nuchka 3

2 ردود [اخر رد]
صورة  baranaran19911's
User offline. Last seen 7 سنة 4 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 25/07/2009

25 كانون الأول

جافاني النوم. الساعة السادسة مددت البطانية كالعادة وتمددت. الواحدة بعد منتصف الليل مللت الاضطجاع بعد أن آلمتني أجنابي، جلست ولففت نفسي بالبطانيات، خمس دقائق وصوت الحارس من خلال الشراقة:

- يا رئيس المهجع .. يا حمار.

- نعم سيدي.

- علملي هالتيس القاعد جنبك.

- حاضر سيدي.

لقد علمني. تمددت فورا، غداً صباحاً سيكون فطوري خمسمائة جلدة بقشاط مروحة الدبابة على قدمي! إن قدمي التي أصيبت شفيت تماما مع ندب طويل ولكنها كانت تؤلمني دائماً في أيام البرد فألفّها أكثر من غيرها، كنت احلم بزوج من الجوارب الصوفية! احد أحلامي الصغيرة. ماذا سيكون مصير هذه القدم المسكينة عندما تتلقى خمسمائة جلدة؟ لم أستطع النوم حتى الصباح. وعندما فتح الباب وصاح الشرطي برئيس المهجع ليخرج الأشخاص الذين تم تعليمهم، قفزت واقفاً، ولكن رئيس المهجع وبسرعة قال:

- مكانك، لا تتحرك، واحد من الشباب طلع بدلا منك.

ذهلت، واحد من الفدائيين، واحد من المتشددين الذين حاولوا قتلي لأنني كافر يفديني الآن بنفسه ويتلقى عني خمسمائة جلدة!!

منذ سنة ونصف تقريبا لم أنطق ولا كلمة، جلست مكاني وأنا أنظر إلى رئيس المهجع بذهول، خرجت كلمتان من فمي لا إرادياً:

- لكن ... ليش ؟

لم يجب رئيس المهجع بشيء، أشار بيده لي أن اسكت، إشارة فيها الكثير من الاحتقار و الاشمئزاز!!.

عاد الأشخاص الذين جلدوا، بعد وجبة الجلد يعودون ركضا على الإسفلت الخشن وهم حفاة، أكثر من واحد منهم رمقني بطرف عينه بنظرة ازدراء وحقد!!

إذاً لماذا؟؟

"لزمني زمن طويل حتى استطعت التوصل إلى تخمين:

بما أنني جاسوس فإنهم كانوا حريصين جداً ألا أحتك بعناصر الشرطة كي لا أمارس جاسوسيتي !!."

في اليوم نفسه كان دور مهجعنا بالتنفس .

التنفس

في السجون الأخرى التنفس هو حيز زمني يخرج فيه السجين من مهجعه إلى ساحة هواؤها نقي، بها بعض الملاعب فيتريض، معرضة للشمس فيتشمس... يأخذ حاجته من الهواء والشمس والحركة.

هنا ... قبل التنفس يكون السجناء في المهجع قد انتظموا في طابور متلوٍ بعضهم خلف بعض، تفتح الشرطة الباب، يخرج الطابور بخطوات بطيئة، الرؤوس منكسة إلى الأسفل، العيون مغمضة، كل سجين يمسك بثياب الذي أمامه، عناصر الشرطة والبلديات يحيطون بالساحة وينتشرون بها بكثافة، يسير الطابور سيراً بطيئاً أو سريعاً حسب مزاج وإرادة الرقيب.

الاثنين والخميس يومان مختلفان عن بقية أيام الأسبوع هنا. في هذين اليومين تتم الإعدامات، لذلك عندما نخرج للتنفس في هذين اليومين تكون كمية التعذيب والضرب أكثر من غيرهما من الأيام، وفي التنفس يكون الضرب غالباً على الرأس:

- ولا كلب... ليش عم ترفع راسك؟!

ويهوي الكرباج على الرأس.

- ولك ابن الشرموطة !!.. ليش عم تفتح عيونك من تحت لتحت ؟!!

ويهوي الكرباج على الرأس.

في الصيف يكون التعذيب أقل. حرارة الشمس التي تثقب رؤوسنا تجعل عناصر الشرطة في حالة تكاسل وعدم ميل للحركة، في الشتاء يشتدّ التعذيب.

أحياناً وبينما الطابور يدور يتجمع بعض عناصر الشرطة حول الرقباء، تدور بينهم أحاديث لا نسمعها، يصبح مزاجهم فجأة أميل للتسلي بنا، يصرخ الرقيب:

- ولا حقير... أنت أنت يا طويل... أطول واحد بالصف، تعال هون...

