شفان ابراهيم : البارتي الديمقراطي الكوردستاني –سوريا المفارقة التاريخية عبر أسئلة النهضة

2014-04-13

شفان ابراهيم
لماذا أنجزت أربع أحزاب هذا المشروع القومي الكوردستاني, وفشل غيره حتى
في مجرد التفكير في البدء بمشروع مماثل أو موازٍ, ولماذا بدا الحزب
الديمقراطي الكوردي في سوريا ( البارتي) وإن لم يعد لهذا الاسم وجود على
الصعيد الرسمي, لماذا بدا بهذا المشروع, ولماذا استمر في السعي نحو
انجازه على الرغم من جميع العراقيل, والسلبيات,
والخلافات التي طفحت على
السطح, ولماذا كان يُحارب مشروع الوحدة هذا, في الوقت الذي كانت
الانشقاقات تلقى كلمات ترحيب ومباركة من قبل بعض الأحزاب. إذاً السؤال
النهضوي هو: لماذا بدا البارتي بهذا المشروع, وتخلف غيره من ركب قطار
توحيد الصف الكوردي, وعلى الرغم من شعارات وحدة الصف الكوردي, والبحث عن
آلية وحدوية بين أطراف الحركة الكوردية, لكن أية وحدة هذا دون صورة
للوحدة. وهذا السؤال زائفُ معرفياً؟ لأنه لم يسأل عن مضمون الوحدة عند
البعض الذي تشدق به, بل يدور في حلقة مفرغة, لكن الحلقة المملوءة لدى هذا
البعض؛ هو النيل من مشروع الاتحاد السياسي. ولنكن منصفين فحتى الحزب
المولود من مؤتمر الاتحاد السياسي لم يكن على سياج منيع, ولم يكن مرتكزاً
بشكل كافٍ على العلم والديمقراطية, بمعنى أن هذا المؤتمر أفتقد لمقومات
عديدة كي يكون مؤتمراً يُمكن أن يُقاس عليه عقد مؤتمرات أخرى, وهو ملزم
اليوم بالاهتمام بالعلم والمزيد من الديمقراطية كي يتقدم هذا الحزب. بكل
تأكيد لابد من شروط للتقدم الداخلي في الحزب, وهذه بدورها بحاجة إلى
المعياري الأخلاقي والقيمي, والفهمي, والكفائاتي؛ لبلورة مشروع مؤتمر
جديد بعد فترة لا تتجاوز السنة. هذا الحزب بحاجة إلى وعي المثقف الذي
يقلب الحزب رأساً على عقب, أي أن العقل التثقيفي يصنع التاريخ, وتاريخ
الأحزاب الكوردية يمشي على رأسه وعلى هذا المثقف أن يجعل التاريخ يمشي
على قدميه, وهذا هو وعي المثقف, والمثقف هنا معذور لأنه لم يُقدم على
خطوات جريئة, فهو كان أسير النزعة الاقصائية الحزبية الكوردية, مع القهر
السياسي الأمني, لهذا لم يستطيع وعي المثقف أن يؤسس لوعى حزبي أرقى.
فأصبح التاريخ تاريخ الانقطاع نحو الأدنى وليس للأعلى...علماً أن التاريخ
يجب عليه أن يكون حركة مستمرة صاعدة بمعزلٍ عن التراجع هنا وهناك.
