شفان ابراهيم : قبل أن يغادرنا الوطن

2014-06-03

شفان ابراهيم
برهة من الزمن ويغادرنا الوطن, بعد أن سئم, ومل, وسقم, من مغادرة أبنائه له, فقرر الوطن أن يغادر إلى حيث يكون الشعب والإنسان أهلاً له, سيغادر إلى حيث تنتفي النكايات والحكايات الفارغة, إلى حيث يكون الفرد أنساناً حراً لا فرداً تابعاً, إلى حيث يكون المواطن عضواً في جماعة سياسية وإنسانية واجتماعية, وليس حيث يكون الإنسان عبداً وحاملاً أسفار غيره ليكون دليل عبقريته وتأشيرة نجاحه, وجواز عبوره إلى مستحقاته. سيرحل عنا رداً على من توغل أكثر في جرح تاركاً وصيته: ستروي الأساطير والحكايات...أنه في غرب كورستان...
كان ثمة شيء أسمه وطن, يُشهد لشعبه بالبنان, ويُشهد لتجمعاته السياسية بالأسف, سيقول التاريخ ذات يوم حين يقف أمام مغسلة الشهداء, ومآذنه الثورة, حين يقف أمام قاسمو: من هنا مر الشباب يوماً, ومن هنا بدأت إحدى محطات الشرف....وهناك الكثير عن العنفوان الكوردي الذي خُطِطَ لإفشاله, كما لم يُخطط لشيء أكثر أهمية من قبل. دون أن ننسى أن الوطن اغتيل ها هنا بين ظهرانيه, وعلى أيدي من يُقنعون زيجاتهم بجبروتهم وقوتهم, وهم اضعف خلق الله, يحاولون نفي قوانين الطبيعة والمجتمع, يحاولون نسف جوهر الواقع, يحاولن كبت النشاط البشري, يتوهمون بامتلاكهم للإرادة المطلقة التي لا تحدها شيء, لكنهم يجهلون أنهم بين فكي العقل والإرادة الحرة المستقلة, إنما يشكلون سمة للنزعة اللاارادوية, فيغادر الوطن باكياً على أبنائه الذين ارتبطت أطرافهم بمجموعات مشلولة, فلا هم يملكون القدرة على الحركة دون أن يحملون تلك العاهات على ظهورهم, ولا المتسلقون والمُستغلون بقادرين على التحرك, وبحركة شعورية وإرادية يمنعون كل عقل نير من الإضاءة على العالم وعلى الوطن, ويجاهد هؤلاء –العاهات- في الربط بين الارتقاء والثورة, في حالة استغباء للشعب, وفي حالة استمراراً لقتل الوطن, ليُصيحَ بهم الوطن...ويحكم يا أغبياء القوم, أن الثورة والارتقاء مختلفان ومتباينان, فالارتقاء تغيراً في مواصفات الظواهر الطبيعية, والثورة هي ثورة تطمح إلى تبدلات وتغيرات نوعية جذرية في المجتمع, فيكف لكم بربطهما معاً, أم أن غبائكم لا يزال يصر على قتلنا, وهي ليست سوى محاولة للتشويش على البشر والثورة. ويستمر الوطن في لملمة جراحه, متهيئاً للمغادرة, ويوصي أبنائه بالالتفات الى أشكال الوعي الاجتماعي وتطويرها في أذهان ووعي الناس كي لا يشعر الشعب بالاغتراب عن العمل والعلم والفن والإرادة والدين والسياسية, ويبكي الوطن بحرقة؛ لا تغتربوا عني, ويستمر الوطن في توبيخ حفنة مستهزئة به وبالشعب قائلا: أنتم ترسمون الظلال والأوهام في عقول الأفراد, أما أنا, فأدافع عن الإنسان وعن حريته, وتطوره, وارتقائه, وصيانة إنسانيته, لكنكم استجررتمونا نحو طوباوية مجتمع خيالي وفرضتم رتماً مقيتاً على الشباب للاستمرار في الاستعارات والدوران حول مشروع بخاري غير قابل للتنفيذ, أيها المرتدون عن الكوردايتي أنا الوطن اعلم جيداً ظاهركم وباطنكم, اعلم جيداً أن الديالكتيك سينال منكم, ليطفوا على السطح جيل جميل بعمله, جذاب بفكره, يربط الكوردواري بالتضحية, ينسف مصالحكم الحزبية الضيقة, وبكوني أم عطوف على أبنائي, فلن أغادر لأجل حفنة مرتدة تعمل ليل نهار على أفراغ جسدي من أبنائه, وتسهر على نسج القصص, والأوهام, والمؤامرات, والدسائس, سأصيح بأبنائي, أبصقوا في وجه كل من باع وطنكم, ابصقوا في وجه كل خائن, وكاذب, وجلاد, وأناني, وجبان, ولا تهادنوا, ولا تركنوا إلى أحاديثهم الليلية, فأمثالهم يكفل النهار بمسح أحاديث الليل, عليكم أن تدركوا جيداً أن ابتسامتهم ليست سوى ابتسامة ذئباً ماكراً, مخادعاً, حين يتودد إلى خروف بريء, أيقنوا تماماً أن من يكثر من الوعود, هي ليست سوى وعوداً منبثقة من وعود, قائمة على الوعود لا أكثر, إياكم وأن تركنوا إلى دموعهم المزيفة, فحتى التماسيح تبكي, ومن لم يبكي على وطن تنهشه الضواري, لن يبكي على قتلكم جميعاً, ثقوا تماماً أن بقيتم على هذه الشاكلة سأتحول أنا –وطنكم- إلى وطناً يتقاسمه الغربان والغرباء على حد سواء, ولا تقنطوا أبداً, فلا بد من وجود مضحين ووطنيين وغيورين ومتفانين, وان متُ فتنتظروا بديلي الغير مشتها, حينها سيجلسون كالحديقة في أوج زينتها, وسيتنفسون الهواء العليل, وسيرفعون عن سيقانهم أثوابهم المرصعة بالعار, وسيكون للفوتكا صدارة في جلسات حوارهم, وحينها سيصيح الوطن مجدداً من حسن حظي أن حبي لأبنائي أنقذني من الموت مِرارا, ومن سوء حظي أنني عشت الى هذه اللحظة لأرى التجربة من جديد, أيها الأفاقون, حبكم لي هي كذبتكم الصادقة, الحب لديهم يأتي ويذهب كالبرق والصاعقة. أواه كم أنت مسكين يا وطني أضحيت كالمركون في أحدى زوايا الأزقة, نصف كأسك فارغ, والنصف الأخر مملوء بدماء أبنائك, حتى كراصنة الحانات لم يعد يهتمون بك, فأنت وحيداً, كمن يستقلُ سيارة فارهة من تلك التي يرى من يجلس خلف الزجاج لكنه لا يُرى, في حالة سرمدية أشبه بعجائز الدنيا, ودلائل الساعة, تَرى ولا تُرى, هو حالك يا وطني....أنت ترانا, دون أن تُرى