يركض أحد البلديات ويجر أطول واحد بيننا، طوله أكثر من مترين، الرقيب جالس على كتلة إسمنتية أشبه بالكرسي، يضع رجلاً على رجل، يشد صدره يرجع رأسه إلى الوراء والأعلى، يقول:

- ولا حقير .. أنت بني آدم ولا زرافة؟

يضحك المتجمعون حوله بصخب، يتابع الرقيب:

- وهلق ... اركض حول الساحة خمس دورات وطالع صوت متل صوت الزرافة ... يالله بسرعة.

يركض السجين ويصدر أصواتاً، لا أحد يعرف كيف هو صوت الزرافة، أعتقد حتى ولا الرقيب نفسه، يدور السجين خمس مرات، يتوقف، يقول الرقيب:

- ولا حقير ... هلق بدك تنهق متل الحمار!

ينهق السجين الطويل. تضحك الشرطة.

- ولا حقير... هلق بدك تعوي متل الكلب!

يعوي السجين الطويل. تضحك الشرطة. يضحك الرقيب وهو يهتز، يقول:

- ولا حقير... إي ... إي ... هاي ناجحة وكويسه ... أنت متل الكلب فعلا.

ثم يلتفت إلى رتل السجناء الذي يسير منكس الرؤوس ومغمض العينين، يصيح:

- ولا حقير... أنت أنت... أقصر واحد بالصف ، تعال هون.

يركض أحد البلديات، يجر أقصر واحد بالرتل. شاب صغير لا يتجاوز الخامسة عشر، طوله أكثر قليلا من المتر والنصف، يقف أمام الرقيب الذي يضحك ويقول:

- ولا حقير... يا زْمِكّ ... وقف قدام هالكلب الطويل.

يقف السجين القصير أمام السجين الطويل، يصرخ الرقيب:

- ولا حقير ... يا طويل ... هلق بدك تعوي وتعض هالكلب يللي قدامك وبدك تشيل قطعة من كتفه ، وإذا ما شلت هـ القطعة ... ألف كرباج.

يعوي الطويل ثلاث أو أربع مرات متواصلة، يتقدم من القصير وينحني مطبقا بفكيه على كتف القصير الذي يصرخ ألماً ويتملص من العضة.

- ولا حقير... يا طويل... وين قطعة اللحم ؟ يا شرطة ... ناولوه.

ينهال رجال الشرطة بكرابيجهم ضرباً على الطويل، يسقط على ركبتيه، يتساوى بالطول مع القصير وهو جاثٍ ... يترنح ... يصرخ الرقيب:

- بس ... " تتوقف الشرطة عن الضرب " ... ولا حقير ... طويل ... قوم وقف.

يقف الطويل.

- ولا حقير... قصير... وقف وراءه.

يرجع القصير إلى خلف الطويل.

- وهلق ... انتوا الاثنين اشلحوا تيابكم.

يخلع الاثنان ثيابهما ويبقيان بالسراويل.

- ولا حقير قصير... نزل سرواله.

ينزل القصير سروال الطويل الى حد الركبتين.

- ونزل سروالك كمان.

ينزل القصير سرواله أيضا.

- وهلق ... قرب نيكه ... اعمل فيه متل ما بتعملوا ببعضكم كل ليلة يا منايك ... يا الله قرب نيكه.

يتلكأ القصير، تشتد إليتا الطويل وتتشنج، يشير الرقيب إلى أحد عناصر الشرطة، يقترب هذا ويهوي بالكرباج على ظهر القصير ... يلتصق القصير بالطويل من الخلف، يهتز الطويل، عضو القصير المتدلي بالكاد يصل فوق ركبتي الطويل، يضحك الرقيب وباقي عناصر الشرطة.

الرتل يسير. الرؤوس منكسة، العيون مغمضة، رغم ذلك، الكل يرى، الكل يسمع.... وترتفع بيادر الحقد والذل.

يطلب الرقيب تبديل المواقع، يصبح الطويل خلف القصير، عضوه المرتخي والمنكمش في منصف ظهر القصير... يستمر الضحك ...

الرتل يسير، الرؤوس منكسة، العيون مغمضة.

تنفس آخر، يوم آخر، رقيب آخر، شرطة آخرون، بلديات آخرون، السجناء أنفسهم، زادوا قليلا، نقصوا قليلا.

