nuchka 4

رد واحد [اخر رد]
صورة  baranaran19911's
User offline. Last seen 7 سنة 13 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 25/07/2009

24 شباط
هذا الشتاء كان بارداً جداً ، نزلت امطار غزيرة قلما تنزل في الصحراء ، وخفف حدة البرد توفر بعض الالبسة وخاصة الجوارب الصوفية .
مضى هذا الشتاء كما مضت الشتاءات الاخرى قبله ، عشرة شتاءات وانا جالس في نفس المكان ، ضمن نفس الجدران ، الى جانبي الباب الاسود ذاته ، تغيرت كثير من الوجوه حولي ،الفرقة الفدائية التي كانت تقوم بادخال الطعام والتطوع للذهاب لتلقي العقوبات بدلاً عن المرضى وكبار السن ، والتي كانت موجودة لحظة قدومي الى المهجع ، لم يبق منها احد ، اما شنقاً او قتلاً او مرضاً ، ذهبوا ... غابوا جميعاً ، ابو حسين رئيس المهجع الحالي اصبح حاجباه ابيضين ولم يكن بهما اية شعرة بيضاء، رغم انني ارى الجميع يومياً ولكني باسترجاع صورهم قبل عشر سنوات ، استطيع ان المح اثار الزمن واثار المعاناة على وجوههم ، ترى كيف اصبح وجهي ؟!.
لو كسرة من مرآة .
لا نعرف شيئاً مطلقاً عما يجري في عالم ما هو خارج هذا المهجع ، حتى القادمين الجدد لم يكونوا يأتون من الحياة مباشرة ، اغلبهم يكون قد امضى سنتين او ثلاثة او اربعة في مراكز المخابرات، وهؤلاء على الاغلب من قيادات التنظيمات ، يبقونهم في فروع المخابرات لضرورات التحقيق ، رغم ذلك فان المساجين يظلون اياماً عديدة يسألونهم عن الجديد من الاخبار ، فالاخبار قبل سنتين او اربعة تعتبر جديدة وطازجة قياساً باخبار ما قبل عشر سنوات .
 
من هؤلاء القادمين الجدد " ابو القعقاع " واحد من أمراء الجماعة المتشددة ، وكان كما فهمت بطلاً من ابطال العمليات العسكرية التي قام بها التنظيم ضد السلطات الحكومية ، وانه كان المخطط والمنفذ لمجموعة من الاعمال الجريئة التي القت الرعب في صفوف رجال الامن والمخابرات .
لكن بعد ذلك سرى همس خافت داخل المهجع بين اشخاص من التنظيمات الاخرى تقول : انه كان جباناً جداً في التحقيق وان تعاونه مع المخابرات واعترافاته امامهم ادت الى القاء القبض على كامل اللواء الذي كان يقوده وعدده اربعمائة مقاتل ، وقد اعدموا جميعاً ، وان هؤلاء المقاتلين كانوا ناقمين جداً عليه ، وعدّوه خائناً واقسموا يميناً جماعياً " ان أي واحد منهم سيخرج من السجن فان اول عمل يجب ان يقوم به هو تصفية ابو القعقاع " .
ولكن لم يخرج أي واحد منهم .
بمجئ ابو القعقاع فقد المهجع هدوءه وسلامه الداخلي .
كان اول ما فعله ابو القعقاع هو تعرفه على اعضاء التنظيم ، وهؤلاء كانوا قد اصبحوا اقلية في المهجع نتيجة النزيف المستمر بين صفوفهم ، وهم بالكاد يعدون اربعين شخصاً ، لم يكن يعرف في البداية أياً منهم ، فلم يسبق ان كان تحت امرته واحد من الموجودين هنا ، بعد ان تعرف عليهم زارهم واحداً واحداً ، خلال يومين كان ينتقل من فراش الى فراش ، بعد ذلك اخذ يعقد اجتماعات ، في اول اجتماع لاول مجموعة لاحظ انهم متحفظون تجاهه ، ودون ان يساله احد ، بدأ برواية طريقة اعتقاله والتحقيق معه واكثر حديثه كان بالعربية الفصحى :
" ... وهيك استمر تبادل اطلاق النار بيننا وبينهم اربع ساعات ، كنا نحن في الطابق الرابع وكانوا قد احتلوا جميع الاسطحة والشوارع المحيطة ببنايتنا ، بدأت ذخيرتنا تنفذ ، وكان معي ثلاثة اخوة عليهم رحمة الله، الفاتحة على روحهم يا اخواني – وقرأ جميع الحاضرين الفاتحة ومسحوا وجوههم - ، كل واحد من الشباب استلم شباك من شبابيك البيت ، انا استلمت الباب ، منعت اياً من المجرمين الصعود و النزول على الدرج ، لكن بعد اربع ساعات استخدموا ضدنا الـ - ار، بي ، جي - ، ادخلوا القذيفة من احد الشبابيك ، انا انقذفت على الدرج ولم اصب ، اما الشباب الثلاثة - صمت قصير - اللهم اجعل مثواهم الجنة - آمين - عندها قررت الانسحاب من الحركة رغم الحصار ، حملت معي خمسة مخازن ونزلت على الدرج ، كل عسكري كان قدامي بعثته الى جهنم ، صرت بالشارع ، ركضت وانا ارش الطلقات يميناً وشمالاً حتى اصبت ، واحد كلب كان بزاوية الشارع وجه لي صلية رصاص ، اصبت بثلاث طلقات ، واحدة في الفخذ باللحم ما صابت العظم ، واحدة مسحت راسي مسحاً فوق الاذن - هاي محلها - واراهم خطاً طولانياً فوق الاذن خالياً من الشعر، الثالثة اصابت صدري فوق الرئة اليمنى وخرجت من ظهري - خلع قميصه وبان مكان دخول الطلقة ، حفرة صغيرة ، ومكان خروجها ، حفرة كبيرة - ، وقعت على الارض وطارت البارودة من يدي ، مديت يدي لكي اسحب قنبلة يدوية ... ما لحقت ، كانوا صاروا فوقي والسبطانات موجهة الى رأسي .
مباشرة اخذوني الى فرع المخابرات ، لم يضمدوا جروحي ، ابتدؤوا التحقيق فوراً ، رفضت الاجابة على أي سؤال اذا لم يتم اسعافي الى المشفى ، قال لي ضابط التحقيق وهو يبتسم :
-         تكرم شواربك وذقنك ... هلق راح نسعفك !.
احضروا حبلاً رفيعاً ومتيناً ضموه في مسلّة كبيرة وادخلوا المسلّة في مكان دخول الطلقة واخرجوها من مكان خروجها والحبل وراءها، سحبوا الحبل وعقدوه عقدة متينة ثم رفعوني وعلقوني بواسطة الحبل ، أخذ الحبل يحز اللحم وأحسست انني سأشنق ، غبت عن الوعي عدة مرات وهم يرشقوني بالماء لأصحو ، كانوا يريدون معلومات سريعة ، رغم ذلك رفضت أن أعطيهم حتى اسمي ، كانت الآلام فوق طاقة البشر ، ويبدو أن عظم الكتف قد أوقف الحبل، أصبح ثقل جسمي كله عليه ، بدأ ينزاح من مكانه ، ولحد الآن فإن وضع كتفي ويدي غير طبيعي .
لم يدم الأمر طويلا لأنهم في هذه الفترة كانوا قد فتشوا الشقة ووجدوا جميع وثائقنا وسجلاتنا ، لطالما كنت أحذر المسؤول المالي ـ رحمه الله وسامحه ـ ألا يحتفظ بأية وثيقة ، لكنهم وجدوا سجلا كان قد دون فيه أسماء جميع الإخوة ومصاريفهم ، أجور الشقق التي يسكنونها وعقود الايجار الخاصة بكل شقة ... من خلال هذا السجل وفي الليل كانوا قد اعتقلوا الجميع . "
كان يتكلم بطريقة سردية عادية ، لا تحمل أية نبرة للدفاع وكأنه غير متهم البتة ، وسرعان ما تجاوز موضوع الاعتقال وتوابعه وابتدأ حديثا دينيا متينا عن الإيمان وقوته والجهاد وضرورته ، معاني الاستشهاد ، الدار الآخرة ، الجنة ومحتوياتها ، ولم ينقض هذا اليوم الا وكان قد أصبح زعيما لا يناقش ، والتفت الجماعة المتشددة حوله بقوة .
خلال العشرة أيام التالية بدأ بالمجموعات الأخرى ، خاصة المجموعة التي ينتمي اليها الشيخ محمود والدكتور زاهي ، وهي مجموعة نقيض للمتشددين ، لا تؤمن بالعنف والكفاح المسلح ، تميل الى الوسائل السلمية .
هاجمها بشدة مسفها آراءها ودعا كبارهم الى سجال ونقاش علني " لأن من واجبه هدايتهم الى الطريق القويم " وكان رد فعلهم عنيفا ومترفعا ، رفضوا أي حوار معه " نحن لسنا بحاجة الى شخص مثلك ، باع نفسه للمخابرات حتى يهدينا ." كذلك كان رد الجماعات الصوفية الذين اتهمهم بأنهم عبارة عن دراويش وجهلة " وأصحاب بدع في الاسلام . " وأنهم قد أهملوا ركن الجهاد في الاسلام .
عشرة أيام تقريبا قسمت المهجع الى معسكرين ، أبو القعقاع وجماعته من طرف وباقي المهجع من طرف آخر ، واستطاع أبو القعقاع ببراعة أن يكسب عداء الجميع ، خاصة أنه استمر في احراجهم وتحديهم بعد رفضهم الدخول في سجال معه حول جوهر الدين الاسلامي وتعاليمه .
نعتهم بالجبن وطالب أن تكون الصلاة علنية حتى أمام ادارة السجن ، فقوبلت دعوته هذه بالاستهزاء من الجميع ، حتى أن بعض أفراد مجموعته نصحوه بالتخلي عنها ، دعا بعد ذلك الى أن تكون الفرقة الفدائية مؤلفة من جميع التنظيمات وأن لا تكون طوعية ، لأن الجهاد فرض عين على كل مسلم ، وقبل الجميع هذا الأمر، لكن جماعته والذين هم في الحقيقة كانوا دائما قوام الفرقة الفدائية رفضوه لأنه سيفقدهم مكانة وتميزا طالما تمتعوا بها طوال السنوات السابقة " نحن نقوم بهذا العمل لوجه الله ، وأجرنا عنده ، ولا يمكن اجبار أحد على هذا " .
فشل أبو القعقاع في كل شيء ونجح في كسب عداء الجميع ، كان قد مضى على وجوده في المهجع خمسة عشر يوما عندما اعتقد أنه قبض على المسألة التي سيحرج بها الجميع ، لا أدري من من مجموعته أخبره بموضوعي ، عندها جابه الجميع :
" ... كيف تقولون عن أنفسكم أنكم مسلمون وتسمحون لجاسوس كافر أن يعيش بينكم ؟ مع أن الله سبحانه وتعالى قال : واقتلوهم حيثما ثقفتموهم ؟ ! " .
وطالب الجميع بمحاكمتي وانزال حد الله بي ، وحد الكفر والشرك بالله هو القتل .
أصبحت حياتي معلقة على رد فعل المجموعات الاخرى ، وقد كانت كلها حيادية ، فالأمر لا يعنيها وهي بغنى عن تفجير مشكلة غير معروفة النتائج مع أبو القعقاع وجماعته .
لكن مجموعة المرحوم الشيخ محمود كان لها رأي آخر ، ووقف أبو حسين كالجبل لا يتزحزح وأعلن وهو في منتصف المهجع ـ وكان الموضوع قد خرج من اطار الهمس الى النقاش العلني وبأصوات مرتفعة ـ قال أبو حسين موجها كلامه الى أبو القعقاع :
-    أولا من أنت حتى تحاسب وتحاكم البشر ؟! ان هذا الرجل " وأشار بيده الي ّ " مضى على وجوده بيننا سنوات طويلة ولم نر منه شيء سيئا ، وهو رجل مسكين حتى انه لا يتكلم ، ولا أحد يعرف ما بقلبه ، فبأي حق تحاسبه وتحاكمه وتريد قتله ؟، اعلم يا أبو القعقاع أن له ربا يحاسبه ويحاسبك ويحاسبنا جميعا ، وليس أنت .
ثانيا أعلم يا أبو القعقاع أن الشيخ محمود رحمه الله قد منع ايذاء هذا الرجل ، وأنه أجاره وحماه ، ونحن لا يمكن أن نسمح لأحد أن يؤذي شخصا كان الشيخ محمود قد أجاره .
 ثالثا ليعلم الجميع وأنت أولهم أن أية محاولة للمساس بهذا الشخص ستقابل من جهتنا بأعنف الردود .
بينما كان أبو حسين يتكلم نهض أبو القعقاع ووقف قبالته ، ودارت معركة كلامية بين الاثنين .
رد أبو القعقاع ردا قويا ، استند فيه الى مجموعة من الآيات القرآنية وأحاديث الرسول وحوادث من التاريخ الاسلامي ، كان من في المهجع يهزون رؤوسهم دلالة الموافقة ، وخلت انه سينجح في اقناع الجميع ، لكن أبو حسين التقط الحديث وبدأ يرد عليه وقد ارتفع صوته .
جاء ايضا بمجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث والسيرة النبوية تدحض وتناقض جميع ما استشهد به أبو القعقاع ، ايضا كان جميع من في المهجع حتى بعض من مجموعة أبو القعقاع يهزون رؤوسهم دلالة الموافقة والاقتناع ، كان رد أبو حسين مفحما ، ولم يشأ أبو القعقاع ان ينهزم فأنبرى يرد ... وأبو حسين يرد ، وكان كلاهما مقنعا للجميع .
