من يوميات شهيد...

رد واحد [اخر رد]
User offline. Last seen سنة واحدة 30 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 28/02/2011

أسمي فارس الحوت

رقيب مجند,كان من المفترض إن خدمتي الإلزامية قد إنتهت منذ ما يقارب الستة أشهر ,ولكنهم إحتفظوا بنا حتى إشعار آخر,أو حتى تطهير البلاد من الإرهابيين كما يقولون,

إستشهدت في جمعة,,صمتكم يقتلنا,, تلقينا الأوامر بإغلاق كل الشوارع الفرعية والشارع الرئيسي المؤدية الى دوار الساحة,في هذا الحين كان سيلا من البشر يقترب من بعيد يإتجاه الدوار,وكلما إقترب الحشد كنت تشاهد قمصانهم الملونة أكثر وتستطيع أن تميز وجوههم اليافعة الفتية أكثر,وعلى مسافة خمسين متر تقريبا,إرتفع صوت العقيد أبو أمجد عاليا

يا شباب بس يتقدم هدول الخونة الإرهابيين متر تاني بتطلقوا عليهم النار مفهوم؟

ولكن سيل الشباب الضخم كتن يتقدم جريئا مطلقا الهتافات ورافعا لافتاته وأعلامه,وفي اللحظة التالية أوعز العقيد أبو أمجد بإطلاق النار,في هذه اللحظة كان قلبي يدق سريعا,وأحسست بيدي مشلولة حتى إني لم أكن قادرا على رفع سلاحي,صرخ العقيد أبو أمجد

رقيب فارس شو فيك ليش ما عم تطلق النار؟

رددت عليه دون إرادة مني وبعصبية لم أقصدها تماما,أو أتوقعها

سيدي وين الإرهابيين,اي ما بشوف بإيدهم حتى سكين مطبخ,بقى و ين الإرهابيين يا سيدي؟

في نفس اللحظة التي التي كنت أسمع فيها صوت العقيد أبو أمجد وهو ينعتني بالجبان والمندس وخائن الوطن,أرتطمت رصاصتان بعمودي ورقبتي,سقطت أرضا,كنت أرى السماء وهي تدور حولي,والأحذية العسكريةووأسمع الصراخ الذي لم أعد أفهم منه شيئا,ثم مت بعدها بعيون مفتوحة,ولكن المدهش في الأمر إنني كنت أشاهد كل شيء,أشاهد نفسي مضرجا بالدم الغزير الذي سال من جسدي ولم أكن أحس بالألم,ولكني لم أكن قادرا أن أحرك جسدي وكأني فقدت السيطرة على كل جسمي,سمعت العقيد أبو أمجد وهو يقول

خدوه لهل الكلب الخاين

رموني ككيس من الطحين في خلفية سيارة بيك آب رصاصية اللون,إرتطم رأسي بصاج أرضية السيارة بقوة,وأصدر طنينا عاليا,في وقت ما وصلنا الى المستشفى,قلت في نفسي والله جابوك متاخر يا أبو الفوارس,حملوني بطريقةغير مهذبة,كان نصف بطني وصرتي خارجا,وإنزلق البنطال عن نصف مؤخرتي,حاولت أن أرفع بنطالي ولكن عبث,لقد كنت ميتا,والموتى لا يستطيعون فعل شيء,في غرفة الموتى تعرفت على للمرة الأولى على المساعد أبو سطيف الذي تولى مهمة نبش جيوبي وسرقة ساعتي وخاتم الخطوبة الذي كنت ألبسه والنقود المتبقية في محفظتي قبل أن يدخلني الى براد الموتى,رغم ذلك أحببت أبو سطيف الذي كان يعاملني معاملة الأحياء,والذي حكى آخر النكات التي سمعها مؤخرا وهو يضحك,ضحكت معه ولكنه لم يسمع ضحكي وبقي وجهي ميتا ولا يضحك,هكذا هو حال الموتى,في براد الموتى المظلم تأكدت باني ميت وأدركت إنها النهاية الحتمية,وحزنت على شبابي وعلى أمي وأهلي وخطيبتي,لم أكن أدري أن ما سوف يحدث لي في مماتي سوف يكون أكثر هولا وإثارة بمئات المرات بما جرى لي طوال حياتي عندما كنت حيا