يجلس الرقيب على الكتلة الاسمنتية ذاتها، يضع رجلاً على رجل، يصيح وهو ينظر إلى الرتل الذي يسير برؤوس منكسة وعيون مغمضة:

- جيبوا لي هـ البغل ... السمين.

يأتون برجل أربعيني بدين، يعرف الرقيب منه اسمه واسم مدينته، كم أمضى في السجن ... وتفاصيل أخرى، ثم يسأله:

- أنت متزوج ولاّ أعزب؟

- متزوج سيدي.

- أنت بتعرف شو عم تساوي زوجتك هلق ... ولا ... أنا بقلك، أكيد عم تشرمط، أنت صار لك ثلاث سنين في السجن .... وهي كل يوم مع واحد جديد.

السجين ساكت، منكس الرأس مغمض العينين، يتابع الرقيب:

- ليش ساكت ؟! ... احكي ... وإلا خجلان تقول قدام الشباب انك متجوز واحدة شرموطة ؟!... شو العرصات كمان بيخجلوا؟!

تمضي الأيام، يتبدل الرقباء، لكن الأساليب تبقى نفسها ... الزوجة الشرموطة، إذا لم يكن السجين متزوجا تصبح ... الأخت الشرموطة، أو حتى الأم الشرموطة، البنت الشرموطة إذا كان للسجين بنات.

" كنت أتساءل : هل هي تسلية فقط أم أنها نهج ؟! ... الدافع للتركيز على هذا الموضوع هل هو عقد الجنس والكبت الشرقية لدى الرقباء يفرغونها من خلال السلطة التي يملكونها على السجناء؟! ... أم هو نهج مدروس الغاية منه تحطيم الإنسان وإذلاله من خلال المرأة باعتبارها أعلى قيم الشرف لدى المسلمين سواء كانت زوجة أو أختاً أو أماً أو أية قريبة أخرى ؟!... وشرف المرأة لدى الشرقيين بالعام هو أن لا تمارس الجنس خارج نطاق الزوجية، وأي سلوك لها في هذا الاتجاه قد يدمر العائلة بالكامل ويلحق بها العار."

لم يكن ممكناً معرفة أسماء الشرطة أو الرقباء، ولكن السجناء أطلقوا عليهم أسماء من عندهم. وهذه الأسماء كانت تعتمد إما على علامة فارقة تميز هذا العنصر، من مثل: الأحول، أو "الأربع شقف" وكان هذا الرقيب يهتز ويتخلع في مشيته بحيث يبدو إن قطع جسده تتحرك كل منها باتجاه. أو أن تستند التسمية على لباس ما، مثل الرقيب "أبو شحاطة" وهذا كان دائما يأتي منتعلاً الشحاطة، وعلى الأغلب تستند التسمية على عبارة يرددها الرقيب دائماً. فكان هناك الرقيب "ولا حقير"، والرقيب "ابن الشرموطة"، والرقيب "يا كرّ" ... إلى آخره.

يسأل السجين صديقه العائد من العقوبة:

- مين اليوم في الساحة؟

- ابن الشرموطة.

يقصد الرقيب الذي يظل يكرر عبارة: ابن الشرموطة.

22 شباط

في الصباح الباكر وقبل إدخال الطعام، فتح الشرطة باب المهجع ودخلوا بطريقة وكأن مائة ثور هائج قد دخل هذا المكان، الصياح، الضرب بالكرابيج، الشتم، وبين شتيمة ولسعة كرباج يصرخون:

- وجهك عـ الحيط .. وجهك عـ الحيط ..

منذ دخول أول شرطي بهذه الطريقة قفز السجناء وأداروا وجههم إلى الحائط، وقفت لا أدري ما افعل.. صحوت على الكرباج يهوي على خدي ويلتف على رقبتي من الخلف والشرطي يصيح:

- وجهك عـ الحيط !

أدرت وجهي، تخشبت وسيخ الألم يمتد من وجهي إلى رقبتي، بعدما ما يقرب الخمس دقائق خيم الصمت، ثم صوت احد الشرطة يصيح بصوت عال:

- انتبــــه .. مكانك تهيأ.

خبط جميع عناصر الشرطة أقدامهم بالأرض، وقدم الصف بصوت اعلى:

- المهجع جاهز سيدي المقدم.

انه مدير السجن. أخد يتمشى من أول المهجع إلى آخره بين صفين من عناصر الشرطة الواقفين وقفة استعداد عسكرية.