ارتفعت الأصوات كثيرا ، وفي غمرة النقاش برز الشرطي فوق الشراقة ، صاح :
-         شو هالصوت يا رئيس المهجع يا جحش ؟
علّم الشرطي الشخصين الواقفين ، أبو حسين وأبو القعقاع ، ومن السطح اخبر الرقيب الموجود في الساحة ، فأخرجوهما وخمسمائة جلدة لكل منهما .
منذ لحظة خروجهما الى حين عودتهما ران الصمت على المهجع ، لكن ما ان اغلق الشرطة الباب حتى عادا الى المعركة الكلامية ، وبدأها ابو حسين قائلاً :
-         خاف ربك يا رجل ... انت السبب بالعقوبة ، انت مبسوط هلق ؟ .
واستأنفا المعركة الكلامية ، وبعد اكثر من ساعة قال ابو حسين :
-         هذا حكينا وما في عندنا غيره ... وكل واحد يقعد على فرشته ومو ناقصنا زعماء هون .
-         ما في حدا بدو يعمل زعيم ... وامر الله بدنا نطيعه ونطبقه ، سواء رضيتم ام لا .
توتر جو المهجع كثيراً ، فكرت انه يجب ان اتدخل ، ان اخرج من القوقعة ، ولكن كيف ؟... اقف واحكي لهم حكايتي ؟ ... افند كل التهم التي وجهت لي ؟ ... ان اكون مسيحياً هذه ليست تهمة ، لان تعاليم الاسلام الحقيقية تأمرهم بحسن معاملة المسيحين ، ان اكون جاسوساً !... اظن ان هذه التهمة قد سقطت بالتقادم ، فلو كنت جاسوساً لما انتظرت اكثر من عشر سنوات حتى امارس جاسوسيتي ، ولكن تهمة الكفر والالحاد كيف سأدافع عنها ؟... صحيح ان كل من سمعني اقول انني ملحد قد مات ، ولكن اذا سألوني في سياق دفاعي هل استطيع ان اقول لهم انني مؤمن ؟!.. لا اعتقد ذلك ، ولم اتوصل الى قرار .
بقي الجو مشحوناً بالتوتر ، وبدا ان مجموعة ابو القعقاع بصدد عمل ما ، فاحترست ، لكن مجموعة ابو حسين اتخذت مجموعة من الاجراءات ، طوال النهار كان ثلاثة منهم يجلسون على فراش ابو حسين على يساري ، ثلاثة اخرون يجلسون على فراش جاري اليميني ، في الليل يقوم واحد منهم بنقل فراشه فينام امامي عند قدمي في الممر ، وهكذا اكون محاطاً بهم ، عندما اقوم لاذهب الى المغاسل كنت الاحظ ان اثنين من المجموعة يقومان وبشكل عفوي يرافقاني وكأنهما ذاهبان الى المغاسل عرضاً .
اذن هم يحرسوني .
بقي الوضع هكذا ثلاثة ايام ، في اليوم الرابع افتعل بضعة اشخاص من المتشددين امام المغاسل ذريعة على واحد من الذين يقومون بحراستي واشتبكوا معه بالايدي ، خلال ثوان قليلة كانت دماؤه تسيل من انفه ، وكان اكثر من مئتي شخص قد وقفوا واشتبكوا مع بعضهم البعض ، ولم يعد من الممكن معرفة من يضرب من ، او من الذي يحاول فض المعركة التي استمرت دقائق قليلة سالت خلالها دماء كثيرة ، ولم يكن بالامكان اخفاء هكذا ضجة .
كنت واقفاً الى جانب الباب ، لم يشترك ابو حسين ولا ابو القعقاع ... الشباب الصغار فقط ، وعندما فتح عناصر الشرطة الباب ، توقفت المعركة الياً .
حاول ابو حسين الادعاء ان بعض الشباب كانوا يلعبون !! صرخ الرقيب بوجهه شاتماً إياه ... " نحن جايبنكم مشان تلعبوا .. مــــا " وامر بخروج الجميع الى الساحة ، فخرجوا ... وكلما راى الرقيب شخصاً عليه اثار دماء يلتفت الى ابو حسين ويقول :
-         رياضة ... يا عرص مو .. قلت لي رياضة !.
عوقب المهجع بأكمله عقاباً شديداً ، وقد ضربني احد العناصر بالكبل الرباعي على ندبة قدمي مما آلميني كثيراً ، ادخلونا واغلقوا الباب مع التهديد والشتائم .
كنت قد نسيت عادة الكلام ، لكن لحظتها اعتقدت انني اذا لم اتكلم فسوف اختنق ، شحنت نفسي بأقوال ابي وخالي لي منذ الصغر عن ضرورة ان اكون رجلاً يتحمل المسؤولية .
مشيت الى منتصف المهجع ووقفت ، من الآلام بالكاد كنت اقف ، عندما رأوني ادير نظري لاشمل جميع من في المهجع ، سكتوا ، اثنان من حراسي نهضا فوراً ووقفا الى جانبي ، اشرت لهما ان يعودا الى مكانهما ، تلكآ ، لكنهما عادا .
لم اكن خطيباً في يوم من الايام ، ولم اقف ابداً لاتكلم امام مئات العيون المحدقة بي ، كذلك لم ادع الشجاعة يوماً ، بل على العكس فان هذه التجربة في الاعتقال والسجن اظهرت لي على الاقل انني اقرب الى الجبن ، لكنه الالم والقهر والعذاب ، الصوم الاجباري عن الكلام ، توجهت بنظري ويدي الى ابو القعقاع وصرخت بصوت قوي " انا نفسي استنكرته " قلت :
-    يا ابو القعقاع ... تريد ان تقتلني ؟... تفضل هذا انا، عارياً امامك " لم ادر لماذا كنت اخاطبهم بالفصحى " ... تفضل ، ولكن قبل ان تقتلني اجب على اسئلتي ، هل تريد ان تقتلني بصفتك وكيلاً عن الله في الارض ؟... هل تستطيع ان تثبت انك وكيله ؟... واذا اثيت ذلك ... هل تستطيع ان تثبت لي وللأخرين انه اصدر لك امراً بقتلي ؟... لا اعتقد ذلك ، واجزم انك لست وكيل الله .
يا ابو القعقاع انت تريد قتلي لارضاء شهوة القتل لديك ، وارجو ان اكون مخطئاً في ذلك ، ارجو ان لا تكون شخصاً حاقداً موتوراً ، ارجو ان لا تكون كالعقرب ان لم تجد من تلسعه فهي تلسع نفسها ... ولكن اقول ، واشهد جميع الناس هنا ، اذا كان قتلي يحل المشكلة فتفضل ، ارسل واحداً من جماعتك لقتلي وانا اسامحكم بدمي .
سكت قليلا ، ثم التفت الى مجموع الناس ، وبصوت أقل حدة قلت :
-         يا جماعة .... أكثر من عشر سنوات حكمتم عليّ بالسكوت ، لقد سمعتكم كثيرا ، والآن اسمعوني لدقائق فقط ...
قلت لهم من أنا ، وكيف أتيت الى هنا ، دافعت عن نفسي ضد التهم الثلاث ، وعندما وصلت الى تهمة الالحاد ، عدت لمخاطبة أبو القعقاع :
-    يا أبو القعقاع ... انما مسألة الإيمان أو عدم الإيمان مسألة شخصية بحت ، وعليك أنت وجميع الناس أمثالك أن يفهموا ذلك ، الإيمان هو علاقة خاصة بين كل شخص وخالقه ، وأنت تعرف أنه ليس صعبا عليّ أو على غيري أن يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، ولكن لو قلت أنا ذلك لقلت أنت وأمثالك أنه كان ملحدا وأسلم خوفا ، لا ... أنا لست خائفا منك ، ولن أكون منافقا أو كاذبا ، واذا قلت لك فقط انني مسيحي ومتمسك بديني ، فلن تسطيع أن تفعل شيئا حيال ذلك ، لأن دينك يأمرك أن تحسن معاملة المسيحيين، لكن حتى هذا لن أقوله ... لئلا تقول انه خائف ... أبو القعقاع : اسمعني جيدا ... أنا لست خائفا منك ... أنت لست ربي لأقدم لك كشف حساب ... واذا كنت مقتنعا بقتلي فهيا ... قم ولا تخف .
سكت عندها ، بقيت واقفا أبادل أبوالقعقاع النظرات ، جاهدت ألا ترفّ عيوني ، ومن خلفي أمسكت بي يد أبو حسين وقادتني الى فراشي .
-         خلص بقا ... اسكت ... لا تتحداه أكثر من هيك ... أظن أن المشكلة انحلت ، الله يعطيك العافية ، بس هلق اسكت .
وفعلا كما قال أبو حسين انحلت المشكلة ، وبعد يومين انحلت نهائيا ، فقد كان أحد الخميسات وخرج فيه أبو القعقاع الى الإعدام .
أقام له المهجع صلاة الجنازة ، ترحموا عليه ، أما أبو حسين فقد علق موجها الحديث لي :
-    الله يرحمه ... ولا يجوز على الميت إلا الرحمة ، واذكروا حسنات موتاكم ، لكن يا أخي كلها عشرين يوم قضاها هون ... كأنه اعصار دخل هـ المهجع ... الله يرحمه !! قلب المهجع فوقاني تحتاني ! . الله يرحمه ... يا الله بتعيش كثير ... بتشوف كثير .
تحسنت علاقتي مع أبو حسين وأخذنا نتبادل الأحاديث    " قلت في سري ... لو أن أبو القعقاع آتى من زمان طويل ! " كان أبو حسين يسألني عن فرنسا ، والحياة في فرنسا ، وعلى الأخص عن نساء فرنسا ، وكنت أتكلم ... وأتكلم ... أغوص بالتفاصيل ، عندي جوع كبير للكلام ، ألتفت اليه وأمازحه قليلا :
-         شو يا أبو حسين ؟ ... شايفك عم تسأل عن النسوان كثير ، مانك خايف تسمعك أم حسين ؟ ! .
-    لك يا أخي ... أم حسين على عيني وراسي ، بس هلق بتكون كبرت وصارت ختيارة ، واذا الله فرّج عنا ... ان شاء الله راح اتجوز واحدة فرنساوية ... بالله عليك قل لي ... بفرنسا في مسلمات ؟.
-         اي طبعا في مسلمات .
-         الحمد لله ... الحمد لله " يضحك " هلق أمنت مستقبلي .
بالإضافة الى أبو حسين هناك أربعة أطباء فقط كسروا الحاجز المضروب حولي ، و الأطباء الأربعة من خريجي الدول الأوربية ، أحدهم خريج فرنسا ، بدأ يجلس عندي ، ومن ثاني جلسة اقترح عليّ أن يكون حديثنا باللغة الفرنسية .
اكتشفت انه قد عاش حياته طولا وعرضا ، وانه لم يكن يتبع التعاليم الدينية إلا في شهر رمضان ، ففيه كان يصوم ويصلي فقط وما عدا ذلك فلا علاقة له لا بالسياسة ولا بالتنظيمات ولا بغيرها .
قلت له بالفرنسية مستفسرا :
-         طيب ... اذا كان الأمر كذلك ، فلماذا اعتقلوك ؟
-         اذا كنت أنت تستطيع الإجابة على هذا السؤال ... فأنا استطيع !.
أبو حسين يضيق ذرعا بالأحاديث الفرنسية :
-         يالله شباب ... خلصونا ... يكفي تعوجوا لسانكم ... احكوا عربي حتى نفهم عليكم .
كانت الأحاديث بالفرنسية تسكرني ... تدوخني ، فعلت في داخلي أكثر مما فعلت رؤية الخيار لأول مرة .
نتبادل الذكريات عن أمكنة زرناها ونعرفها كلانا ، أصبحت علاقتنا الثنائية علاقة حميمية لحظية .
في احدى المرات وأنا أتلذذ وأنتشي بالتأكيد على مخارج الحروف الفرنسية ، نظر اليّ وباغتني بالسؤال :
-         يا أخي ... مادام أنت هيك ... يعني عاقل !... ليش كنت تغطي حالك بالبطانية مثل هذا المجنون دكتور الجيولوجيا ؟.
سكت قليلا ... ثم أخبرته بسري الكبير ، سر الثقب !!.
أخبرته به بالفرنسية ، لكنه أجاب باللغة العربية بعد أن اتسعت عيناه وتدلت شفته السفلى :
-         العماااااا ش ...ونحن كنا نقول عنك أهبل !! .
 سأل ان كان يستطيع أن ينظر من خلاله ، أعلمته أن هذا مستحيل الآن لأنه سيلفت انتباه الجميع ، ثم عرض بعد قليل أن نخبر أبو حسين فوافقته .
كانت ردة فعل أبو حسين شبيهة بردة فعل الدكتور نسيم ، ارتسمت على وجهه امارات الدهشة ، واستخدم نفس الكلمة :
-    العماااااش ... والله تاريك مو قليل !... يا ما تحت السواهي دواهي !... ولك طلع صحيح انك جاسوس ... بس جاسوس عـ الشرطة مو للشرطة!.
بعد يومين أبلغنا أبو حسين أنه قرر اعلام جميع الناس في المهجع بالأمر ، حتى يمكن استخدامه بحرية ، ولأن كل الناس هنا مأمونون ، وهكذا تم .
باستثناء أبو حسين والأطباء " وعلى رأسهم الدكتور نسيم " فإن الجميع بقي متحفظا تجاهي .
