل مع المكونات والطوائف العربية والمسيحية المتعايشة في غرب كردستان(شمال سوريا) لزرع الثقة وإحساس بالأمان والحفاظ على العيش المشترك,درءاً للفتن والنزاعات الطائفية والقومية ولاستيعابهم والمشاركة  في الحياة السياسية والعسكرية والإدارية ,حسب نسبهم بشكل ديمقراطي وحضاري من خلال مجلس منتخب(برلمان) يمثل إقليم غرب كردستان.
 
ـ  ربط المناطق الثلاث (الجزيرة ,كوباني ,عفرين ) جغرافياً وتشكيل إدارة سياسية وجغرافية موحدة لغرب كردستان بعد تحرير جيوب(بلدات)محتلة من قبل "داعش" التي تفصل  تلك المناطق عن بعضها بعض.
ـ تحصين جبهة داخلية ستشكل عامل قوة لجذب الاهتمام الدولي واحترام إرادة الشعب وخاصة إذا ما أوجد تسامحاً وتشاركاً قومياً ودينياً.
فإذا كان الكُرد يجهدون مؤخراً على جمع قواهم ,ويحاولون تجاوز المعوقات والصعوبات الداخلية التي تعترض سبيلهم في الوحدة والتنسيق من أجل إعداد لمشروع واحد وتهيئة أرضية مناسبة لكيان كردي ضمن سوريا الاتحادية  (الفيدرالية) المتمثلة برؤية المرجعية السياسية الكردية المشكلة مؤخراً,ثمة تحديات خارجية جمة وكبيرة تواجههم أمنياً وسياسياً ,لذا فإن أي اعتراف بواقع كردي جديد في سوريا لن يتم بمعزل عن التوافقات ورضى المجتمعات المحلية والقوى الإقليمية والدولية في نهاية المطاف .
إذن,سيواجه الكُرد تحديات جمة في إقناع الآخرين بوضعهم الجديد ومشروعهم ,وخاصة إن لا النظام ولا المعارضة تعترفان بالحقوق الدستورية لهم كقضية (الارض والشعب) حتى هذه اللحظة.
 
وطريق الوصول إلى عواصم العالم لإضفاء الشرعية على كيان كردي سوري في إطار البلاد مازال  شاقاً ووعراً ومحفوفاً بالمخاطر,وعبر إربيل (هولير) عاصمة إقليم كردستان ـ العراق يمكن تعبيده وجلب الاعتراف والدعم والحماية الدولية له بعد لملمة الوضع الداخلي,لأن إقليم كردستان ـ العراق يشكل عمقاً استراتيجياً لكُرد سوريا وبوابتهم الحالية نحو العالم الخارجي بفضل علاقات الأول الواسعة مع الغرب وثقل دوره في المنطقة.
 
 وأهم التحديات التي ستواجه الكيان الكردي في سوريا في إطار نوع من حكم ذاتي تتمثل في الآتي:
ـ النظام السوري الذي سيعمل جاهداً لأحداث الشروخ وإشعال الفتن وتأليب جهات عربية ذات خلفية قومية متشددة للغوص في مستنقعات اقتتال عرقي في المناطق المختلطة بين العرب والكُرد عبر ميليشيات تابعة له 
ـ تركيا التي أعلنت مراراً رفضها إقامة  كيان كردي على حدودها الجنوبية  وهي مشتبهة بدعمها لتنظيم "داعش" أشرس أعداء الكُرد,خاصة موقفها من مأساة ومعركة كوباني(عين العرب),ولكن يمكن لجمها في الحالتين :
 
أولاً, بالرغبة الاميركية.
ثانياً إذ ما تحقق السلام بينها وبين العمال الكردستاني.
تُغازل وتساير الغرب علناً تركيا  حول المسألة الكردية كما أسلفنا سابقاً بسبب حظر العمال الكردستاني على قائمته أولاً,ولحاجة أمريكا لتركيا في منطقة ملتهبة حالياً ولدورها في حلف النيتو ثانياً,وإذا ما أرادت أمريكا العمل على تقسيم المنطقة وتعديل الخرائط بحسب التوزيع الطائفي والقومي,وإيجاد بدائل وحلفاء فإنها لن تأبه لقلق تركيا كثيراً ويمكن تقديم مجموعة من الحوافز والامتيازات لها في نهاية مطاف.
صحيح إن أردوغان له مشروعه في بعث العثمانية,ومهما تمكن من إخضاع بلدان بعيدة جغرافياً التي تديرها حكومات ذات جذور إسلامية,فإن أمن تركيا الداخلي هش وقابل للانفجار في أية لحظة,لذا مشروع أردوغان لا يمكن تحقيقه واستمراريته في ظل وضع داخلي تركي غير مستقر إضافة إلى منافسات وصراعات إقليمية خفية مع أنقرة للهيمنة على المنطقة.
 
بالرغم من إظهار تركيا عدائها وعدم رضاها لأي كيان كردي سوري ,فإنها قد تكون أول المعترفين بذاك الكيان ,خاصة إذا ما شمت رائحة النفط والغاز بسبب حاجة تركيا المتزايدة للطاقة ولهث الشركات التركية خلف عمليات الاستثمار والأعمار أينما وجدت ,وإذا ما شعرت تركيا بأن ذاك الكيان سيشكل درعاً وثغراً جنوبياً زائد إلى خزاناً اقتصادياً وحليفاً سياسياً لها,تماماً  مثلما عملت مع إقليم كردستان ـ العراق  وأصبح أكبر شريك اقتصادي لها بعد سنوات من إبداء العداء اتجاهها.  
 
زد على ذلك إن تحقيق السلام بين العمال الكردستاني وتركيا سترفع من فرص إقامة ذاك  الكيان .
ـ المعارضة السورية التي ترفض الاعتراف بالحقوق الكردية الآن  هي متكئة على تركيا بسبب موقف الأخيرة المناهضة للنظام الاسد ,وموقف المعارضة ستكون مرتبطة بموقف تركيا وستنفذ ما تملي عليها تركيا وأمريكا .
ـ الجماعات المتطرفة ستستمر في هجماتها على الكُرد في سوريا طالما تتلقى الدعم من جهات إقليمية وستعمل هي الأخرى كما النظام على خلق الفتن والقلاقل في المناطق المختلطة ,ستضعف وتقوى هذه الجماعات من خلال ضخ  وقطع الدعم لها عندما تحقق أو تفشل النيات والمهمات تماماً من قبل جهات داعمة لها.
 
هذه هي التحديات والسيناريوهات التي قد تحدث حتى المدى المتوسط على الصعيد الكردي السوري وجواره,لكن المنطقة بشكل عام قابلة للسيناريوهات أكثر تقسيماً وتأزما  طائفياً وعرقياً على المدى البعيد.ومهما يكن فإن كُرد سوريا لن يتخلوا عن طموحهم في كيان يحفظ هويتهم وهم يرون بأن فرصة مؤتية لاستعادة الحقوق بعد عقود من الاضطهاد والحرمان.
بقلم.خالد ديريك