ركبني الفضول وبسلوك عفوي أكثر من أن يكون مقصوداً، نظرت بزاوية عيني خلسة إلى المقدم. رأيته، شاب ثلاثيني أشقر الشعر، مشيته فيها الكثير من التوتر، وكذلك كلامه، يتكلم وكأنه يحادث نفسه بعبارات لم أستطع فهمها أو الربط بينها:

- أنا.. أنا أتهدد!! .. سأحولها إلى جهنم ... شعرة واحدة يروح ألف مجرم مقابلها ..

ثم صاح بصوت شديد الاحتقان:

- ولا كلاب.. مجرمين.. انتو لسا ما بتعرفوني منيح .. والله لادبحكن دبح الغنم.

بعدها صاح بمجموعة من الشرطة واقفة بينه وبين السجناء:

- زيحوا هيك ولا..

صوت طلقات مسدس متتابعة، انكمشت على نفسي لدى سماعها وخبأت رأسي أمام صدري، وبسرعة فائقة خرج المقدم يسحب وراءه رتلاً من عناصر الشرطة وأغلق الباب.

أربعة عشر قتيلاً بأربع عشرة طلقة هي كل مايحويها مخزن مسدس المقدم على ما يبدو. ركض الأطباء وبينهم زاهي إلى زاوية المهجع حيث القتلى، فحصوهم جميعاً، الكل ماتوا فوراً، ومكان دخول الرصاصة واحد لدى الجميع في الرأس من الخلف، سحبوهم إلى وسط المهجع، تجمعت بركة من الدماء الطازجة وجلس البعض حولها يبكون، الأغلبية جامدة مذهولة، الأطباء في حالة حيرة لايعرفون ما يفعلون، وقف واحد من فرقة الفدائيين، قال:

- لاحول ولاقوة الا بالله ... انّا لله وإنّا اليه راجعون، عليهم رحمة الله، هم السابقون ونحن اللاحقون، اللهم اسكنهم فسيح جنانك، اللهم هؤلاء شهداء في سبيل إعلاء كلمتك، كلمة الحق، فارحمهم أنت الرحيم الغفور.

سكت قليلاً .. ثم أردف موجهاً حديثه للجميع:

- يالله يا إخوان .. خلينا نقوم بواجبنا.

انتظروا حتى توقف نزيف الجثث، نقلوها ووضعوها قرب الباب أمامي وأمام رئيس المهجع، بين القتلى الشيخ محمود الذي أنقذ حياتي، صليت عليه سراً، حزنت على الجميع فوجوههم أصبحت مألوفة لي، وكان حزني كبيراً على الشيخ محمود.

نظفوا الأرض من الدماء، كل البطانيات الملوثة بالدماء نظفوها، دار نقاش بين مجموعتين عند رئيس المهجع، مجموعة تقول إنه يجب ان نأخذ جميع ملابسهم، لأن الحي أفضل من الميت، وجماعة تعارض ذلك وترى أن هذا معيب. أخيرا انتصر الرأي القائل بأن الأحياء الباقين بحاجة إلى الملابس، وتكفلت مجموعة خلع الملابس وتنظيفها، خرجت الجثث ليلاً من المهجع وهي عارية لا تلبس إلا السروال الداخلي فقط.

" بعد ثلاث سنوات سيروي احد القادمين الجدد أن السبب في هذه المجزرة هوان التنظيم المسلح قد أرسل تهديداً بالقتل للمقدم إذا لم يحسن من معاملة السجناء الإسلاميين، وجد المقدم هذا التهديد تحت ماسحة زجاج سيارته وهو ذاهب إلى الدوام صباحاً ، فقام بقتل هؤلاء وسرب الخبر ليسمع به التنظيم مصحوباً بتهديد معاكس:

- مقابل ورقة مكتوبة قتلت أربعة عشر واحداً! إذا مست شعرة من رأسي أو رأس شخص يخصني سيكون المقابل مائة، إذا حصل أذى أو مات احد من أقربائي فإنني لن أبقي على أحد حياً!!."

ولم يرد بعدها أي تهديد.

مهجعنا قريب من الباب الخلفي من السجن، من هذا الباب يأتي الطعام، تصف الشاحنة الروسية خلفاً ويقوم البلديات بإنزال قدور الطعام الكبيرة، ومن هذا الباب وفي نفس السيارة تنقل الجثث يومياً بعيد منتصف الليل، من خلال سماعنا لارتطام الجثث في أرضية السيارة كنا نعرف عدد الذين ماتوا في هذا اليوم، وفي يوم زيارة المقدم أحصى الساهرون ثلاثة وعشرين خبطة جثة، وعن طريق مجموعة المورس ذهاباً وإيابا تم معرفة الجميع وحفظت هذه المعلومات في الأذهان.