رغم أن براد الموتى كان ضيقا ومظلما,لكني لأول مرة أحس بالهدوء والراحة بعد شهور,ولكن هذه الراحة لم تدم طويلا,فسرعان ما سمعت هرج ومرج داخل غرفة الموتى,عرفت صوت أبو سطيف أولا,وعرفت إن بين المتحدثين ضابط كبير يوجه أوامره لأبو سطيف بتحضير مجموعة من الموتى للتصوير,لم أفهم الموضوع أول تماما إلا بعد أن أخرجونا من البرادات,طلب الضابط مجموعة من الموتى بأعمار مختلفة,تعرفت على جيراني الموتى لأول مرة وأحسست ببعض من الراحة وعدم العزلة,كان بيننا نساء وأطفال وكبار في السن,وضعونا في نهاية عربة مغلقة,وبعد وقت قصير أنزلونا في بيت كان يبدو عليه مشاهد الدمار والتكسير وآثار الطلقات والدماء على الجدران,بعثرونا على أرضية البيت بشكل فوضوي,أحسست بالإرتباك عندما دخل طاقم التصوير,كانت المرة الأولى التي اقف فيها أمام كاميرا التلفزيون وكان هذا الأمر يجعلني أرتبك,دخل المذيع,حاولت أن أعدل من وضعيتي و أرتب هندامي قليلا ولكن دون جدوى,والأمر الأكثر إحراجا هو أن يد أحد الرفاق الموتى كان قد سقط سهوا على منطقة ذكوريتي,أحسست بالخجل الشديد والمصور يصورنا فردا فردا وبكامل التفاصيل,بينما المذيع يشرح للمشاهدين المجزرة التي إرتكبها الإرهابيين بحق المواطنين العزل الآمنين,بعد الإنتهاء من التصوير,أمر الضابط بإرجاعنا الى المشفى ثانية أحسست ببراحة لاتوصف بعد هذا الفصل الناقص,إستقبلنا أبو سطيف مرحا كعادته,أحسست بأن أبو سطيف يكن لي مودة خاصة,عندما وقف قبالتي مبتسما ينظر الى عيوني المفتوحة الذابلة قبل أن يعيدني الى براد الموتى وهو يقول

لك شو يا ضرسان,ولك صاير أشهر من جون ترافولتا ها,لك تصوير وإكشن وتلفزيون وجمهور,لك نيالك يا عم بكرا تكون بكل التلفزيونات وقنوات الأخبار

لم أكن أدري كم من الوقت نمت في البراد,ربما كانت أياما,ربما أسابيع لا أدري أن تكون ميتا وفي براد الموتى فإن الوقت عندك سيان وبلا معنى,فالموتى يفقدون الإحساس بالوقت والزمن,في لحظة ما فتح أبو سطيف البراد مازحا كعادته

يالله خيو,جون ترافولتا,حاجتك كسل,لك قوم في عندنا تصوير,يالله هزلي حالك

هذه المرة حشرونا في غرفة ضيقة عارية الجدران,كنا مغطين ببطانيات لاتظهر منا سوى أقدامنا وشعر رؤوسنا,بينما جلس ثلاثة رجال بوجوه عابسة ولحى نابتة وبفانيلات داخلية بيضاء متسخة قليلا,بعد قليل دخل المذيع الذي أعتدت على وجوده قليلا,وقف أمامنا كعادته متوجها للمشاهدين من خلال الكاميرا,يشرح كيف إن قوات الجيش البواسل ألقت القبض على خلية من الجماعات الإرهابية,التي روعت الناس وألقت الرعب في قلوب المواطنين الآمنين,وأنهم سوف يبثون في حلقة خاصة إعترافات الذين ألقي القبض عليهم

عندما أعادونا الى المشفى,كان أبو سطيف غاضبا مني هذه المرة,أو على الأقل لعب دور الغاضب وهو يقول لي

إرهابي ,يخرب بيتك

أمسك أبو سطيف بإذني وشدها نحو الأسفل

هاي آخر مرة بشوفك فيها إرهابي ,وترعب المدنيين مفهوم؟اي بشرفي راح أرفعك فلقة عمرك ما أكلتها إذا بتصير إرهابي مرة تانية

ثم دفعني الى داخل براد الموتى,وأغلق الباب

مرة من المرات,ربما كان ذلك بعد إسبوع من الزمن لا أدري,فتح أبو سطيف البراد مسرورا ومبتهجا,كان يتكلم بسرعة وهو يلوح بكتافيات برتبة عقيد ركن في وجهي وهو يقول