علمت انهم ناقشوا الأمر فيما بينهم ، وخرجوا بنتيجة :ان كلامي بخصوص دفع تهمة الالحاد ملتبس وغير مقنع ، وانني لو كنت مؤمنا بحق سواء بالدين المسيحي أو الاسلام لما ترددت في اعلان ذلك " فالدين يجب أن يكون جهرا " .
لكن بالمقابل لم يبق هناك أي تهديد لحياتي ، وهكذا فقد حصلت على أول حق من حقوقي الأساسية كإنسان " حق الحياة " ، حصلت عليه من السندان " الجماعة الأسلامية " ولكن لم أحصل عليه من المطرقة " الشرطة "فلا زال أي رقيب في الساحة يستطيع وبضربة عصا أن يرسلني الى الحياة الأخرى .
6 تشرين الأول   
الأشهر القليلة الماضية مضت بسرعة ، الدكتور نسيم وهو كالنسيم فعلا ملأ علي ّ ساعات يوم السجن الطويلة ، كنا لا نكاد نفترق ، وبعد فترة من تعارفنا اتفق مع جاري وتبادلا الأمكنة ، نستيقظ صباحا ودون ان نتحرك من تحت البطانية نستأنف حديثا لم يكتمل البارحة ، نأكل سوية ، نتحادث ، قمنا بتصنيع أحجار شطرنج من العجين ، استغرق صنعها أكثر من عشرين يوما ، وكان شطرنجا جميلا ، فنسيم بجوهره فنان وشاعر ، مرهف الاحساس ، يتلمس الجمال في مواطنه ، كانت امنية حياته ان يدرس الفن التشكيلي، لكن ضغط الأهل اجبره على دراسة الطب ، ورغم ذلك فانه ترك الطب لمدة عام كامل عندما كان في السنة الرابعة واشترك مع فنان آخر في محترف بباريس ، وعاد أبوه ليجبره على العودة لدراسة الطب ، رغم ذلك لم ينقطع عن الرسم ابدا .
كنا نكشط الأجزاء المحروقة من الخبز ونجمعها ومنها اللون الأسود ، نضع قليلا من مرقة رب البندورة ، نتركها عدة أيام لتتكثف وتجف ومنها اللون الاحمر ، من لب الخبز العسكري نصنع العجين ، ومن هذا العجين الممزوج بهذه الألوان كوّن نسيم أحجار شطرنج كل من رآها شهق ، ثم أخذ يصيغ أشكالاً فنية مبتكرة آية في الجمال والذوق .
نتحدث بالفرنسية ، نتحدث بالعربية ، نلعب الشطرنج ، نراقب الساحة من خلال الثقب ، وبعد أن ننهي كل ذلك ، واذا بقي القليل من الوقت فان نسيم يتناول قطعة من العجين ويبدأ بتشكيلها ، وفي كل الأشكال التي صاغها تلمس المرأة والحنين اليها " عاش نسيم قصة حب كبيرة لا زالت تحفر في وجدانه ، وعند حديثه عنها اعتبرها معنى حياته ، وايضا احدى أكبر خيباته في الحياة ، وأولى هذه الخيبات دراسة الطب تحت ضغط الأهل والمجتمع ".
مرة ودون مقدمات سألته فجأة :
-         الآن .. هل تواظب على الصلاة ؟
ببساطة شديدة قال :
-         منذ انا أصبحت بين هؤلاء .. لم أعد أصلي .
-         ولكن ما الذي قذف بك الى هنا بينهم ؟
-    انه أخي .. أخي الذي لم أكن اطيقه أو يطيقني ، شخص متزمت وضيق الأفق ، وحتى قبل أن أذهب للدراسة في فرنسا كان صياحنا اليومي يصل الى الشارع ، وغالبأ ما يكون السبب محاولته التدخل في لباس أمي واخواتي البنات ، يريد ان يفرض عليهن لباسا اسلاميا أسود ، وكن يعارضن ذلك وأقف الى جانبهن .
في غالب الأحيان كنت وإياه نتضارب بالايدي ، كان فاشلا على المستوى الدراسي .
ذهبت الى فرنسا ، بقيت هناك ثماني سنوات ، كان خلالها قد انتسب الى هؤلاء "وأشار بيده الى الجماعة المتشددة" ، أصبح مطلوباً بشدة من قبل الأمن الذي اعتقل والدي ووالدتي، وللخلاص من هذا المأزق ولإبعاد أنظار الأمن داخل المدينة ، قال والدي للأمن إنه قد هرب الى فرنسا عند أخيه ، ودون أن أدري أصبحت مطلوباً ، أنهيت دراستي وعدت الى بلدي ، استقبلني رجال الأمن في المطار يريدون مني أخي الذي لم أره منذ ثماني سنوات.
وها أنا أمامك في هذا السجن.
كنت ونسيم نتناوب المراقبة من خلال الثقب دون بطانية ، لم يتجاوز عدد الذين نظروا من الثقب عن الخمسة ، يبدو ان الجميع لازال يعتبر فراشي نجساً ، فللمراقبة من الثقب يجب على الواحد أن يجلس على فراشي .
كنا، نسيم وأنا، اللذان يراقبان دائما، نبلغ ما نشاهده لأبو حسين وهو بدوره يبلغه للجميع .
عادت العلاقة بين المتشددين وباقي المهجع لتصبح ودية ، خاصة ان المتشددين بالعام شباب صغار السن أقرب الى الطيبة والسذاجة ، شرط ألا يظهر بينهم ابو القعقاع أو صعصعة أو ابو قتادة !.
بَقُوا هُم الأكثر عطاء وتضحية .
في واحدٍ من أيام الاثنين تركت الثقب كاملأ لنسيم كي يراقب الإعدامات ، التصق بالثقب ولم يعد يتكلم أو يتحرك ، كان نسيم يكرر كلمة "العمش" كثيرا في احاديثه .
بعد ساعتتن من التصاقه بالثقب ، قفز الى الوراء واقفاً .. نظر اليّ وقال :
-         العمش .. العمش ..
نظر الى أبو حسين : العم..اا..ش
نظر الى المجموع : العمش .. العمش ..
ثم وبصوت خافت بعد أن اقترب مني :
-    العمش .. ولك شو هاد ؟! ولك ... شلون كنت عم تتحمل هيك مناظر ؟!.. العمش ولك شوف ... شوف !... شو هذا يللي عم يصير ؟! 
 نظرت عبر الثقب ، كانت ثماني جثث متدلية عن الحبال ، والعديد من الجثث على الأرض ، هذه الجثث الثمان يبو انها آخر وجبة ، الوحش "عنصر البلديات" يقف أمام الجثة الثانية من اليسار وهي جثة رجل بدين ، يمسك الوحش بيده عصا غليظة ينهال بها ضربا على الجثة ، الشرطة يراقبونه ضاحكين ، ومع كل ضربة عصا على الجثة يصرخ بصوت عال :
-         عاش الرئيس المفدى .. بالروح بالدم نفديك يا رئيس ... " وضربة بالعصا على الجثة " ... ولك يا كلب بتشتغل ضدد الرئيس .. وضربة بالعصا ... لك يا منيك ... رئيسنا أحسن رئيس ... ضربة بالعصا ... حيدو يا منايك حيدو .. ضربة بالعصا... الرئيس قبل الله نعبده ... ضربة بالعصا ... ويختل الايقاع .. ضربات عديدة بالعصا " اتساءل: هل انتهت ذخيرة الوحش الكلامية التي كان قد حفظها لكثرة تردادها في الراديو والتلفزيون وفي الشوارع اثناء المسيرات التي تنظمها الدولة ؟! يبدو ان الامر كذلك لأن الوحش بدأ يلجأ الى ذخيرته الكلامية الشخصية ! الذخيرة الكلامية التي لمها من الشوارع " .
يتوقف قليلا عن الضرب ، ثم ضربة قوية على الرأس اسمع من خلالها رنين العظام ... ولك يا كلب ... انتو فيكن عالرئيس ؟... ضربة عصا ... ولك الرئيس أقوى واحد بالدنيا ... ضربة ... ولك الرئيس بدو ينيك امهاتكم ... ضربة ... ولك الرئيس عندو أطول اير بالدنيا كلها ... ضربة ... ولك بدو ينيكم وينيك اختكم واحد واحد ... ضربة بالعصا ... يتوقف الوحش قليلا وهو يلهث ، بعدها وبحركات هستيرية يضع احد طرفيّ العصا بين اليتي الجثة ويدفع بها الى الأمام ، تتحرك الجثة كلها الى الامام ، يستمر الوحش بالضغط ، الطرف الثاني للعصا بين يديه الاثنتين يركزه في موضع قضيبه ويبدأ بدفع العصا بين اليتي الجثة رهزا ، ومع كل هزة الى الامام ... يصيح :
- بالروح بالدم .. نفديك يارئيس .
تبقى العصا بين الاليتين ، الجثة دائمة التأرجح ، الشرطة يضحكون ... يتقدم الرقيب " الأعوج " وهو يقهقه ، يمسك الجثة من الأمام ويثبتها جيدا للوحش ، الوحش يتابع ضغط العصى بين الاليتين ويهتف :
-         بالروح ... بالدم .. نفديك يارئيس .
الأعوج يضغط من الأمام ، الوحش يضغط بالعصا من الخلف ، وفي لحظة يفلت رأس الجثة من الحبل "يبو المشهد من بعيد وكأن الجثة حركت رأسها بحركة بارعة لتتخلص من الحبل" ، تسقط الجثة على وجهها أرضا ، تفلت العصا من يد الوحش وتظل مغروزة منتصبة بين اليتي الجثة ، يقفز الوحش عالياً ويصيح بشعار طالما سمعه يردد كثيرا في الراديوا و التلفزيون :
-         يسقط الاستعمار ... تسقط الامبريالية .
 يرد عليه الرقيب الأعوج :
-         تسقط ... تسقط .. تسقط .
-         يعيش الرئيس المفدى .
-         يعيش ... يعيش ... يعيش .
 وتبقى العصا مغروزة بين اليتي الجثة تتأرجح .
-         الى الأبد ... الى الأبد ... يعيش الرئيس .
-         يعيش ... يعيش ... يعيش .
ومع كل كلمة "يعيش" تتأرجح العصا ذات اليمين وذات اليسار .
20كانون أول :
خلال الشهور الماضية توطدت علاقتي كثيراً مع نسيم، وهو كان فرحاً بي أيضاً، لم يكن نسيم مثل هؤلاء، عقله منفتح ومتحرر و لا يهتم بالأمور السياسية ولم يسبق له أن فكر حتى بالإنتساب إلى أي من التنظيمات الدينية، كان وهو في الحياة خارج السجن يؤدي الفرائض الدينية بالمناسبات.
مرة قال لي شيئاً كنت أفكر فيه أيضاً. قال :
-      كيف مرت كل هـ السنين وأنا وأنت في محل واحد ولم نتعرف على بعض ؟! بعدين نتعرف على بعض و نصير كأننا توأم !!.. فعلاً أنت توأم روحي.
كنت أحس الإحساس نفسه.
************
لازالت ورشات البناء في السجن الصحراوي تقوم بإشادة مهاجع جديدة، رغم أن القادمين الجدد إلى هذا السجن قد تناقصوا بشكل كبير في السنوات الثلاثة الأخيرة .
(( من هو أول سجين في التاريخ ؟ من الذي اخترع السجن ؟ .. كيف كان شكل السجين الأول ؟.. هل هناك سجين واحد في كل العالم .. في كل الأزمان .. في كل السجون .. قضى في السجن عاماً واحداً أو أكثر .. ثم عندما يخرج .. يكون هو .. هو ؟ !
أي عبقري هذا الذي أوجد فكرة السجن !!.. هل هو الإله ؟.. يجب أن يكون كذلك .. لأن فيها من الإعجاز ما هو فوق قدرات العقل البشري !!..
لكن لماذا ترك الله الشيطان طليقاً بعد العصيان ولم يسجنه إذا كان الله يعرف ما هو السجن ؟!.. أنا واثق أن الشيطان كان سيسجد مرغماً بعد قضاء عدة شهور لا بل عدة أسابيع، ليس أمام آدم فقط إنما أمام حواء!.... هل يمكن أن يكون الله قد أخطأ عندما طلب من إبليس أن يسجد أمام آدم ؟! لماذا لم يطلب منه أن يسجد أمام حواء !؟..
هل كان إبليس سيرفض السجود أمام حواء ؟
ولكن ماذا لو سجد إبليس أمام آدم نفسه ؟
هل كان سيصبح إبليس نائباً لله ؟! ....أو شريكاً له ؟!
" لو لم أكن سجيناً كيف كان لمثل هذه الأفكار المضحكة أن تنبت ؟! " )) .
تنشأ في السجن مهاجع جديدة . "متى كانت كل المهاجع في هذا السجن فارغة ؟" يدخلها الناس سويةً أو على دفعات متتابعة. بضعة أيام ويكتمل نصاب المهجع. بضع عشرات ، مائة .. مئتان ... ثلاث أو يزيد ! الجميع ينظر إلى الجميع. الوجوه متشابهة. لا يعرف أحدٌ أحداً. يبدأ التعارف بعد دقائق .. ويستمر سنوات .
مع التعارف يبدأ الفرز. يبدأ الإلتفاف و التلاقي. في البداية تنشأ التجمعات على الأرضية السياسية التنظيمية و التي كانت سبباً في دخولهم السجن، أبناء الحزب الواحد .. التنظيم الواحد، يلتقون .. سواءً كانوا يعرفون بعضهم سابقاً أم لا .. يتعارفون، يشكلون مجموعة واحدة، وحياة اجتماعية مشتركة، لهم اجتماعاتهم وأسرارهم، أغلبها إن لم يكن كلها .. وهم، كل ما في الأمر أنهم يتساندون !. يتكئ بعضهم على بعض، الروح الجماعية تشكل لهم وهماً بالقوة .. وبالتالي الحماية، أن تكون محمياً بالجماعة يعطي الشعور بالأمان.