24 آذار

نسير..ندور.

أمشي في الرتل الدائر حول الساحة، منكس الرأس، مغمض العينين، ممسكاً مطاط بيجاما من يتقدمني، يجرني خلفه. الرجل الذي خلفي يمسك مطاط بيجامتي ويشدني إلى الخلف، نسير..ندور. أتساءل أحياناً:

أي كائن أنا؟! هل أنا إنسان؟! حيوان؟! شيء؟!.

كان لي صديق من بلدي يدرس في فرنسا، يصله من أهله بداية كل شهر مبلغ من المال يكفيه حتى كفاية الشهر. هذا الصديق بدلاً من أن يبرمج مصروفه ويقسمه على ثلاثين يوماً كان يدعوني إلى سهرة واحدة فخم أو مطعم مشهور.

هذه السهرة كانت تكلفه حوالي نصف مصروفه، لذلك كان في الأيام العشرة الأخيرة من الشهر يستدين مني ومن الأصدقاء حتى يأكل.سألته مرةً:

- لماذا تصرف كل هذه النقود على سهرة واحدة ولايبقى معك في الثلث الأخير من الشهر فلس واحد؟

أجاب:

- إنني في هذه السهرة التي أقيمها مرة في الشهر أشعر أنني إنسان! إن هؤلاء الذين يعملون في هكذا فنادق أو مطاعم مدربون جيداً كي يشعروك بأنك إنسان " كلامهم..طريقة خدمتهم لك..هيئتهم" كل هذه الأشياء تجعلك تحس بأنك إنسان محترم، أنا ياصديقي في جوع حقيقي كي أشعر يحترمني الآخرون، لايهم أن أجوع بضعة أيام كل شهر، لكن الشعور بأنني إنسان يكفيني لمدة شهر.

لقد راقبت هذا الصديق في كل المرات التي دعاني فيها إلى السهرة عند استلامه النقود المرسلة من أهله، وفي كل مرة كنت أشاهد إنساناً معتزاً بنفسه، واثقاً، يمشي إلى جانبي في خيلاء.

راقبته كذلك في المرات الثلاث التي كان مجبراً فيها على مراجعة سفارتنا في باريس، وفي كل مرة كان يستعطفني ويرجوني بحرارة أن أرافقه، رغم أنه كان يحاول تأجيل الذهاب بأعذار وحجج واهية حتى اللحظة الأخيرة.

يصل السفارة وقد تغير، يدخل متردداً، يلقي نظرة خاطفة إلى الوراء (عله يريد التأكد من وجودي)، أقرأ في نظرته هذه معاني الخوف والقلق.. وطلب الغوث.

يخرج مكفهراً..صامتاً.. مسرعاً..يشير لي بيده أن أمشي بسرعة، أمشي إلى جانبه صامتاً.

في المرة الأولى والثاني اكتفى بأن يبصق بصوت مدوّ حالما ابتعدنا عن السفارة.

في المرة الثالثة، تكلم:

-الكلاب.. يريدون أن يجعلوا مني جاسوساً!.. جاسوساً! وعلى من؟! يريدون مني أن أتجسس على يوسف!! هددوني بالاعتقال والترحيل.. قالوا إن لديهم خمس زنازين في مبنى السفارة، كلاب..تفو..تفو!.

نسير..ندور حول الساحة.

إغماض العينين يجعل مئات الصور تتقافز في الذهن.

في بدايات حياتي أولعت بالمطالعة كثيراً، صار اسمي في البيت "فأر الكتب". التهمت كل ماوقع تحت يدي من قصص وروايات، كنت وقتها عندما أغمض عينيّ أحس أن هناك آلاف الأحرف والكلمات تتقافز في الذهن.. تتصادم.. ترتطم بجدران الرأس.. تقع أرضاً ليقفز غيرها. أجلس ملتفاً برطوبة قبو منزلنا الظليل- والذي كنت قد نظفته ورتبتع وجعلت منه مكاني المفضل بعيداً عن الأهل وضجيجهم- تعباً من القراءة، مغمض العينين، أمارس لعبة الأحرف والكلمات المتقافزة "يحرقني الحنين إلىجلسة صغيرة في ذلك الركن".

