شفان ابراهيم : غرب كوردستان والخطاب القومي المفقود

2013-10-19

Shivan46@gmail.comشفان إبراهيم
من خلال سياق السعي نحو الحق الكوردي, حزبياً أو جماهيرياً, يُلاحظ أن الكورد يقضون جل وقتهم في تقديم التبريرات والحجج والدلائل لمن يفترض بهم أن يكونوا شركاء المصير والوطن لإجلاء تهمة الانفصال عن أنفسهم وعن الشعب, وكأن الانفصال تهمة جنائية وشنيعة, لدرجة أن مخيلة الكوردي قد دأبت على التصوف وبمفهوم الدروشة البسيطة, والضعيفة, والمسحوقة أمام الطرف الأخر.

تُرى ألا يجدر بالكورد والذاكرة الكوردية والسياسة الكوردية ومن منطلق أنها مكثت تحت القمع لأكثر من نصف قرن, أن تكون لها ردة فعل قوية ضد من حاول ولا يزال يحاول, وسيبقى يحاول إنكار وجودها قومياً, ولماذا بقي الكوردي يلوم الأنظمة الحاكمة فقط, أليست تلك الأنظمة أيضا هي من تحمي القومية الأخرى المشاركة للكورد في حكم ديارهم, ولو تجرا أحد مثلي على توجيه أصابع الاتهام للآخر بالسعي الدائم نحو محو وجودي من ارضي, سيسارع الكورد بزخم أكثر من الأخر للدفاع عنهم, وتبرئة ممارساتهم وتجريدها من سياقها التاريخي.

وإذا بقينا متمتعين بعقلية الاستغباء الذاتي, والاكتفاء بالمظلومية الباطنية وإصرار العقل الكوردي على عدم استخراج هذه المظلومية للاستفادة منها, والإصرار أيضا على إبقاء سنين الكبت والحرمان في عالمه الجواني فقط, وعدم استخراجها إلى الملأ والاستفادة منها في الواقع العياني, والاستمرار في تقديم التبريرات لتبييض صفحة الأخر وتبرئته من ممارسات النظام, حينها سيكون من الطبيعي أن يبقى الأخر حاكم لنا حتى في أقاليمنا.

إن مطاليب الكورد كالحكم الذاتي, أو الفدرالية, أو الإدارة الذاتية, أو اللامركزية السياسية, كلها تحمل بين طياتها الضعف والاستكانة أكثر ما تحمل من قوة أو رفع من سقف المطاليب الكوردية, أو لنقل رضوخاً للظروف الدولية, لأنها ببساطة بمثابة تنازل أو تأجيل الدولة الكوردية المستقلة, أو على اقل تقدير هي محاولة إيجاد صيغة لتفاهم المشترك بين طرفي نقيض في لعبة أفسح الكورد المجال للأخر أن يكون شريكا لهم في حصتهم الخاصة بهم, خاصة وإذا علمنا أن الكورد وحتى هذه اللحظة غير مقتنعين بضرورة تواجد مشروع قومي كوردي.

إن اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت كوردستان, وأوجدت دول جديدة كسورية والعراق, وحتى قبل ذالك لم يشهد التاريخ أي وجود لأي كيان سياسي باسم دولة سورية, بل انه لم يغلب على شعوب تلك المنطقة أية طابع قومي مشترك عدا الكورد, مع ذلك نجد الساسة الكورد خجولون في\من مطاليبهم, فحين يطالب الكوردي بالفدرالية فأنه يرسل برسالة واضحة مفادها: إنه لم يعد يطيق العيش تحت وصاية الأخر وفي كنف رعايته, لكن مع ذلك فإن غرب كوردستان مازالت أسيرة فقاقيع التضحية المجانية, وهي تختلف عن الحالة الكوردية في جنوب كوردستان التي طالبت الأغلبية الساحقة من شعبها بالاستقلال إبان مرحلة الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003, لكن ماذا لو سُئل الشعب الكوردي في غرب كوردستان عن رغبته في الاستقلال هل ستكون النتيجة مشابهة, أو مقبولة إلى النسبة المئوية المطالبة بالاستقلال في جنوب كوردستان, اعتقد انه لن نجد تقارب النسبتين, علماً أن غرب كوردستان يعتبر بمثابة نبع الفكر القومي لكنه للأسف مقموع ومشتت, وحتى هذه اللحظة لم تتفق حركته السياسية على أي بند يتعلق بالمستقبل الكوردي في سوريا

فالشعب في غرب كوردستان كان ولا يزال بمثابة حطب جميع الثورات التي اندلعت في الأجزاء الثلاث الأخرى من كوردستان. إن عدم أتفاق الكورد في غرب كوردستان على قيام دولة كوردية يعود إلى حالة التسوس الفكري, والتشويش السياسي, إضافة الى الفكر الحزبي المتسلط, وعدم مقدرتهم من الخروج من عباءة الفكر المتردد, والكلاسيكي, والمتصدع, إضافة إلى العمل على تقزيم الفكر القومي لدى الشباب الكورد.

على الدوام شعر الكورد بضرورة تقديم البراهين على انه ليس انفصاليا, مع العلم أن الكورد يحق لهم حتى الانفصال وقيام دولة كوردية, فغرب كوردستان كما باقي أجزاء كوردستان قد ألحقت بالدول التي جزأتها بفعل السياسات الدولية والاتفاقيات الاستعمارية ولم يكن للكورد أي دور أو رأي أو رغبة أو حتى مجرد الاستشارة به, واليوم مطلوب من الأخر أن يقدم الأدلة التي تثبت عدم مشاركتهم في ممارسات النظام, وتبرئتهم من شراكتهم في قمع واضطهاد الكورد, وعليهم بناء على ذلك تقديم ما يثبت انفصالهم عن ذهنية وعقلية النظام من جهة, ومن جهة أخرى تقديم ما يثبت رغبتهم في إعادة أعمار وبناء سورية جديدة بعيدة عن فكرة تأمر الكورد وعقلية الانفصال, والركون الى قاعدة التشارك الحقيقي للمستقبل.

إن الكورد بحاجة ماسة إلى خطاب قومي متشدد في مطاليبه القومية, على أقل تقدير للمرحلة الراهنة, وصحيح أن الكورد في جميع الأجزاء محكومون بالتوافق سياسياً مع –شركائهم- لكن أي توافق لا يضمن السيادة الكوردية على أرضه التاريخية, ولا يضمن أحقية وجود أقاليم كوردية في الدول الأربعة, فإنها ستكون محط سخط ورفض كوردي, فإما أن يكف الأخر عن عقلية التخوين وتهمة الانفصال والجيب العميل, أو بتصوري على الكورد عدم تقبل أي آخر غير كوردي في أي مركز أو سلطة على اقل تقدير جماهيريا, وهي ستكون بمثابة رد عملي على مراكز التخوين ضد الكوردي, وحتى بالنسبة للفكر القومي الكوردي فإنه ليس رد فعل على ممارسات الإقصاء, بل أنها نابعة من حقيقة تاريخية, وكحالة سوية صحية, نابعة من تصميم جماهيري كوردستاني. وحالة الاندهاش والتشكيك من الطرف الأخر حول سبب وجود وعي وهدف قومي كوردي, سيكون بمثابة النسف للعيش المشترك المُراد تحقيقه.



ارسل تعليق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.