البارتي الديمقراطي الكوردستاني-سوريا يخشى أن يدفع ثمن خطوات التحضير
للمؤتمر وما جرى في قاعة المؤتمر, لكن حتى هذه اللحظة ليست سوى فرقعات
فيسبوكية. وما يتمنى الحزب الوليد أن لا يتجاوز الثمن من سياق الفرقعات
هذه, لكن السؤال الجوهري الأخر هنا: في مؤتمرات أحزاب الإتحاد السياسي
الأربعة, وحتى باقي الأحزاب الكوردية في سوريا, كانت شعارات ونتائج
المؤتمر لا تخرج من سياق الحقوق الثقافية والمواطنة وحقيقة الوجود
الكوردي في سوريا, مع ذلك كانت تلك المؤتمرات تُعتبر مؤتمران ناجحة,
اليوم شعارات المؤتمر التوحيدي تنص وبصراحة على فدرلة سوريا, صيانة
وحماية الصف الكوردي, و (توحيد, تجديد, تعايش). ومع ذلك فإن الشك والريبة
والقلق الوجودي, ومحاولات النيل من هذا الوليد قائمة على قدم وساق, فهل
وصلت بنية المجتمع الكوردي لهذه الدرجة من الانهيار والسخف والعسف
السياسي. وهنا يبرز سؤال ثالث: أين الهزيمة, هل هي في المؤتمرات السابقة
والمطاليب والشعارات الخجولة, أم في المؤتمر الحالي والمطالبة بشبه
الاستقلال الكوردي عبر تبني الفدرالية. على مستوى التاريخ الحزبي الكوردي
في سوريا, الهزائم أنتجت رفضاً لحالة البدء بالمشروع القومي. أما رؤية
هذا الوليد للنور فقد أنتج تشنجاً وقبولاً لحالة الانقسام, فالتاريخ هنا
يستجلى غيمة المزايدات والادعاءات والرياء السياسي, ويعلن بوضوح أن
مخرجات التاريخ الحزبي في سوريا هو مخرجات التراجع, ولا تزال الأفكار
تمثّل بالقطيعة مع الأعلى وليس مع الأدنى, ومن جديد يبرز سؤال أخر لماذا
يرفض البعض هذا المشروع, هذا السؤال مهم لفهم التراجع في التاريخ الحزبي
الكوردي في سوريا, هذا التاريخ بات بحاجة إلى حركة شاقولية وعمودية
ولولبية كي يفسح المجال للإرادة لتُحرك الراكد في العقول. وهنا يبرز من
جديد دور المثقف كي يلعب دور الداعية والشرطي, للمراقبة والضغط والدفع
نحو الأمام. ونخلص من هذه الأسئلة إلى أن ملامح بلورة مشروع قومي كبير,
لا يخلوا من النهضة الثقافية, والحزبية, والشخصية, والفكرية, لابد لها أن
تطفوا على السطح مع أول عمل يقدم عليه هذا الوليد الجديد؛ كي يكون وليداً
ذو صبغة تقدمية قومية, لا وليداً مشوهاً. ولينتقل من حالة الإيديولوجيات
والأفكار العفنة إلى حالة التخطيط الاستراتيجي لكوردستان سوريا, وينتهي
من حالة الانتقال من الأعلى إلى الأسفل, بل يقطع حركة الأحزاب من العالم
المتقدم إلى العالم المتأخر, لتنتج نخب متأثرة بفكر توحيدي نهضوي تقدمي,
لكن أن بقي رهينة الركود التاريخي لن يتمكن من تقديم أي شيء, ولن يقوم
بدور ايجابي حتى لو أنجبت عباقرة لأنه يبقى أفكاراَ على المستوى النظري (
التنظيري). فالأفكار المنتقلة من حزب يرغب بالتغيير والتقدم, لتخترق
مجتمع متفسخ ومنهزم ومنكسر, ستتحول هذه الأفكار إلى جزء لا يتجزأ من وعي
الفكر التحرري, ونقطة البدء للانطلاقة الفعالة لخلق سستام جديد يُزيل عن
كاهلهم عبئ السنين والحرمان الممنهج الذي عايشوه, وحينها ستعيد الأفكار
أنتاج ذاتها لتحقق وحدة الوعي والواقع؛ لصناعة مجتمع جديد يفتقد للدونية.
ومن جديد يبرز السؤال المهم: من سيقوم بهذه الأعمال ضمن هذا الحزب
الجديد؟ بكل تأكيد هو ذاك المثقف النهضوي, وضرورة وجوده في شتى مفاصل
الحزب الجديد, سواء اليوم أو في المؤتمر القادم, وهو بذلك سيجد المناخ
الملائم ليقدم زاداً يمكن البناء عليه, والقطيعة مع ما قبله, هذا البناء
المفقود حتى الآن. إن حاجة الحزب الماسة لوجود النخب الثقافية والفكرية
مع النخب السياسية القديمة والجديدة, ضرورية لدرجة انعدام أي تغيير في
بنية وأجندة الحزب الجديد بدون هذه النخب, وهذه النخب لا ترغب أن تقع
فريسة لمن يصر على وضع العصي في عجلة دوران الحزب, هذه النخب لا ترغب أن
تفقد الحفاظ على ذاتيتها, ولا ترغب في خوض عناء البحث عن وجودها الذاتي
وسط غابة من الاقصائيين, وهو الوسط الذي تخشى النخب من استمراريته.