في المراهقة والشباب الأول، أصبت بلوثة السينما، أخرج من صالة لأدخل أخرى، كنت أشاهد أحياناً ثلاثة أفلام في يوم واحد، أصبح اسمي "فأر السينما"، عرفت كل صالات العاصمة جيداً، كنت أحفظ عن ظهر قلب برامج الصالات للأسابيع المقبلة.

نسير..ندور.. تحت لسع الكرابيج، منكسي الرؤوس، عيوننا مغمضة، يمسك أحدنا ذيل الآخر.. وندور.

فأر كتب، فأر سينما، الآن.. أحس أنني بغل.

في الكثير من الأرياف وقبل انتشار محركات ضخ المياه من الآبار، كانم انتشال المياه من هذه الآبار بواسطة قوة محركة هي البغال (في بعض البلاد يسمونها "الدولاب" ويسمونها في أخرى "الغرّاف"). يربطون البغل إلى عمودٍ، يغطون عينيه " للآن لم أعرف لماذا يغطون عينيّ البغل" ويظل يدور..يسير.. ويدور حول البئر من الصباح إلى المساء، هذا الدوران العبثي بالنسبة للبغل!.. ونظل ندور!.

فيلم غربي يصور حياة راهبة في الخامسة والعشرين من عمرها، كان أهلها قد نذروها لحياة الرهبنة. فتاة ذات نفس نقية، قانعة بحياة الرهبنة ومستمتعة بها، طاهرة كالثلج، تعيش في دير يقع في جزيرة نائية. تدور أحداث الفيلم ويهاجم القراصنة هذه الجزيرة، هذه الراهبة البتول تقع بين أيدي قرصان مجرم فاسق، يلقيها أرضاً ويغتصبها.

مشهد: يقف القرصان بجسده الضخم ويبتعد مهمهماً.. لراهبة ملقاة أرضاً..مكشوفة الساقين..- تقترب الكاميرا- خيوط من دم العذرية تسيل على الفخذين.. هي غائبة عن الوعي.

نسير..وندور حول الساحة، مشدودي الأعصاب، نتوقع في كل لحظة صفعةً أو ركلةً..أو كرباجاً، رغم ذلك ننسى أحياناً، تأخذنا الأفكار في جميع الاتجاهات، نحلم بيوم لانسمع فيه كلمة "تنفس"، يومٍ لانسير ولاندور فيه، تحضر الذكريات.. تتغلب على كل الشد العصبي وتحضر، تداعبني وجوه الأهل والأصدقاء، المرأة بشكل خاص، أمي.. أختي.. سوزان، تحضر كل نساء"ي"، وأحياناً قد ترسم ذكرى ما ظلَّ ابتسامة على شفاهي.

نسير..ندور.

في اللغة العربية "الاستنثار": هو إخراج المخاط عن طريق فوهات الأنف الخارجية، أما "التنخّم" فهو استحلاب المخاط إلى داخل الفم.

فيما نحن نسير..ندور، امتدت يد غليظة، أمسكتني من ساعدي وجرتني خارج الرتل، أغلقت عينيّ جيداً ونكست رأسي حتى التصق بصدري. بقي ممسكاً بساعدي، اليد الأخرى أمسكت فكي السفلي ورفعت رأسي إلى الأعلى بعنف، فحّ صوته ممزوجاً بحقد رهيب:

- ارفع رأسك.. ولا كلب، افتح تمك..لشوف.

فتحت فمي، طلب مني أن أفتحه أكثر، ففتحته. تنخّم بقوة، تنخم ثلاث مرات، ودون أن أستطيع رؤيته أحسست أن فمه قد امتلاً بالمخاط المستحلب.. شعرت برأسه يقترب مني و..بصق كل مايحتويه فمه إلى.. داخل فمي. برد فعل غريزي حاول فمي التخلص من محتوياته، تملكتني حاجة لاإرادية بالإقياء، لكنه كان أسرع مني وأسرع من فمي، أغلق فمي بيد وامتدت يده الأخرى بسرعة البرق إلى جهازي التناسلي، أمسك خصيتيّ وضغط عليهما بشدة.. مودة الألم الهائلة التي صعدت من خصيتيّ إلى الأعلى كادت أن تفقدني الوعي، انقطع تنفسي لثانيتين أو ثلاث، كانت كافية لأن أبتلع مخاطه وبصاقه كي أتنفس، ظل يضغط خصيتيّ حتى تأكد أنني قد ابتلعت كل شيء.

تابعت السير.. تابعت الدوران، مغمض العينين، منكس الرأس.