تبدأ الحالة شديدة متوترة، تصل إلى حد التعصب وعداوة الآخرين، مع الأيام .. تبدأ بالتراخي، خاصة إذا كان المهجع كله ذا لون تنظيمي واحد .
في الدروس التي يتلقاها ضباط الأمن .. وبعد الدرس الأول الذي يقول :
" أول درس في المخابرات .. هو أن لا تثق برجل المخابرات ".
تأتي دروس عديدة، قد تكون صائبة وقد تكون خاطئة. و في النص الذي يحتوي على كيفية التعامل مع التنظيمات المعادية .. هناك درس يبقى صائباً على الدوام :
" إذا أردت لأفراد تنظيم ما أن يأكلوا بعضهم بعضاً .. اسجنهم سويةً ".
الإحباط، التباعد، النفور، الكراهية، النيل من هيبة القيادات .. وتبدأ الوشائج التنظيمية بالتراخي والتفكك، ومعها يبدأ التطلع إلى المحيط خارج إطار التنظيم الواحد.
تمر الأيام ، الأسابيع، الشهور، السنوات !.
تنشأ علاقات جديدة على أرضية جديدة : " الجغرافية ". أبناء المنطقة الواحدة، القرية، البلدة، المدينة، أو حتى .. المنطقة الأوسع، المنطقة الشمالية، المنطقة الشرقية، المنطقة الساحلية .
يستعيدون فيما بينهم الذكريات. يتذكرون الأماكن الأليفة بحنين بالغ، الطرقات .. السهول .. الوديان .. الجبال .. الشوارع والحدائق والساحات. يتذكرون بعض الأحداث العامة و المشهورة، ويوماً بعد يوم تكبر التقاطعات، وتكبر معرفتهم بعضهم ببعض.
مع ازدياد المعرفة، وبأسئلة بريئة في الظاهر يُنبش ما كان محسوباً أنه من المنسيات. فلكل شخص أو عائلة أو عشيرة إيجابياتها .. ولها كذلك ما تخجل منه وتحاول نسيانه .. أو جعل الآخرين ينسونه .
لكنه السجن و له قوانينه الخاصة... البسيطة... الصريحة... الوقحة !
ويسأل أحدهم ابن مدينته الذي تعرف عليه سؤالأ قد يكون مازحاً .... قد يكون بريئاً .... قد يكون ! :
-      أنت من بيت البيك الذين يسكنون في المحل الفلاني ؟ .
-      نعم .. أنا من بيت البيك هؤلاء .
-      آ ..... آ عفواً .. لا تواخذني .. بس أنا سمعت حكاية، صحيح أن رتبة البكوية و الأملاك و الأراضي .. صارت عندكم لأنه ستك "جدتك" الكبيرة كانت صديقة للوالي العثماني ؟؟
-      لأ ... أبداً مو صحيح.
ينتهي الحديث و ينكمش شيء ما داخل نفس سليل آل البيك .. ونفور !
يسأل آخرٌ آخراً :
-      أنت من قرية الحيدرية بس أنت من بيت مين ؟
-      أنا من بيت البيطار .
-      آ ... البيطار. قل لي .. سمعنا من كام سنة ... أن امرأة من بيت البيطار قتلت زوجها بالاشتراك مع عشيقها .. بتقربك شي هــ المرأة ؟
-      المرأة خالتي .. بس القصة مو صحيحة، يعني تهمة وبس !
ينتهي الحديث و ينكمش شيء ما داخل نفس سليل آل البيطار ..... ونفور !
وتتعدد الأسئلة :
-      أنت ابن فلان الذي سرق صندوق البلدية ؟
-      أنت أبن فلانة التي .......
وتنتهي الأحاديث، وتنكمش أشياء كثيرة داخل النفوس ... ونفور !
تمر الأيام، الأسابيع، الشهور، السنوات !.
تنشأ علاقات جديدة على أرضية جديدة. الميول، الهوايات، المهن، المهتمين بالأدب، الفنانين، المعلمين، الأطباء .....
تمر الأيام، الأسابيع، الشهور، السنوات !.
تنشأ علاقات جديدة على أرضية جديدة : الذوق، اللباقة الأجتماعية !.
ينفر منه ويبتعد عن زميله في التنظيم أو المهنة أو المنطقة .. لأنه يخرج أصوات من فمه عندما يأكل .. وهذا قلة ذوق .
ينفر منه ويبتعد عنه لأنه عندما يطوي بطانياته فإنه يطويها بعنف مثيراً الغبار على جاره ..وهذا قلة ذوق .
ينفر منه ويبتعد عنه .. لأنهما عندما يتحادثان لا يترك مسافة كافية بين الرأسين !.. يقترب منه كثيراً ويتكلم .. يجبره أن يشم رائحة فمه الكريهة !.. وهذا قلة ذوق .
مئات المشاكل التي يثيرها التعايش القسري بين أناس لم يختاروا بعضهم بعضاً، فهم من مشارب ومنابت مختلفة .. تربيات مختلفة .. سويات حضارية مختلفة .
تكون السنوات قد مرت. سنة تجثم على صدر التي قبلها .
تنشأ علاقات جديدة على أرضية جديدة، ويبتعد الناس أكثر فأكثر عن كل ما له طابع جماعي، رماد السنوات المنطفئة يغطي شيئاً فشيئاً طزاجة الذكريات عن الخارج. يبتعد هذا الخارج، وينغمس الشخص في تفاصيل الحياة اليومية للسجن، تكبر المساحة التي تحتلها هذه التفاصيل في نفس السجين، على حساب الخارج الذي يبدو قصياً بعيد المنال ! .. وأكثر ما يبتعد هو السياسة، انعكاساتها كناظم لقطيع من البشر. تعود الذات الفردية لتنمو على حساب الذات الجماعية أو روح القطيع. وقد يصل الأمر إلى حد القطيعة أو العداء .. مع التاريخ الذي ساهم هو بصنعه !.. خطوة أخرى ويصل إلى جلدٍ ساديٍّ للذات !!... يقول بمرارة تقطر مع الكلمات :
-      لقد كان السجن ضرورياً لنا لنكتشف الكذبة الكبيرة التي كنا نعيشها. أي غباء .. أي وهم .. أوصلانا إلى هنا ؟!..
وتنشأ علاقات جديدة على أرضية جديدة. والصداقات الثنائية هي المرحلة ما قبل الأخيرة، و تبدأ كحالات معزولة منذ البداية و ولا تتحول إلى ظاهرة إلا في المراحل المتقدمة، وحتى في هذه المراحل قد لا تكون عامة مطلقة ولكنها تقترب من الأغلبية.
المتشابهان ..... المتناقضان ... التشابه و التناقض، على ما فيهما من تباعد في كل شيء، إلا أنهما يشكلان الأرضية المناسبة أو التربة المناسبة لنشوء العلاقات الصداقية الثنائية ! .
بعد مسيرة السنوات الطوال، ومن خلال التجربة و الخطأ، من خلال الاحتكاك المستمر والدائم على مدار أربع وعشرين ساعة كل يوم، ثلاثمائة وخمس وستون يوماً كل عام .. يكتشف الاثنان أنهما متشابهان في بعض الأشياء .. في الكثير من الأشياء .. في كل الأشياء !.
ينجذبان إلى بعضهما البعض. وتبدأ علاقة صداقة بين اثنين .
بعد مسيرة السنوات الطوال، ومن خلال التجربة و الخطأ، من خلال الاحتكاك المستمر والدائم وعلى مدار أربع وعشرين ساعة كل يوم و ثلاثمائة وخمس وستين يوماً كل عام و يكتشف اثنان أنهما متناقضان .. في بعض الأشياء .. في الكثير من الأشياء .. في كل الأشياء .
وكما المغنطيس ينجذب سالبه إلى موجبه .. ينجذبان إلى بعضهما البعض .. وتبدأ علاقة صداقة بين اثنين، وهذه الصداقة تبدأ متوازنة متكافئة، لكل منهما نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات، ومع توالي الأيام يبدأ الخلل بين كفتي الميزان، بنفس قدر ارتفاع الأولى تنخفض الثانية، طرف يبدأ باكتساب القوة و اظهارها، والطرف الآخر يعتمد أكثر فأكثر وفي كل الأمور على صديقه القوي، ليصبح هو الطرف الأكثر ليونة ورقة!.. تستمر العلاقة بين الاثنين وفق هذه المعادلة طويلاً، القوي والضعيف، القوي الذي يرعى الضعيف ويبسط حمايته عليه وهو في غاية الاستمتاع بهذا الدور، والضعيف الذي يلوذ تحت جناحه ورعايته وهو في غاية الاستمتاع بهذا الدور !.
أقبع في قوقعتي طوال هذه السنوات أحاول أن أرقب وأفسر وأسجل كل ما يحدث أمامي ضمن هذا التجمع الإنساني، رصدت الكثير من الأمور وفسرتها وسجلتها .
هذه الثنائيات منذ بداية تشكلها أثارت اهتمامي، راقبتها.. تحولاتها وتطوراتها، وفسرتها في سياق الحاجات الإنسانية للإجتماع و التواصل .. إلى أن نشأت الحالة الثنائية بيني وبين نسيم بفضل المرحوم أبو القعقاع .
في بداية العلاقة كنت مأخوذاً بأمر واحد فقط .. أن يكون لدي من أحادثه !.
كان طبيعياً أن أندفع وبقوة نحو هذا الشخص الذي ارتضى بعد أكثر من عشر سنوات من القطيعة التامة أن يحادثني ويجلس على فراشي .. ثم يدعوني للجلوس على فراشه !.. عاودني الشعور بأني إنسان ذو كيان يحترمه البعض، يحترم شخصه ويحترم عقله ورأيه، وكان هذا يمكن أن يتحقق مع أي شخص هنا يرفض مقاطعتي ويملك عقلاً منفتحاً ولو بحدوده الدنيا.
لكن نسيم أكثر من ذلك بكثير. نسيم أكبر من كل أحلامي وامنياتي بشخص ينتشلني مما أنا فيه، بساطته ورقته جعلاني أراه أمامي ساطعاً نقياً كسطوع صفحة بيضاء تحت أنوار قوية، دخل إلى روحي خلال أيام قليلة، هصرها .. سحنها .. عجنها بروحه وجسده .. اتحد بها !!... و
ذعرت .. ذعرت .. ذعرت !!.
من أنا ؟ ! .. هل أنا .. أنا ؟! .. و
إلى أين ؟؟ .
في بلدي وفي فرنسا عرفت الكثير من النساء، بعضهن عابرات .. قد لا أتذكر ملامحهن الآن، والبعض الأقل حفرن في الوجدان أثلاماً لا تمحى .... !
كنت في هذه العلاقات طبيعياً جداً، كأي إنسان عادي، ولم يحدث أبداً خلال كل الماضي أن كانت لي أي ممارسات غير طبيعية أو شاذة، ولم ألحظ على نفسي أية ميول لممارسات جنسية غير الممارسات العادية بين الرجل و المرأة، كما لم ألحظ أبداً أية ميول مثلية نحو الجنس المشابه، لا بل على العكس كنت أنفر منها نفسياً حتى في فترة المراهقة التي يحدث فيها أن يداعب المراهقون بعضهم مداعبات شتى ذات طابع جنسي، لم أتعرض أنا – وقد يكون بحكم بعض ظروفي الموضوعية – إلى أية تجارب من هذا النوع .
ولكن الآن .. الآن ماذا يجري لي ؟!
وماذا يمكن أن تكون نهاية هذا الأمر ؟
ما أشعر به اتجاه نسيم من عواطف ملتهبة لم أشعر به أبداً حيال أية امرأة عرفتها في حياتي !.
نجلس سويةً، نتحادث .. نلعب .. نأكل، طوال ساعات الاستيقاظ، ينام إلى جانبي ونتابع أحاديثنا بصوت خافت ونحن مستلقيان. نحن، الاثنين، مع بعضنا البعض طوال اليوم .. ورغم ذلك أظل مشتاقاً إليه وبشدة!.
يغادرني أوقات قليلة، كأن يذهب إلى المرحاض أو يذهب للاغتسال .. فتبقى عيوني معلقة على باب المغاسل الحجري إلى أن يعود، ومن هناك يبادلني الابتسام .. فأرتاح .
لا أدري شيئاً عن مشاعره، عواطفه، تفكيره في هذا الموضوع، لكن اندفاعه نحوي في هذه العلاقة الحميمية وترداده الدائم لعبارة أني " توأم روحه " كلها أمور تنبئ بأنه إما أنه يعيش نفس حالتي .. أو أنه بمنتهى البراءة .
كفتا الميزان في علاقتنا في الأساس متفاوتة، هو رقيق جداً، وحتى على صعيد الشكل تقاسيمه ناعمة بها شيء من الأنوثة. وأنا متجهم .. ذو شعر كث وتقاسيم حادة قاسية. ومع تطور العلاقة بيننا ازددت قوة ورجولة بينما شابت حركاته بعض النعومة و الليونة .. وأحياناً الدلع .
أعيش الآن صراعاً نفسياً رهيباً بين عقلي ومحاكماته القاسية، وبين عواطفي وميولي الطارئة التي أحسها أحياناً أنها لا تستجيب لأوامر العقل ونواهيه و روادعه .