أبو الفوارس قوم,جايبلك دور اي رشدي أباظة بزمانو ما كان يحلم فيها,لك شوف دور عقيد ركن,يخرب بيتك من رقيب مجند لرتبة عقيد ركن,اي والله ما حدا قدر يعملها غيرك

ثم خفض صوته قليلا وهو يلتفت حوله,ثم همس لي بعد أن قرب فمه من أذني

ولك المعلم الكبير ما قدر يعملها,هههههههههه

ألبسني أبو سطيف بدلة جديدة ملوثة ببعض الدم,ثم وضع رتب العقيد الركن على كتفي,ثم إبتعد قليلا وهو يؤدي التحية العسكرية ضاحكا

إحترامي سيادة العقيد,والله بتلبقلك الرتب يا فصعون,ما كنت مفكرك هيك شخصية

وضعوني في الكرسي الخلفي لسيارة جيب عسكرية واقفة أمام مبنى المخابرات,بينما كان يجلس في مكان السائق شاب صغير بملابس عسكرية مهلهلة,,ميت مثلي,مصاب بطلق ناري في خلفية رأسه,بعد ذلك بلحظات عم هدوء شامل على المكان المحيط,وفرغت المنطقة من العسكريين الذين كانوا في المكان قبل ذلك بقليل,لم أفهم الموضوع إلا بعد ذلك,عم إنفجار ضخم هز المكان و إمتلئ المساحة بالغبار والدخان,ولكن بعد دقائق قليلة إمتلئ المكان مرة أخرى بحشد كثير من الناس,وسيارات الإسعاف وكاميرا التلفزيون المحلي مرة أخرى التي ركزت بشكل خاص على تصويرنا وتصوير سيارتنا المتضررة بشكل كبير من جراء الإنفجار,وصديقنا المذيع الذي بدأ يغطي الحدث بعصبية متصنعة يوزع الإتهامات على الجماعات الإرهابية وجهات خارجية ومؤامرة كونية

في اليوم الثاني جهزوا لي جنازة مهيبة,صفوف من الجنود الحزنين على شيء ما,موسيقى عسكرية جنائزية,وكلمات تأبين

كان التلفزيون المحلي حريصا كعادته على نقلها مباشرة وبكل تفاصيلها المملة,وبعد إنتهاء مراسيم التأبين بفترة ليست طويلة كنت عند صديقي أبو سطيف مرة أخرى,والذي رحب بي ترحيبا حارا أكثر من المعتاد هذه المرة,متحدثا عن الإنفجار الذي مت فيه للمرة الرابعة وعن تفاصيلها في التلفزيون وعن دوري الناجح الذي قمت به,كان أبو سطيف يضفي علي ألقاب النجومية,قبل أن يغلق باب براد الموتى ويتركني مزهوا بملابسي الجديدة وبالنسر والنجمتين على أكتافي

كنت أظن إن ما جرى لي بعد إستشهادي وخلال الأيام,أو الأسابيع الماضية ليس سوى حلم,أو ربما هو سيناريو قصة من بنات أفكار وخيال مخرج هوليودي,ولكن ما جرى لي بعد ذلك كان أعظم من كل تصور وتوقع وخيال

في ذلك اليوم الأخير,سمعت صوت العقيد أبو أمجد,إستطعت أن أميز صوته من بين مجموعة الأصوات المتداخلة,صوت قاتلي,كان يتحدث مع أبو سطيف عن مقتل مجند كردي من منطقة الجزيرة,ينتمي لعائلة كبيرة وإختفاء جثته,وتفاديا لحدوث صدامات مع الأكراد طلب العقيد أبو أمجد من أبو سطيف أن يخرج له جثة أخرى تكون في عمر الجثة المفقودة ليرسلها إلى عائلة الجندي الكردي,طبعا أنا الرقيب فارس الحوت الشخص المناسب في المكان المناسب لأداء هذه المهمة,حاولت أن أرفض,ولكن الموتى لايستطيعون الرفض,ولا أحد يسمع الموتى,لذا بعد لحظات كنت خارج براد الموتى برتب العقيد الركن التي نزعوها عني مرة أخرى و أعادوني الى رتبة جندي,في هذه اللحظة تدخل شاب برتبة ملازم كان صامتا طوال الوقت,بعد أن طلب الإذن من العقيد أبو أمجد لشرح فكرته المناسبة لهذا الموقف,علل الملازم فكرته بأنه ربما يفتح أهل المجند التابوت ويكتشفون بأن الميت الذي داخل التابوت هو ليس إبنهم,لذا طلب من العقيد أبو أمجد أن يرشوني ببعض من البنزين حتى تتشوه ملامح الجثة بحيث لا يتعرف عليها أحد,حاولت مرة أخرى ان أصرخ وأعترض وأستنكر وأقول