ألم الخصيتين المهروستين يخفت شيئاً فشيئاً، الإحساس بأنني قد امتلات بالقذارة يتصاعد شيئاً فشيئاً.

تفيق الراهبة من غيبوبتها يملؤها الإحساس بقذارة جوفها.. تنتهي إلى الجنون.. كانت تزداد إحساساً بالقذارة كلما اغتسلت.

عدنا إلى المهجع، حاولت الإقياء بشتى السبل، لم أنجح، شربت كمياتٍ هائلةً من المياه ولكن الإحساس بأن جوفي ممتلئ بالقذارة يزداد.

"سأخرج من السجن وأشرب كمياتٍ هائلةً من الماء والعرق والنبيذ والويسكي، شتى المشروبات الباردة والساخنة، لكن لن أستطيع التخلص من الإحساس بأن مخاط ذلك الشرطي ملتصق بمعدتي.. ببلعومي.. وهو يأبى الخروج".

30 آذار

صح ما توقعه الدكتور زاهي .

حوالي سنتين مضتا على وجودي هنا. معزول ومجبور على الجلوس في مكاني لا أغادره إلا إلى التنفس أو المرحاض، لا أستطيع النظر إلى أي واحد بشكل مباشر رغم أنني لا أعتقد أن الجميع راغب بقتلي "أو كان راغباً"، ولكنني لا أستطيع أن أميز بين من يرغب أو لا يرغب، والمهم في هذا أن الجميع يقاطعني ولا يرغب بوجودي بينهم هنا، " وأنا أيضا لا أرغب بوجودي هنا "، طوال هذه الفترة كنت أتوق إلى من أحادثه، أن أجرب قدرتي على الكلام من جديد، لكن قوة الكراهية كانت تلصقني بالبطانية وتلصق البطانية بالأرض.

الآن بعد أن صحت توقعات الدكتور زاهي أصبحت اجلس في مكاني بإرادتي، لا أريد الاحتكاك بأحد، لا أريد محادثة احد.

إنه التهاب السحايا. وتحول الأمر إلى وباء بسرعة مذهلة، بدأ الأمر منذ شهر تقريباً، أولاً شخص واحد، ثم آخر .. ثم آخر، اجتمع الأطباء السجناء، تدارسوا الأمر، وعندما وصلوا إلى قرار موحد كان العدد قد جاوز عشرة مصابين. الاتصال الداخلي بين المهاجع "المورس" اخبر واستفهم، تبين ان الحالة عامة في كل المهاجع.

عندما وصل عدد المصابين إلى عشرين "مات منهم اثنان وفقد البصر اثنان ولا يزال الباقون يتأرجحون"، طلب الأطباء أن يجري نقاش عام في المهجع، تكلموا وشرحوا الأمر بدقة وواقعية، ثم طلبوا من رئيس المهجع أن يدق الباب ويطلب المساعد ويضعه في صورة الأمر، رفض رئيس المهجع هذا الطلب وقال إن هذا مستحيل، رد عليه احد الأطباء بأنه خلال أيام قليلة وإذا لم يتوافر الدواء فإن كل الناس في هذا المهجع، وعلى الأغلب في السجن كله سيصابون. والإصابة في ظل هذه الأوضاع الصحية وانعدام الدواء انعداماً كلياًُ، يعني حتماً إما الموت أو ما يشبه الموت، وطالما أننا سنموت في كل الأحوال فلنطلب المساعد ونضعه في صورة الأمر ولو كانت نسبة الأمل واحداً على مليون.

- يا دكتور .. يا دكتور عندك شك إنه هدول يريدون موتنا؟ وأنت تتوقع من يللي يريد قتلك انه يعالجك؟ نحن هون من سنوات .. شفت شي طبيب عالج مريض بهالسجن؟ أنت تتصور إنه هدول عندهم ذرة واحدة من الرحمة أو الإنسانية؟ أو اإنه يخافوا الله؟ خلينا نموت تحت رحمة الله .. ولا نطلب الرحمة من هدول الوحوش، والموت حق على كل مسلم ومسلمة، والموت بهذا الظرف رحمة من الله.

كنت اسمع كل النقاش هلعاً. "رئيس المهجع من أكثر الرجال الذين شاهدتهم في حياتي قوة شخصية، وهو ضابط في الجيش، قوي، صارم، رزين".

لم يستسلم الأطباء، توجه احدهم إلى رئيس المهجع قائلاً:

- نعم .. الموت حق، كلنا راح نموت بأجلنا، لكن الدين يأمرنا بألا نرمي بأنفسنا إلى التهلكة، وطلبك المساعد قد يساعد على إنقاذ الكثير من أرواح المسلمين وهذا واجب عليك وعلينا.