هل أناقش الأمر معه بصراحة ؟.. ولكن لم ؟.. ما هي الفائدة ؟ ألن يكون هذا سبباً في تحطيم علاقة الصداقة الرائعة هذه ؟!
الملامسات بيننا. يحدث أحياناً ونحن في حمى الحديث أو اللعب أن أمسك يده فأشعر براحة ومتعة غريبتين!! أبقى ممسكاً بها أكثر مما يستوجبه الموقف !! .
ألتفت إلى المهجع مجدداً. أرقب وأفسر هذه العلاقات الثنائية المنتشرة، ولكن بعيون جديدة .. عيون فاحصة تحاول أن تثقب الجدار الخارجي السميك لكل واحدة من هذه العلاقات .. ثم تسبر ما تحت القشرة هذه !.. لم أتوصل إلى أية معلومة أو نتيجة مفيدة في هذا الشأن. كل العلاقات ظاهرها بريء .
وخفتُ .. خفت كثيراً .
هل يمكن أن تكون مفاعيل السجن وتأثيراته قد غيرا بنيتي النفسية بحيث يجعلاني اسير في هذا الاتجاه ؟ لكن عقلي يرفض ذلك رفضاً باتاً .
وخوفي الشديد .. هل يمكن أن يكون دلالة صحة إذا كانت مشاعري وعواطفي دلالة مرض ؟!
ولكن .. هل هذا كله وهم ؟ ألا يمكن أني اعطي الموضوع حجماً أكبر من حجمه الحقيقي ؟ لماذا لا أدع الأمور تسير سيراً طبيعياً ؟ .. وليكن ما يكون .
هذا الدمار الكامل و الشامل للإنسان، هذا الموت اليومي المعمم .. ألا يدفع إلى الجنون .. أو إلى أكثر التصرفات والسلوكيات جنوناً وغرابة ؟!
تتجمع في حلقي بصقة كبيرة .. إلى أين أقذفها ؟ .. بوجه من ؟.
24 شباط
مؤخراً انتبهت إلى أمر آخر، بدلاً من أن تساهم علاقتي مع نسيم في إخراجي من قوقعتي، قمت أنا بإدخاله إلى القوقعة.
بقي المهجع على موقفه مني، وهو المقاطعة. صحيح أنها لم تعد مقاطعة عدائية خطرة، لكنها أصبحت مقاطعة سلبية بادرة، وشيئاً فشيئاً ومع اقتصار علاقتي على نسيم فقط انسحب موقف المقاطعة عليه أيضاً، بعض المتزمتين اتهمني بأنني أفسدت نسيم في دينه، وغير بعيد أن نسيم قد أصبح ملحداً أيضاً، ودللوا على ذلك بانقطاع نسيم عنهم وقضائه كل الوقت عندي يتحدث معي بلغة الكفار .. ونتلهى بالشطرنج بدلاً من ذكر الله، وعندما نبهت نسيم إلى هذا الأمر قال :
- مع ألف جهنم، من قبل ما يرفضوني هم، أنا من الداخل كنت رافضهم .
واستفاض بالحديث وتبين لي أنه لا يحبهم، وفي بعض الأحيان عبر عن اشمئزازه منهم، ووصف بعض تصرفاتهم بالتخلف و الجهل وأحياناً بالوضاعة .
كنت أعتقد أن إنساناً مثل نسيم، "شفافاً وصافياً، فناناً صادقاً، طيباً إلى أبعد الحدود " لا يمكن أن يعرف الكره، ولكن من أحاديثه عنهم كنت ألمس أحياناً بعض شذرات كراهية مترسبة في أعماقه. صارحته بملاحظتي .. لم ينف أو يدافع، قال :
- لا أعرف .. الإنسان لا ينتبه على حاله .. ممكن يكون أساس هذه الكراهية أخوي .. يعني " زميلهم " !
نسيم دائم الإندهاش يرى أمراً أو حدثاً يتكرر أمامه مئات المرات لكنه في كل مرة يبدي نفس القدر من الدهشة و الاستغراب، وإذا كان أمراً يرفضه يبدي نفس القدر من الاحتجاج و الاستنكار .
أهم ما يميزه هو ذكاؤه ورقته، هذه الرقة اللامتناهية، والرهافة الارستقراطية .
الآن مضى على نسيم ثلاثة أيام لا يأكل رغم كل محاولاتي لإجباره على الأكل .
************
في مهجعنا عائلتان، العائلة الأولى تتألف من أربعة أخوة، أما العائلة الثانية فهي تتألف من أب وثلاثة أبناء .
عند بداية الأحداث بين الحركة الدينية و السلطة، وبدء حملات الاعتقال الواسعة، استطاع الأبناء الثلاثة وهم جميعاً منظمون، استطاعوا الفرار و التواري عن الأنظار، وعند مداهمة المنزل وجد رجال الأمن والد الفارين وحيداً، اقتادوه معهم إلى فرع المخابرات، وهناك ظل الآب أكثر من شهرين رهن التحقيق، يريدون منه أن يدلهم على مكان تواجد أولاده، وهو حقيقة لم يكن يعرف ! وبعد شهرين أرسلوه إلى العاصمة وهناك أيضاً حققوا معه لكن دون جدوى، أخيراً سئم الضابط منه وقال له إنهم سيبقونه في السجن رهينة إلى أن يسلم أولاده أنفسهم للأمن .
بقي الأب إلى جانب الكثيرين من أمثاله و الذين كان السجناء يطلقون عليهم على سبيل المزاح اسم " تنظيم الرهائن " أو " حزب الرهائن " .
بقي الأب عدة شهور في العاصمة. بعدها تم ترحيله مع الآخرين إلى السجن الصحراوي، عندما ضاقت سجون وفروع المخابرات في العاصمة .
بعد ثلاثة أعوام من بدء اعتقال الأب، أصبح جميع أبنائه في السجن الصحراوي، تم اعتقالهم واحداً إثر الأخر، وفي النهاية ومن خلال رسائل المورس عرفوا مواقع بعضهم، ورغم اعتقال الإخوة الثلاثة لم يتم اطلاق سراح الأب .
بعد ثلاثة أعوام أخرى جاء دور قضيتهم لتنظر فيها المحكمة الميدانية. كان هناك أكثر من خمسين شخصاً سيحاكمون في ذلك اليوم .
صفاً رباعياً جالسون على الأرض، وكل واحد منهم عليه أن يشبك يديه فوق رأسه ورأسه بين ركبتيه و الأعين مغمضة.
المحكمة تناديهم بالأسماء، من يذاع اسمه يقفز ويصيح حاضر، وفي أقل من ثانية يجب أن يكون أمام هيئة المحكمة .. وفي أقل من دقيقة أو دقيقتين تتم محاكمته !! .. وفي أقل من ثانية أخرى عليه أن يعود إلى مكانه وجلسته !.
في هذا الجو، ورغم كل شيء رأى الأب و الأخوة بعضهم ووصلت سلاماتهم لبعضهم عن طريق التسلسل، ثم نودي عليهم فرداً فرداً .
بعد أن انتهت محاكمتهم يبدوا أن أحد الضباط قد لاحظ وانتبه أن الكنية واحدة للأربعة، فطلبت هيئة المحكمة من الشرطة ادخال الأب و أبنائه .
كانت هيئة المحكمة المؤلفة من ثلاثة ضباط في حالة استرخاء ومعهم مدير السجن قد توزعوا في أرجاء الغرفة حول المدفأة المتوهجة، جو الغرفة حار نسبياً، يشربون القهوة ويدخنون ويتبادلون النكات، وفي اللحظة التي دخل فيها الأربعة إلى الغرفة كان مدير السجن يروي لهم نكته , فوقف الأربعة عند باب الغرفة المغلق وقفة تصاغر , لم يعرهم أي من الحاضرين اهتماماً , ضحكوا بشدة .. تبادلوا التعليقات .. بعد بضع دقائق التفت أحد الضباط وأمعن النظر بالأشخاص الأربعة , كان جو المرح لازال سائداً , توجه بالحديث للأب ..
-      شو يا حجي .. أنتوا كنيتكم واحدة .. أنتوا بتقربوا بعضكم شي ؟
-      نعم يا سيدي نعم .. هدول أولادي وأنا أبوهم .
استلم دفة الحديث ضابط أخر ..
-      قول لي يا حجي .. في عندك أولاد غير هدول ؟
-      لا و الله يا سيدي .. هدول هنن كل أولادي .
-      يعني العائلة كلها مجرمين وعملاء .
-      لا و الله يا سيدي .. نحن ناس على قد حالنا .. وحسبنا الله ونعم الوكيل .
تدخل مدير السجن , فسأل الأب ..
-      قديش عمرك أنت .. ولا ؟
-      و الله بالضبط ما بعرف يا سيدي .. بس يمكن صار فوق السبعين .
-      فوق السبعين !.. وباقي عندك حيل وعندك قوة تضرب وتقتل ؟
-      يا سيدي ..... الله وكيلك لا قتلنا ولا ضربنا ... بس النار مرت من جنبنا قامت حرقتنا نحن كمان .
-      و الله مانك سهل يا ختيار النحس ... قديش صار لك بالحبس .. و لا ؟
-      و الله يا سيدي .... صار يمكن .... ست سبع سنين .
-      طيب .. بهـ السنين ... ما عم تشتاق لمرتك ؟
-      يا سيدي ... الانسان بعمري .. وبعد كل هالشي .. ما يطلب غير حسن الختام .
-      طيب هاي فهمناها .. بس غير شي .. غير شي .. ما بتحس انو ناقصك شي شغلة ؟
-      أي و الله يا سيدي .. أنا صرت زلمة كبير ... وحركتي صعبة كتير ... لو تحطوا لي أولادي معي يخدموني .. بتكونوا فضلتوا على راسي .
وقتها أمر مدير السجن أن ينقل أولاده إلى مهجعه .
عاد عضو المحكمة بعد ذلك لتوجيه الحديث .. خاطب الأب :
-      شوف يا حجي ... شو تتوقع يكون حكمكم ؟
-      يا سيدي .. رحمة الله واسعة , و انتوا دائماً بتحكموا بالعدل !!
-      طيب اسمعني .. انتوا اربعة أشخاص عائلة واحدة .... ونحن حكمنا على ثلاثة منكم بالإعدام ... وهلق .. أنت بدك تختار مين لازم ينعدم ومين الواحد ياللي لازم يعيش .
-      الله يطول عمرك يا سيدي .. و يطول عمر أولادك .. إذا كان الموضوع هيك فـــ لازم اسعد يعيش , ونحن الثلاثة يدبرها الله !.
-      ومين أسعد ؟
-      هذا هوي أسعد .. مخدومك ويبوس ايدك يا سيدي .
-      ليش اخترت أسعد يا حجي ؟
-      يا سيدي أنا زلمة كبير أكلت عمري , وسعد وسعيد متجوزين من زمان وخلفوا أولاد , و من خلف ما مات , أما أسعد بعدو صغير ومانو متجوز و بعدو بزهرة شبابو .. و الزهرة حرام تنقطف .. مو هيك يا سيدي ؟
-      أي حجي أي ... هيك ... يا شرطي ... يا شرطي ... تعال رجع هالجماعة وحطهم بمهجع واحد .
عاد جميع أفراد العائلة إلى مهجعنا , هذه القصة .. هذا الحوار سمعته خلال سنتين عشرات المرات , ولكن منذ خمسة أيام – وكان أحد أيام الخميس – وردت لائحة الإعدامات وبدأ الشرطي بقراءتها , كان اسماء الذين سيعدمون من مهجعنا هم ( سعد وسعيد وأسعد ) , عندها ثار الأب .
أسعد كان نائماً عند قراءة الاسماء , قام سعد وسعيد عن فراشيهما , توجها إلى فراش أسعد , أيقظاه , كانا يناديانه باسمه , عندما يناديه سعد يسكت سعيد ثم يناديه سعيد فيسكت سعد :
-      أسعد .. يا خاي .. أسعد .. فيق .. قوم .. يا خاي قوم .. أسعد .. قوم .. أمر الله وما منوا مهرب .. يا أسعد .. يا خاي .
استيقظ أسعد , ونظر إلى أخويه على جانبي فراشه , اعتدل جالساً وهو ينظر إليهما نظرة ملؤها الاستفهام , وسألهما :
-      شو ؟ .. شو في يا خاي ؟ .. شو صار ؟
-      ما في شي ..... بس قوم .... فيق .... لازم نقوم نتغسل ونتوضا ونصلي , بعدين لازم نودع ناس .
تجمدت قسمات أسعد للحظات , ثم نظر إلى أخويه وسأل :
-      أنا كمان معكم ؟
-      نعم .. انت كمان معنا !
-      لا حول ولا قوة إلا بالله .. حسبنا الله ونعم الوكيل ... توكلنا على الله .
قام الثلاثة باتجاه المغاسل التي كانت قد افرغت وتركت لهم فقط .