يخرب بيتكم تريدون حرقي بالحياة

ولكن هيهات,لا أحد يسمع الموتى,أعجب العقيد أبو أمجد بالفكرة,في الفسحة الخلفية الضيقة للمشفى,أشعلوا جسدي بالنار والبنزين,لأول مرة أرى أبو سطيف حزينا وهو يراقب جسدي المشتعل وهو يقول للعقيد أبو أمجد

سيدي خلص خلي يطفوه ,إي والله صار كباب يا سيدي

لن أتحدث عن الرحلة الطويلة لجسدي المشوي الى الشمال,في وقت ما وصلنا الى لوحة معدنية كبيرة مكتوب عليها بالخط الكبير,,القامشلي ترحب بكم,,عرفت بإنني في القامشلي والتي أزورها للمرة أولى في حياتي,حشود عظيمة كانت تنتظر جنازتي على مداخل المدينة,وأصبحت سيارتنا تتحرك ببطئ شديد,وكلما تقدمنا نحو داخل المدينة كانت جنازتي تكبر أكثر وأكثر,مجموعات تنضم الى الجمع الغفير,هتافات بالعربية لإسقاط النظام أفهمها وأخرى بالكردية لاأفهمها,بعد مسافة طويلة ووقت بطيء وصلنا الى المقبرة

عندما أنزلوا تابوتي,إنهمر علي أخوتي وأخواتي,سقطت أمي الكردية على خشب تابوتي,يبكون بحرقة وألم,ويتحدثون الي باللغة الكردية,في هذه اللحظات تمنيت لو يتكلمون بالعربية قليلا أو بالإنكليزية التي أفهم منها قليلا حتى أفهم منهم شيئا ما,وفي اللحظة ذاتها ندمت كثيرا لأنني لم أتعلم اللغة الكردية رغم إن كثيرون من أصدقائي كانوا من الأكراد في المدرسة وفي المعهد وحتى في الحياة العادية,ولكن لم أحاول يوما أن أتعلم هذه اللغة الأقرب مني أكثر من أية لغة,أحسست بالضيق وهم يبكون بهذه الحرقة علي وأنا لا أفهم منهم شيئا

وأنا أكتب يومياتي هذه من المقبرة,تأتي أمي الكردية كل يوم ترش تراب قبري بالماء,وتبكي بهدوء,إنها تشبه أمي كثيرا ليس بملامحها ولكن بحنانها وجمال يديها ودفء روحها,إنها تشبه أمي كثيرا بنبرة صوتها,رغم إني لا أعرف ما تقوله لي وهي تحدثني باللغة الكردية,ولكني أحس كثيرا ما تقوله لي,وأحس الحزن في عيونها الذي يشبه الحزن في عيون أمي

فكرت هذا النهار كثيرا,وتخيلت بأن ذلك الشاب الكردي قد دفن في مقبرة ما,ربما أخذت جثته الى بيتنا بدلا عني وربما بكت أمي وأخوتي وخطيبتي عليه,ورشوا تراب قبره بالماء كما تفعل أمي الكردي

حينها أحسست بأن هذه الأرض تتسع للجميع,وهذه السماء سقف يغطي الجميع بنفس القدر من الحنان والمساواة

عذرا لن أستطيع أن أكتب لكم المزيد,لأنني أرى أمي الكردية تأتي من بعيد وبيدها إبريق الماء,لقد جاءت أمي توزع الحنان على المقبرة

عثمان حمو

مشترك منذ تاريخ: 27/09/2007

قصة شهيد تحاكي الواقع بكل تفاصيله
انها تدمي القلب
كل التقدير

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

علمتنا الحياة أن ندفع ثمن كل ابتسامة سيلا من الدموع