اعرف نفسك...

رد واحد [اخر رد]
User offline. Last seen سنة واحدة 26 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 28/02/2011

ثمة أمور لا اختيار لنا فيها .. فأن نأتي إلى هذه الدنيا أمر لم نخطط له مسبقا .. ومجرد قول هذا يوقعنا في تناقض من نوع : ( وجدت قبل أن أوجد ) .

إذن .. يسقط رأس أحدنا في مكان ما وزمان ما .. وتفرض عليه الكثير من السلطات . فهو أولا محكوم بمدى وعي مجتمعه وإدراكه .. الذي سيتقبله ويشربه مع الحليب عن طريق التربية .. لنسجل إذن .. أن أول سلطة تمارس علينا هي سلطة المربين . وكما أن هذا خاضع لسلطة التربية ، فهو خاضع للوسائط التي تنقل هذه التربية .. واقصد بها اللغة . فاللغة ليست شيئا بريئا يتم التعاطي معه بهذه السهولة .. بل اللغة تحدد أو تشارك على الأقل في تحديد نظرتنا للوجود . هذا من ناحية عامة .

فالتربية .. هي عملية نقل للمفاهيم والعادات والتقاليد والأديان من جيل لآخر .. يقوم بتدشين هذا الدور أرباب الأسر والقائمين على دور التربية . عملية النقل هذه قد تكون واعية او تتم بعفوية . فالأب حين يعلم ابنه كيفية أداء الصلاة ، فهو يقوم بفعل واع .. الغرض منه تعليم الابن كيفية عبادة الله . ولكن ارتداء لباس محلي او التقيد بأنظمة معينة في المأكل والمشرب فإن الطفل يقوم باكتسابها عن طريق الممارسة اليومية وتقليد المحيط الذي حوله .ومن هنا تأتي سلطة المربي وتحديد إدراك العقل وتأطير الفكر .

فالمسيحي ..مثلا .. عندما يقوم بتعليم ابنه كيف يؤدي طقوس العبادة في الكنيسة . فهو يقوم بنقل ما يعتبره هو حقيقة .. ويحاول تأصيل هذه الحقيقة لدى هذا الطفل بوسيلة ( ملتوية ) تنطلق من ثقة هذا الطفل به . فهو لم يمارس معه عملية إقناع .. بحجة أن هذا الطفل لم يصل للمستوى الذي يمكن معه إقناعه . فيتم فرض ( الحقيقة ) فرضا .. عن طريق التربية .. دون الإلتفات لهذه الحقيقة ومدى شرعية اتصافها بصفة الحقيقة . فينشأ الطفل بهذا الإعتقاد .. محاربا غيره .. لمجرد أن من يثق به قد غرس هذه الحقيقة فيه . هذه السلطة الأولى التي تمارس علينا وتفرض علينا .. وهي ضريبة الإجتماع الإنساني .

واللغة .. هي أيضا سلطة . فاللغة يحكمها منطقها الخاص .. أو نحوها الخاص . الذي تترتب فيه الكلمات بحيث تعطي ترتيبا صحيحا ، هذه الصحة تعني أن هذا الترتيب من الكلمات يعطي معنى يمكن فهمه . هذا من جهة .. ومن جهة أخرى تمارس مفردات اللغة سلطة على عقولنا بما تحويه من مضامين تؤطر رؤيتنا للأشياء . فكلمة كالـ( إصلاح ) مثلا .. وهي كلمة دارجة هذه الأيام يتم من خلالها قتل الأنفس والأفكار ومحاكمة العقول . فهي تحمل حدودها معها .. فإصلاح الشيء .. لا يعني شيئا سوى : إعادته لصيغته السابقة .. السابقة .. أي قبل أن يطرا عليها الفساد . كلمة : الإصلاح .. تفترض في أصول الأشياء السلامة وأن الفساد طارئ عليها .. وما علينا سوى إصلاح هذا الفساد دون المساس بالأصول التي تفترض هذه الكلمة سلامتها . هذا مثال يوضح سلطة اللغة علينا ... فكلمات مصيرية في حياتنا كالـ( الدين )  ( العقل )  ( الأخلاق ) ( السياسة )- وهذه بالمناسبة تعود للأصل ساس .. المأخوذة من رعي الأغنام ، وهي تفترض بالقائد الحكمة والعقل والمشكلة فيها تتعلق بالرعية المماثلين للأغنام وكيفية ( سياستهم ) .. فلا مشكلة بالنسبة للقائد - ...إلخ .. كلها تقوم بممارسة سلطتها علينا دون التفات منا لما تحويه من محددات . هذه هي سلطة اللغة .. وهي ضريبة التواصل الإنساني .

ما علاقة هذا الكلام .. بمقولة ( سقراط ) التي صدرنا بها المقال ؟
( اعرف نفسك ) .. تعني : خلص نفسك من هذه السلطة وتلك .. انظر لنفسك بمعزل عن تأثيرها .. أعد النظر مرارا فيها .. راجعها .. تأكد من حقيقتها . اخضعها كلها تحت المجهر . أو بمعنى أشمل .. قم بممارسة ( النقد ) عليها . النقد الذي لا يرحم الباطل ويطئطئ رأسه احتراما للحقيقة .. والتي ليست بالضرورة أن تكون حقيقة موضوعية .

معرفة النفس تتطلب .. أول ما تتطلب .. الشجاعة والصدق
فهل تمتلكهما .. عزيزي القارئ .. وتسال نفسك السؤال الأول : من انا ؟

* مثال مقتبس من مقالة لمحمد عابد الجابري
 

صورة  روشدار's
User offline. Last seen 3 سنة 31 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 22/04/2009

كما عودتنا سر الحب مقال مميز يستحق التمعن فيها بعمق .
سلمت يداك على الجهود المبذول

لا تكن وتراًً يعزف عليه الحياة ... بل كن عازفاً يعزف على أوتار الحياة أجمل الألحان