قفز الأب السبعيني إلى الممر بين طرفي المهجع وهو يلوح بيديه تلويحات عدم فهم وعدم تصديق !! مشى إلى منتصف المهجع , وقف تحت الشراقة التي يطل منها الحارس عادة و نظر إلى الأعلى .. إلى السماء , وبصوت راعش ولكن قوي :
-      يا رب .. يا رب العالمين , أنا قضيت عمري كلو صايم مصلي وعم أعبدك , يا رب أنا ما بدي أكفر .. حاشا لله واستغفر الله العظيم .. بس بدي اسأل سؤال واحد : ليش هيك ؟ .."وبصوت عالي أقرب إلى الصراخ وهو يلتفت إلى الناس" .. ولك ليش هيك ؟؟ يا رب العالمين .. ليش هيك ؟؟ أنت القوي .. انت الجبار ! .. ليش عم تترك هــ الظالمين يفظعوا فينا .. ليش ؟ .. شو بدك تقول ؟ بدك تقول إن الله يمهل ولا يهمل ؟ .. طيب هــ الكلام مين بدو يرجِّع من أولادي ؟ .. يا الله ... أنت ترضى أنو أسعد ابن الخمس وعشرين سنة ينعدم على أيدي هــ الظلاّم ؟! قلي .. جاوبني .. ليس ساكت .. أنت .. انت .. استغفر الله العظيم استغفر الله العظيم ... يا رب ... لو كان عندك ثلاثة أولاد وراح يروحوا عـ الإعدام بلحظة واحدة .. شو كنت تعمل ؟ .. هاه ؟ .. طيب جاوبني على ها السؤال الصغير بس .. انت .. رب العالمين .. معنا نحن و إلا مع هـ الظالمين ؟! لحد الآن كل شي يقول ... أنك معهم .. مع الظالمين !! ... استغفر الله ... استغفر الله .. يا رب .. بعزتك وجلالك .. بس اسعد , بس رجِّع لي أسعد , لا تخليه يموت .. أنا ما عم قلك الثلاثة , بدي أسعد بس .. وانت قادر على كل شي !.
السكون و الوجوم يخيمان على المهجع , أبو سعد سكت أيضاً , جلس على الأرض ووضع رأسه بين يديه , بعد قليل رجع الإخوة الثلاثة , صلوا أخر صلاة لهم وبدؤوا بتوديع الناس , أبو سعد لم يتحرك من مكانه ولازال رأسه بين يديه , انتهى الإخوة من وداع الناس , جاؤوا ووقفوا أمام الأب الذي لازال مطرقاً , جلسوا حوله .. سأله سعد :
-      أبي ... يا أبي .... ما بدك تودعنا ؟ ..... أبي الله يخليك لا تحرق قلبنا بآخر عمرنا ... ابوس أيدك يا بو ....
رفع الأب رأسه , شملهم بنظرة ذاهلة حارقة , رفع يديه باتجاههم , التقط أولاده اليدين وأخذوا بتقبيلهما ... وأجهش الأربعة ببكاءٍ فجائعي , عم البكاء المهجع كله ... أخذ الرجال جميعاً ينشجون ويشهقون ... ارتفع صوت نشيج الرجال الجماعي عالياً , وقف أبو حسين في منتصف المهجع , وبكلام تقطعه شهقات البكاء المتتالية أخذ يرجو الجميع أن يخفضوا اصواتهم :
-      من شان الله يا اخوان ... هلق .... نكون بشي بنصير بشي ... وطّوا الصوت يا شباب .. من شان الله يا شباب .
سحب الأب يديه من أيدي ابنائه وحاول أن يلف الثلاثة بيديه , القى الأبناء أنفسهم في حضن الأب , تجمعت الرؤوس الثلاثة على صدره , وضع الأب يديه على رؤوسهم وقد أغمض الجميع عيونهم ولازالت دموعهم تسيل ولكن بصمت .
مرة اخرى بدا المهجع يهدأ , مسحنا دموعنا جميعاً ونحن شاخصون بأبصارنا اتجاه الأب وأولاده , رفع الاب رأسه قليلاً , مسح بيديه على الرؤوس الحليقة ... حول عينيه إلى الناس المحدقين به وبصوت هادئ ولكنه قوي بدأ الكلام كمن يخاطب نفسه , قال :
-      هذا أمر الله : أمر الله ما منه مهرب .. إنا لله وإنا اليه راجعون .. معليش .. لا تخافوا .. يا ابني لا تخافوا .. خليكم سباع .. قلبي وقلب أمكم معاكم .. الله يرضى عليكم دنيا آخرة.. رضا الله ورضاي معكم .. هذا الموت كاس .. نعم كاس .. كل الناس بدها تشرب منه ...
سكت قليلا التفت إلى الناس واستأنف حديثه :
- ولك بس ليش ؟.. ليش اولادي أنا .. ليش ؟ ..يا جماعة .. يا ناس هدول أولادي .. ما عندي غيرهم .. آخ .. آخ .. الله وكيلكم ما عندي غيرهم .. آخ يا أسعد .. آخ .. ولك يا جماعة يا ناس .. لك حدا منكم شاف هيك شوفة .. أولادي كلهم قدامي راح يتعلقوا عـ المشانق !!.. ولك شي حدا يخبرني .. احكوا يا ناس .. ليش .. ليش أنا وأولادي .. شو عملت من الذنوب تحت قبة الله حتى يجازيني هيك جزاء ؟!.. آه يا ابني آه .. يا ريتني متت من زمان ولا شفت هيك شوفه !.. ياريت متت ولا عشت هيك يوم !! .. آخ .. يا ربي آخ .. ليش .. ليش .. ليش .. ؟؟.
تقدم ثلاثة من كبار السن إلى حيث جلست العائلة في منتصف المهجع ، أمسكوا بالأب من تحت ابطيه وأنهضوه ، تناوبوا على الحديث معه يقوون عزيمته , يذكرونه بضرورة الإيمان بحكمة الله أمام أشد المصائب هولا ، سحبوه بهدوء إلى فراشه .
في اللحظة التي جلس بها على الفراش قرقع مفتاح الباب .. انتفض الأب واقفا ، أمسكه الرجال وثبتوه مكانه يرجونه الهدوء ، لدى فنح الباب وقف جميع الناس في المهجع ، سار الأخوة الثلاث باتجاه الخروج وعناصر الشرطة يصرخون طالبين منهم الإسراع .. لكن عند وصولهم إلى الباب توقفوا والتفتوا ، توقفت نظراتهم لثانيتين أو ثلاث على والدهم، ثم خرجوا وأغلق الباب وراءهم !.
أفلت الأب نفسه من قبضة الرجال وركض برشاقة شاب عشريني يداه ممدودتان إلى الأمام اتجاه الباب .. وهو يلهث :
- أولادي .. يا جماعة أولادي .. ولك يا أسعد .. رجاع .. رجاع !!.. ولك أكيد في غلط .. ولك يا أبني رجاع .. خليني أنا روح محلك !!.
اعترضه أبو حسين محتضنا اياه ، لف يديه عليه بقوة ، وتعاون مع الرجال الآخرين لإعادته إلى مكانه برفق .. اجلسوه وجلسوا حوله يواسونه وهو شاخص بأنظاره إلى الباب .
منذ أن خرج الأخوة الثلاثة ونسيم ملتصق بالثقب يراقب ، ينشج ، يمسح دموعه التي لم تتوقف !.
نهض الأب من جديد ، حاول البعض منعه لكن أبو حسين أشار لهم بيده أن يتركوه وأوعز إلى اثنين من الشباب أن يقفوا قرب الباب تحسبا .. وعندما ابتعد الأب عن المجموعة قال أبو حسين :
- اتركوه .. اتركوه يا جماعة ، قلبه محروق .. الله يعينه ويصبره .. اتركوه يعمل شو مابده ، بس لا تخلوه يقرب على الباب ، مصيبته كبيرة وبدها جبال حتى تتحملها !.. لا حول ولا قوة إلا بالله .
أخذ الأب يسير سيرا سريعا وسط المهجع ، من أوله إلى آخره ، يتمتم كلاما غير مفهوم ، يؤشر بيديه في جميع الاتجاهات ، وعندما يصل بمشيته أمام فراشي كان يتلكأ قليلا .. ينظر إلى نسيم الملتصق بالثقب ، ثم يعاود المشي .
أبو حسين جلس إلى جانب نسيم يسأله عما يجري عند المشانق ، نسيم لا يجيب ، نظر أبو حسين إليّ وكنت جالسا خلف نسيم كأنه يطلب مني أن أتدخل ، وضعت يدي على كتف نسيم وطلبت منه أن يتراجع قليلا ليتيح لأبو حسين أن ينظر من الثقب ، لكن نسيم لم يتزحزح وأزاح يدي عن كتفه بعصبية !.. كانت يده ترتجف، في هذه اللحظة وقف الأب أمام فراشي، نظر إليّ ثم جثا على ركبتيه أمامي، قال متضرعا :
-      خلوني شوفهم .. من شان الله .. من شان محمد .. يا ناس خلوني شوف أولادي .. خلوني ودعهم .
أمسكه أبو حسين من يده ، انهضه ، ماشاه وسط المهجع طالبا منه أن يوكل أمره إلى الله :
-      أبكي .. أبكي يا حجي ابكي .. وكل الله .
-      يا أبو حسين .. يا ابو حسين .. شو بدي أبكي ؟.. دموع ؟.. وإلا دم ؟.
-      الله يصبرك .. ويصبرنا ، إن لله وإن إليه لراجعون.. الله أعطى .. الله اخذ .
بقي أبو حسين يسير مع الأب أكثر من ساعة ، الجميع يسمعون الحديث ، شيئا فشيئا بدأ الأب يتماسك أكثر، إلى اللحظة التي أدار فيها نسيم رأسه ونظر إلى الداخل وقد استند بظهره إلى الحائط، بدا متهالكا ونظرته زائغة لا تعبر عن شيء ، عنها عرف الجميع أن الأمر قد انتهى .
أسرعت بأغلاق الثقب أمام نظرات الأب الذي توقف عن المشي وهو ينظر إلى نسيم نظرة هلع ، ثم وضع يده وصاح بصوت حارق :
-      يا ولداه ..!!
انهار أرضا بين يدي ابو حسين ، تعاون بعض الشباب لنقله إلى الفراش .
بعد قليل دار أبو حسين على الجميع في المهجع عارضاً عليهم أداء صلاة الجنازة جماعيا وعلنيا !!.
كانت هذه الفكرة في وقت آخر ستبدو ضربا من الجنون ،وكانت ستلقى معارضة شديدة من الكثير ، لكن في هذه اللحظة أيدها ووافق عليها الجميع دون استثناء .
لأول مرة منذ وجودي هنا الذي مضى عليه أكثر من أحد عشر عاما ، انتظم أكثر من ثلاثمائة شخص في المهجع وصلوا علانية صلاة واحدة !!.
وقفت معهم في الصف الأخير إلى جانب نسيم وأبو حسين الذي نظر إليّ متعجبا مستغربا !.. و" صليت " .
عاد الجميع إلى أماكنهم ، يتمتمون بالأدعية ، الشعور بالحزن طاغ ، لكن بعد هذه الصلاة الجماعية والعلنية خالط الحزن قليل من الرضا عن الذات .. شعور غير مرئي بالأنصار ..! .
جلس نسيم على فراشه بعد الصلاة ، ومنذ تلك اللحظة وحتى الآن ، لم يتكلم أبدا .. ولم يأكل البتة !.
1 آب   
اليوم قلعت ضرسين من أضراس العقل , تخلصت من أسوأ الأشياء التي يمكن أن يتعرض لها السجين هنا    " آلام الأسنان " .
إن أبي بعقليته العسكرية الصارمة اكسبنا بعض العادات , في البداية تكون قسراً , ولكن مع الأيام تصبح عادة لا نستطيع التخلي عنها , من هذه العادات تنظيف الأسنان بالفرشاة ثلاث مرات يومياً, وقد أدمنت هذه العادة إلى درجة أنه كان يستحيل علي النوم مهما كنت تعباً إذا لم أنظف أسناني بالفرشاة قبل النوم , و الآن مضى سنوات طويلة لم أر فيها أية فرشاة , ولأنه حال الجميع هنا فمن الطبيعي أن تتخرب الأسنان وتبدأ المعاناة , فآلام الأسنان هي الأسوء بين كل ما تعرضنا له , أسوء من التعذيب و الموت و الإعدام فهذه كلها آنية .. لحظية , أم ألم الأسنان فيبقى ملازماً الإنسان في الليل و النهار يمنعه من النوم ولا يتركه يهدأ لحظة واحدة .
رغم أن أطباء الأسنان من السجناء قد تدخلوا , ومع نمو الحاجة طوروا آلياتهم ووسائلهم , لكنهم لم يكونوا يملكون إلا علاجاً واحداً وهو القلع !.
معروف كم هو مؤلم قلع الأسنان عند الطبيب رغم التخدير ورغم الأدوات التي يملكها الطبيب يبقى القلع مؤلماً ومكروهاً , أما هنا فلا تخدير .. ولا وسائل قلع مطلقاً !.
كل ما قام به أطباء الأسنان هو أنهم جدلوا خيطاً متيناً من الخيوط التركيبية الرفيعة ( النايلون ) و الشيء الثاني الذي يقومون به هو تحديد السن او الضرس المخرب الواجب قلعه .
في المهجع مجموعة تسمى ( تحبباً ) مجموعة البراعم , وهي مؤلفة من ثمانية أشخاص أو ثمانية عمالقة .. أجساد ضخمة , طوال القامة , عضلات مفتولة , وهم يشكلون مجموعة طعام واحدة وبالطبع ينالون حصة مضاعفة من الطعام .
بعد أن يحدد الطبيب الضرس الواجب قلعه يأتي دور مجموعة البراعم , يربط أحدهم الضرس الخرب بالخيط المتين بينما برعم آخر يثبت رأس المريض بكلتا يديه , فيجذب الأول الخيط بقوة , ونادراً ما احتاج الأمر إلى أكثر من شدة واحدة ليخرج الضرس معلقاً بطرف الخيط , أنا لم أخلع أضراسي بهذه الطريقة .
تحسن موضوع الطبابة في السجن الصحراوي منذ عدة شهور , فلقد دار المساعد على مهاجع السجن وأخبر الجميع أن من يريد أن يقلع سناً أو ضرساً فبإمكانه فعل ذلك عند طبيب الأسنان التابع للسجن , كذلك المرضى بالأمراض العادية يستطيعون أن يراجعوا طبيب السجن لشراء الأدوية التي يحتاجون .
هذا التحسن بدأ من سنتين أو ثلاث , وكان تدريجياً بطيئاً , وكان هذا طبيعياً فلقد قل عدد القادمين الجدد إلى السجن , فبعد أن كانت الدفعات تعد بالمئات اسبوعياً أخذت تعد بالعشرات , ثم قلت أكثر .. فأكثر , تباعد مرات مجيء الهيلوكوبتر وبالتالي المحاكمات و الإعدامات , خف التوتر و الشحن في نفوس عناصر الشرطة , قلت الحالات التي يكون فيها الضرب للضرب و القتل للقتل , أصبح للقتل او الضرب سبب على الغالب كالصلاة مثلاً , أو أن يرى السجين فاتحاً عينيه اثناء التنفس .
أما نسيم فقد ساء وضعه كثيراً , بقي صائماً عن الطعام و الكلام مدة خمسة أيام كاملة بعد إعدام الإخوة الثلاثة , حينها تعاونا أنا وأبو حسين على إقناعه بأن يتناول قليلا من الطعام , رغم ذلك دخل في حالة من الاكتئاب الحاد , عزوف عن الكلام , لم يعد يلعب الشطرنج , وتوقف عن الأعمال الفنية التي كان يشكلها من العجين .
بعد حوالي عشرة ايام كان جالساً إلى جانبي وهو ملتزم الصمت , التفت إلي ببطء وقال بالفرنسية :
-      أين يدفنون جثث الذين يعدمون أو يقتلون ؟
-      لا أعرف .. ولا أعتقد أن أحداً من السجناء يعرف !.
-      حسب رأيك ... هل تكون جثث سعيد وسعد و أسعد قد تحللت ؟.
-      يا أخي .. يا نسيم .. دعك من هذه الأفكار السوداء .
-      من المؤكد أن الشرطة تحفر حفرة كبيرة ثم تفرغ فيها كل هذه الجثث وتهيل عليها التراب .
-      نسيم ارجوك .. أرجوك يكفي كلاماً بهذا الموضوع .
-      لاشك أن الديدان تنهش الآن لحم الأخوة الثلاثة .. ديدان في العينين .. ديدان في البطن .. ديدان في الفم .. الديدان تخرج من فتحتي الأنف .. ديدان .. ديدان .
-      نسيم .. يكفي .. قلت لك يكفي .
بعدها صمت وغرق في أفكاره , باءت كل محاولاتي لإخراجه من صمته بالفشل , يظل صامتاً أياماً عديدة , وعندما يتكلم يبدأ بطرح الأسئلة الكبيرة :
-      ما هي الحياة ؟ .
-      ما هي الغاية من هذه الحياة ؟ .. هل من المعقول أن تكون الحياة بلا هدف ؟.. هل من المعقول أن هذه الحياة من صنع الله ؟ .
-      ماذا يستفيد الله من خلق شخص مثل أسعد ؟.. أتى به إلى هذه الحياة , تعذب كثيراً ثم أعدم .. مات وهو لايزال في أول حياته !! ... حتى أنه لم يأخذ الوقت الكافي ليثبت إن كان رجلاً صالحاً أم طالحاً ؟!.
الغريب أن كل تساؤلاته وأحاديثه حول هذا الموضوع كانت باللغة الفرنسية !, كان احساسي اقرب إلى الفجيعة , هو يغوص في كآبته ومتاهاته وأنا أغوص أكثر فأكثر في الحزن و الألم عليه .
بقي على هذا المنوال حوالي الشهرين , وذات صباح , فتح عناصر الشرطة باب المهجع , قبل أن يتموا فتحه كالعادة قفز نسيم كنابض مضغوط تم افلاته , بأقل من ثانية اصبح خارج المهجع بعد أن رفس الباب بقدمه مكملاً فتحه !.
فوجىء عناصر الشرطة و البلديات لأول وهلة , ولم يتخلصوا من وقع المفاجأة الأولى حتى فاجأهم ثانية بالهجوم عليهم ..
الباب مفتوح ونحن نراقب ما يحدث بالساحة , كان نسيم يتحرك ويصرخ صراخاً وحشياً كجمل هائج , عاصر الشرطة و البلديات أقل من عشرة .. وذهلت .. ما هذه القوة الهرقلية التي أظهرها نسيم ؟.. أين تعلم هذه الحركات القتالية ؟!.. يهاجم أحدهم , يقفز أمامه عالياً ثم يهوي بسيف كفه على رقبته أو على أنفه فيلقيه أرضاً !!.. عنصران من الشرطة وواحد من البلديات ألقاهم أرضاً خلال أقل من دقيقة !! البعض من عناصر الشرطة و البلديات ابتعدوا مسرعين .. فروا .. البعض الآخر هجم على نسيم للإمساك به , علا الصياح و الصراخ في الساحة , أطل الحراس الموجودون على الأسطحة , سرعان ما أشرعوا البنادق ولقموها أخذين وضعية الرامي , وجهوا بنادقهم اتجاه نسيم .. وهبط قلبي بين قدمي .. هل سيطلقون النار عليه ؟.. لكنه ملتحم مع الشرطة .
أحد الرقباء هجم عليه من الخلف وأمسكه من رقبته محاولاً إيقاعه على الأرض لتثبيته , تشجع باقي العناصر فهجموا عليه , لكن نسيم أخذ يدور حول نفسه بسرعة والرقيب معلق برقبته من الخلف , دار عدة دورات تزداد سرعتها مع كل دورة .. ارتفعت قدما الرقيب عن الأرض وأخذ يدور مع دوران جسم نسيم , توقف نسيم فجأة وجذب الرقيب فألقاه أرضاً !! .
فتح باب الساحة الحديدية الأسود وأخذ عناصر الشرطة يتدفقون , العشرات منهم أحاطوا بنسيم لدرجة أننا لم نعد نستطيع أن نراه , مع هدوء حركتهم تأكدنا أنهم قد تمكنوا منه .
صاح احد الرقباء :
-      امسكوه .. لا تضربوه .. مدير السجن جاي لهون .
حضر مدير السجن يحيط به المساعد وعدد من الرقباء و الشرطة , أربعيني طويل القامة , بمشية هادئة تقدم حيث نسيم ملقى على الأرض .
باب مهجعنا لازال مفتوحاً , نراقب ما يحدث دون أن نلتفت برؤوسنا , طلب مدير السجن إحضار نسيم أمامه , انفض جمع الشرطة من حول نسيم واوقفه على قدميه عنصران , وفجاة انتفض وأفلت نفسه من قبضتيهما وهو يصرخ بكلام غير مفهوم متقدماً اتجاه مدير السجن , خطوة أو خطوتين وهجمت عليه مجموعة من الشرطة أحاطوا به جيداً وثبتوه .
تحادث مدير السجن مع المساعد و الرقباء بكلام لم نسمعه , أحد الرقباء أشار إلى مدير السجن اتجاه مهجعنا فتقدم المدير من الباب معه المساعد وبعض الرقباء , طلب أبو حسين و تكلم معه , طلب طبيباً من المهجع وسأله , تشاور قليلاً مع طبيب السجن , عاد وطلب طبيب المهجع سائلاً إياه عن الدواء الذي يريده , ثم ذهب بعد أن أمر بإعادة نسيم إلى المهجع دون إزعاج .
كان تصرف مدير السجن أقرب إلى التفهم و الود، أقرب إلى تصرف الراعي , هذا الأمر المستغرب .. أطلق تكهنات وتحليلات وتأويلات لم تنته .
بعد إغلاق الباب بقي نسيم لمدة ساعتين تقريباً يمشي مشياً سريعاً وسط المهجع جيئةً وذهاباً وعلى دفعات , كل دفعة ما يقارب الخمسة دقائق , يقف بعدها ويبدأ الدبكة وهو يغني :
على دلعونا على دلعونا                   بيّ بيّ الغربة الوطن حنونا
يعاود المشي السريع بعدها .. لم يكن ينظر إلى أي شخص ولا إلى أي مكان ! في المشي أو الدبكة , ينظر إلى نقطة محددة أمامه لا يحول بصره عنها !.
بعد هاتين الساعتين فتحت النافذة الصغيرة في الباب ( الطلاقة ) , نودي على رئيس المهجع , بحذر شديد أعطى الرقيب ثلاث علب دواء لأبو حسين قائلاً :
-      هدول .. دواء المجنون !.
كان نسيم لحظتها قبالة الباب تماماً , سمع العبارة التي قالها الرقيب , انتفض وانطلق كالسهم اتجاه الباب , شاهده الرقيب في انطلاقته فتراجع إلى الوراء عفوياً رغم الباب المغلق .. وصل نسيم إلى الباب .. أخرج يده من الطلاقة يحاول الامساك بالرقيب وهو يصرخ :
-      المجنون ؟!.. انت المجنون ولك كلب !... أبوك المجنون .... امك المجنونة ... ولك يا حيوان .... كلكم مجانين .
من الخارج سمعت صوت الرقيب يصرخ بالجندي :
-      سكّر .. سكّر .. العمى .. ناقصنا مجانين ؟!.
لأول مرة منذ ما يقارب الاثني عشر عاماً أرى الشرطة خائفين , فروا من أمام نسيم في الساحة , رأيتهم مذعورين !, لأول مرة أراهم يتلقون الشتائم ولا يطلقونها !.. يتلقونها ولا يردون !.. وتساءلت :
( هل تحتاج هذه القوة الطاغية التي تمثلها الشرطة إلى الجنون ..... إلى مواجهة مجنونة .... حتى تقف عند حدها ؟ ! ) .
رفض نسيم تناول الدواء من الطبيب , وتشاور هذا مع أبو حسين بعد أن شرح له أن أي مريض بهذه الحالة يرفض تناول الدواء ويجب إجباره على ابتلاع الحبوب , وطلب منه الاستعانة بمجموعة البراعم لإعطائه الدواء بالقوة , فالمريض في هكذا حالات يمتلك قوة هائلة غير طبيعية ويحتاج إلى أربعة أو خمسة أشخاص حتى يستطيعوا إمساكه وإجباره على ابتلاع الحبوب !.
قبل الظهر تناول الدواء , نام على إثرها نوماً عميقاً , استيقظ بعد منتصف الليل وكنت اراقبه , ابتسم لي ابتسامة واهنة دون أن يتحرك من مكانه , قال لي :
-      كيفك ... كيف أحوالك ؟ .
-      أنا ممتاز .. انت كيف أحوالك ؟ .
-      ماشي الحال .. بس نعسان .. بدي نام .
نام بعدها إلى الصباح وعندما استيقظ تصرف تصرفاً طبيعياً كما لو أنه لم يمر بأية مشكلة أو ماشابه , كان هذا رأي الجميع ... أما أنا فقد لاحظت الكثير من التغيرات الطفيفة و التي هي بنفس الوقت لها دلالاتها العميقة , هذه الملاحظات تكونت بمرور الأيام و الأسابيع التي تلت , أصبح هناك ابتسامة دائمة معلقة على شفتيه , هي ابتسامة مزيفة أو أنها ممزوجة بحزن دفين في أعماق النفس , فقد نسيم القدرة على الدهشة التي كانت من أهم سمات شخصيته , لم يعد يسخط على ما يعجبه واستمر بإضرابه عن العمل في العجين .
أوكل لي الطبيب بصفتي صديقه وجاره أمر إعطائه الدواء بانتظام , مشدداً على أنه يجب أن لا أنسى أبداً مواعيده , لأن أي انقطاع عن تناوله سيؤدي حتماً إلى عودة حالة الهياج الشديد والعدوانية !.
بقيت علاقتنا الثنائية بنفس الحميمية , استأنفنا حياتنا اليومية المشتركة كالسابق , ومرت الأيام لكنه لم يتطرق بحديثه ولا مرة إلى ما حدث , حتى موضوع إعدام الإخوة الثلاثة لم يعد إلى ذكره أبداً .
مشاعري الداخلية اتجاهه هي هي لم تتغير , لكن احساسي يقول :
" ان هناك شيئاً ما داخل نسيم ... قد مات " .
وكنت حزيناً جداً لموت هذا الشيء .
25 أيلول
الغبار يملأ الأجواء .
بعد ستة أشهر أو سبعة سأتم عامي الثاني عشر في السجن ، لقد عدت إلى عد الأيام والشهور وهذا في عرف السجناء دلالة سوء ، لكن ألا يحق لي أن أتسأل إلى متى ؟.
البعض هنا سبقوني بسنوات .. ولا زالوا ! اذا كان الأطفال الذين حكمتهم المحكمة الميدانية بالبراءة .. لا زالوا يقيمون في مهجع يسميه عناصر الشرطة مهجع البراءة ، فهل يأمل شخص مثلي .. منسيّ ، مهمل ، لا يعرف حتى لماذا هو هنا .. أن يخرج من هذا الجحيم ؟ .. هل الطريق إلى هذا السجن ذو اتجاه واحد فقط ؟ هل العبارة التي يكررها السجناء وأكاد أسمعها يوميا بأن " الداخل مفقود والخارج مولود " صحيحة ؟ لم أر أي شخص دخل هذا السجن يخرج منه ! .
فمتى .. متى يحين موعد الخلاص ؟.. لست أدري ، ومعها .. إما العجز الكامل والاستسلام للأقدار أو .. الانتحار والخلاص من هذا العذاب اليومي الذي يبدو بلا نهاية .
وتجيش نفسي بالغضب .
************
العجاج ، أو كما يسميه البعض " الطوز " .. يثورهنا في هذه الصحراء مرتين أو ثلاث مرات كل عام ، وفي سنوات القحط قد يزيد عن ذلك مرتين أو ثلاثة ، تثور العواصف الرملية فتملأ الأجواء بالغبار ويستمر ذلك يوماً أو يومين أو ثلاثة ، سواء استمر هبوب الريح أم توقف فإن الغبار يبقى معلقا في الهواء، نتنفس الغبار ، الأنف .. الفم .. العينان .. تمتليء كلها بالغبار ، ننام والغبار ما زال معلقا فوقنا وحولنا وداخلنا ، نستيقظ فنجد ان كل فتحات الانسان الموجودة في الرأس قد امتلأت يالتراب المسحوق الناعم، مياهنا غبار .. طعامنا غبار .
منذ صباح أول البارحة ابتدأ هبوب الرياح واشتدت عند الظهيرة ، اصبحت الرياح زوابع ، هذه الزوابع قذفت من الشراقة التي في السقف بالاضافة إلى الغبار ، مزق من أكياس بلاستيكية والكثير من القش والعيدان الجافة الخفيفة الوزن .. أشواك .. شتى النباتات الصحراوية اليابسة .
كل من لديه قطعة ثياب زائدة حاول لف رأسه بها ، الكثير من الأشخاص لم يعد يظهر من وجوهم سوى العينان .
فجأة قذفت الريح على القضبان الحديدية للشراقة صفحة كاملة من جريدة .. علقت هذه الصفحة بين  القضبان !.
أنظار جميع من في المهجع تعلقت بهذه الجريدة العالقة بين القضبان في السقف ، تهزها الريح ويسمع الجميع صوت خشخشتها .
سمعت البعض يدعون ويبتهلون إلى الله ان يسقط الجريدة داخل المهجع وألا يجعلها تطير بعيدا !.
في الأجواء الطبيعية كنا نرى الحارس كل بضعة دقائق ، إما ان يطل ناظرا من الشراقة ، أو يمر من جانبها فنراه أو نرى ظله ، حتى عندما يكون بعيدا عن الشراقة فإننا نسمع وقع خطواته وهو يمشي على سطح المهجع جيئة وذهابا ،الآن لا أثر للحارس ، يبدو أنه يلوذ بأحد زوايا السطح متقيا الرياح والغبار .
كما تمنى الجميع تمنيت أنا أيضا أن تسقط الجريدة داخل المهجع ، منذ أن أصبحت في بلدي لم أر حرفا واحدا مطبوعا !، الجميع مثلي .. شوق حقيقي لرؤية الأحرف المتلاصقة ، الكلمات المطبوعة!.
هذه جريدة ، وفي الجريدة أخبار ، ونحن منذ أكثر سنتين، تاريخ قدوم آخر نزيل إلى المهجع ، لم نسمع شيئا عما يدور خارج هذه الجدران الأربعة .
سمعت نسيم يقول :
-      يارب .. يارب .. ولك يالله انزلي .
كان يخاطب الجريدة ، نظرت اليه ، أنظاره معلقة بالجريدة عاليا .
الكثير من الناس وقف منتصبا ، الكثير أزاحوا عن وجوههم الأقمشة التي تلثموا بها ، من لم يقف اعتدل في جلسته ، بعض من وقف مشى بشكل عفوي إلى تحت الشراقة ، الرأس مرفوع والأعين معلقة .. الأنظار تتابع تراقص الجريدة بين القضبان !.
واحد من الواقفين تحت الشراقة ، وهو من الفرقة الفدائية ، نظر إلى الناس وقال بصوت مسموع للجميع :
-      يا شباب .. هرم ؟.
على أثر سؤاله هذا قفز العديد وهم يقولون :
-      هرم .. هرم .. هرم ! .
لم تستغرق عملية بناء الهرم البشري وانزال الجريدة أكثر من عشر ثوان تقريبا ، لكنها ثوان مرعبة .. خانقة وحابسة للأنفاس !.
كان من الممكن أن تكلف العديد حياتهم ، لكنها مرت بسلام .
وأصبح لدينا جريدة !.
خاطب أبو حسين الفدائي الذي أنزل الجريدة وبلهجة سريعة :
-      بسرعة .. بسرعة .. عـ المراحيض ، اطويها ، خلي واحد يقرأها ويحكينا شو فيها أخبار .
وركض الفدائي إلى المرحاض حاملا الجريدة .
الفرحة عمت الجميع , فرحت حقيقية , الكثير تصافحوا وتعانقوا مهنئين بعضهم بعض.. إنه انتصار آخر !.
التفتَ نسيم إلي بعد أن عانقني .. قال :
-      أنت تعرف أن أول كلمة نزلت من القرآن الكريم هي كلمة " اقرأ " ؟ .
-      أعرف .... و أنت تعرف أن الإنجيل يبدأ بـــ " في البدء كانت الكلمة " ؟.
-      أعرف .. بس يا مخرج السينما شو يقول لك هذا الحدث ؟
-      تريد أحكي كلام كبير .. مثل الأفلام و الروايات ؟ الحدث بيقول : إن الإنسان مستعد أن يضحي بحياته في سبيل المعرفة .
-      صح .. شاطر .
وضحكنا كما لم نفعل منذ شهور .
محتويات الجريدة جاءت مخيبة للآمال قليلاً , الوجه الأول من الصفحة هو صفة الإعلانات الرسمية , و الوجه الثاني هو الصفحة الرياضية و بها أخبار الدوري العام لكرة القدم !. وهذه الصفحة أثارت زوبعة من النقاشات لم تنته حتى الآن , فبما أن المهجع يضم اناساً من جميع المحافظات , ولذلك على ضوء الأخبار الرياضية الواردة في الجريدة سرعان ما تكتلت جماهير كل نادٍ من النوادي و أخذت تفاخر بمنجزات وتاريخ انتصارات النادي الذي تشجعه .
حتى الإعلانات الرسمية أخذ الناس يقرؤونها بعناية شديدة .. النهم إلى القراءة !, عين أبو حسين شخصاً لينظم قراءة الجريدة بالدور من قبل الجميع , أصبح للجريدة مسؤول " اسماه البعض مازحين بــ وزير الإعلام " , وهو الذي ينظم دور قراءتها , ينقلها من شخص لآخر وهو الذي يحدد الزمن لكل شخص .
الريح هدأت تماماً اليوم , لكن الغبار لازال معلقاً بالجو , حتى داخل المهجع الغبار يملأ كل الفراغات .
 
************
 
في الصباح أعاد الشرطة للمهجع شخصاً كان قد عوقب منذ شهر , ضبطوه في ساحة التنفس وعيونه مفتوحة , بعد أن جلدوه ونكلوا به أمامنا فيما نحن ندور حول الساحة , أمر المساعد بوضعه بالزنزانة الإنفرادية في الساحة الخامسة .
بعد أن دخل وما أن اطمأن إلى أن الشرطة أغلقوا الباب وذهبوا تنفس الصعداء , أخذ يضحك , جلس على الأرض .. وروى للجميع رحلة الشهر التي قضاها في الساحة الخامسة , بدأ حديثه بالقول :
-      و الله يا شباب اشتقت لكم ... وقت دخلت المهجع حسيت إني راجع على بيتي .. يا اللــه .. قديش المهجع حلو !.. يا شباب جنة .. جنة .. نحن عايشين هون بالجنة ...
طفق يروي .. ويحكي يروي .. ويحكي !.
المرحاض داخل الزنزانة الإنفرادية و حتى يأمن أذى الجرذان أضطر أن يسد فتحة المرحاض بالخبز بعد أن عجنه وجعل منه سدادة , أقسم أن هناك جرذاناً بحجم الخروف الصغير !
ثلاث مرات في اليوم حفلة تعذيب أشبه ما تكون بالاستقبال في أول قدوم السجين إلى السجن .
يوضع الطعام في صحن قذر على بعد عشرة أمتار من باب الزنزانة , يفتحون الباب ... يجب أن يخرج السجين سائراً على أربعٍ كما تسير الكلاب .. وأن يظل ينبح في الذهاب , وفي الإياب بعد أن يحمل الصحن .. خلال كل هذا تكون الكرابيج قد أكلت قطعاً من لحم ظهره !!.
النوم على الاسمنت .. لا بطانيات ولا أغطية ولا أي شيء .
كان يروي ويضحك .. وجهه مشرق من الضحك ! .. (( ما الذي يضحكه ؟!)) .
************
 
الغبار لا زال معلقاً .
رموش الناس أصبحت بيضاء , الشرطة متوترون لكن الرقابة ضعفت , ضعفت من الأعلى " الشراقة " , وضعفت من الأسفل من الأرض .
سمعت حديثاً منذ ساعتين أثار اهتمامي ولازلت أفكر فيه .
لدينا في المهجع أربعة من البدو , هم أميون لا يعرفون القراءة أو الكتابة , مهنتهم الرئيسية رعي الأغنام و الجمال , عاشوا طوال حياتهم في هذه الصحراء المترامية يتنقلون في أرجائها من مكان لآخر طلباً للمرعى و الماء , قبض عليهم واعتقلوا وجيء بهم إلى السجن الصحراوي بتهمة مساعدة بعض المطلوبين على الفرار إلى دولة مجاورة , وعندما يسألون هنا عن ذلك يعبسون قليلاً ويجيب كبيرهم المدعو " شنيور " :
-      و الله يا أخوي .. تهمة باطلة .. نحن بدو بديرة الله .. جام " أتوا " جماعة علينا .. و على عادة العرب .. رحبنا بهم , ضيفناهم من الميسور , بعدين يا خوي سألونا عــ الدرب .. دليناهم , هاي فيها شيء يا خوي ؟! وبعدين يقولون لنا .. انتو عملاء .. و انتو جواسيس ! عجيبة و الله يا خوي ! عجيبة .
 
اليوم بعد أن سرد شنيور هذه القصة للمرة الألف تشعب الحديث كثيراً وكان كله منصباً على البدو       وحياة البدو , سأله أحد أبناء المدينة من الذين لم يعرفوا في حياتهم كلها سوى ثلاثة أمكنة " البيت ,         الدكان , الجامع " عما إذا كان صحيحاً ما يقال عن الكرم البدوي , وعن أسبابه ومسبباته , وختم سؤاله قائلاً بتعجب :
-      وكيف يا أخ شنيور .. إذا اجاك ضيف وما كان عندك غير غنمة وحدة , صحيح أنك تذبحها وتطبخها لتقدمها له ؟.. وليش هذا الشيء ؟ ايه .. عمره وانشاء الله ما بياكل ! .. انشاء الله يأكل سم .
-      له .. له .. له .. يا خوي ما يصير تحجي هيج " تتكلم هكذا " .
مضى شنيور في مداخلة طويلة يشرح ويعلل ويفسر , كنت أنصت إليه قسراً لأنه جالس بالقرب من فراشي , لكنه بعد قليل شد اهتمامي بفكرة !.
قال شينور ما معناه :
-      أن للكرم البدوي أسباباً عديدة , عدد عدة أسباب , لكنه قال إن أهم الاسباب هي أن البدوي يحب ضيفه .. يعشقه !.. وهذا بسبب أن البدوي يبقى أياماً وأسابيعاً وشهوراً يعيش في هذه البراري بين الكثبان الرملية و الأتربة و الغبار في وحدة مطلقة , زوجته وأولاده يعتبرهم أقل شأناً من أن يجري حديثاً معهم. لذلك وفي حالات كثيرة نرى البدوي يحادث أغنامه أو جماله !.. يكون في المرعى لا يسمعه أحد , ولأنه يحب أغنامه فإنه يجرى حديثاً معها , ولا بأس أن تتخلل هذه الحديث بعض الشتائم الموجهة إلى الأغنام المشاغبة , و البدوي عندما يصل إلى درجة أن يجري حديثاً مع الغنم .. يكون هذا دليلاً إلى أن حاجته إلى الأنس , إلى المؤانسة .. إلى الاجتماع مع أي انسان , قد بلغت مداها الأقصى , في هذا الوقت إذا حضر الضيف فسيجد حتماً شخصاً متلهفاً يغدق عليه الكثير الكثير من آيات الترحيب و المحبة , يقدم له أفضل ما عنده من كل شيء .. وهذا من حيث لا يدري مكافأة له على مجيئه , وإغراءً له للبقاء أطول مدة ممكنة .
" يبدوا أن العزلة تعلم الحكمة , هذا البدوي فيلسوف حكيم !.. شكراً لك يا شينور , لقد أزلت من نفسي قلقاً مبهماً كان يقض مضجعي .. قد كانت عزلتي في المهجع أسوأ من عزلة أي بدوي في الصحراء , وفجأة اصبح نسيم ضيفي , مع نسيم جاء الأنس و المؤانسة , فطبيعي جداً حسب شرح شينور أن تكون عواطفي جياشة تجاهه " .
التفت إلى نسيم بابتسامة ود وحب , أجابني بابتسامة – مع الاستمرار بتناول الدواء يصبح وضعه أقرب إلى الطبيعي – قلت له :
- أنا رايح اغسل وجهي من آثار الغبار .
اكتفى بهز رأسه .
.....اهداء خاص .......لبرفين......
..............باران...........

صورة  baranaran19911's
User offline. Last seen 7 سنة 13 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 25/07/2009

شديد العتذار لاعضاء منتدى كليلك على الموضوع nuchka fin الموضوع كان فارغا بسبب عطل في الانترنت