وفي عبارة القصد منها الإحراج أردف الطبيب:

- إذا كنت أنت لا تستطيع أن تطلب المساعد، اترك واحداً منا يطلبه بدلاً عنك.

انتفض رئيس المهجع ، "واضح انه استُفز"، قال:

- طيب يا جماعة أعطوني مهلة ساعتين حتى أفكر بشي طريقة.

انفض الاجتماع، وأعطى الأطباء مجموعة من النصائح الطبية للجميع. سارعت أنا إلى سترة بذلتي فنزعت أحد جيوبها الداخلية، نسلت خيطاً من البطانية، صنعت كمامة وضعتها على فمي وانفي، نظر الجميع إليّ باحتقار، ولكن خلال يومين كان لدى الجميع كمامات.

بعد حوالي ربع الساعة وقف رئيس المهجع بحركة مفاجئة، نظرت إليه، كانت عيناه محتقنتين باللون الأحمر، واضح انه أدرك حجم الإهانة التي وجهها إليه الطبيب ، وقف أمام الباب بعزم، وبجماع يده طرقه طرقات قوية.

سأل صوت الرقيب المناوب من الساحة:

- شو بدك ولا حقير؟

- بدي المساعد .. الأمر ضروري جداً.

- شو ..! شو..! شو..! المساعد دفعة وحدة ؟! ولا حقير.. شو بدك من المساعد؟ .

اغتاظ رئيس المهجع ، وبدأ يتمتم:

- العمى .. شو أنا عم اطلب رئيس الجمهورية ؟!.. هوي شقفة مساعد لا راح ولا أجا .. الله يلعن هـ الزمان .

بعدها صاح بصوت عال :

- الأمر خطير جداً .. جداً ، ولازم يجي المساعد هلق ، لمصلحتكم مولمصلحتنا .

بعد ربع ساعة فتح الباب وطلب المساعد إخراج الجحش رئيس المهجع ، شرح له رئيس المهجع أبعاد المرض كما سمعها من الأطباء ، وختم حديثه بقوله :

- يا سيدي .. العدوى بهادا المرض شديدة جداً ، ممكن الشرطة ينعدوا من المساجين ، ممكن – لاسمح الله – سيادتكم تنعدوا ، نحن واجبنا نخبركن ، وإذا حبيتوا تسمعوا أكثر بنادي الدكتور سمير .

نادوا الدكتور سمير وشرح للمساعد بالتفصيل مؤيداً كلام رئيس المهجع أن العدوى ممكن أن تنتقل إلى الشرطة .

أغلقوا الباب بعد إدخال الدكتور سمير ورئيس المهجع دون عقوبة! وبعد ربع ساعة أعادوا فتحه، وقف المساعد وجميع الشرطة خارج المهجع ودخل ضابط برتبة ملازم ثان، طبيب السجن العسكري، عرفنا وقتها أن في السجن طبيباَ!!.

وقف عند الباب إلى جانبي، طلب من الجميع الجلوس في أماكنهم وفتح عيونهم، " لم نعتد هكذا لهجة !" بعدها طلب من جميع الأطباء الوقوف ، بانت دهشة حاول إخفاءَها عندما رأى عدد الأطباء ، سألهم عن أسباب تشخيصهم فعددوا له الأسباب، دخل إلى زاوية المرضى وألقى عليهم نظرة سريعة، ثم قفل راجعاً إلى الباب، توقف والتفت، أشار إلى اثنين من الأطباء الشباب طالباً منهم المجئ إليه، وعندما جاؤوا سألهما دون أن يستدير:

- عرفتوني؟

- نعم.

- هم م م..

خرج الطبيب وأغلق الشرطة الباب، اقترب بضعة أشخاص من الطبيبين، قال أحدهما:

- هذا الطبيب زميل دراستنا وتخرجنا مع بعضنا، هو من الساحل من طائفة الرئيس وعشيرته، بعد التخرج ما عاد شفناه، راح على ضيعته.

بعد أقل من أربع وعشرين ساعة عاد الطبيب مرة أخرى، معه المساعد والشرطة والبلديات، نادى الدكتور سمير قال له:

- أنت بدك تعالج كل المرضى في السجن هادا هو الدواء اللازم، في عندنا كميات كبيرة منه، راح يكون معك رقيب وعناصر من الشرطة، لازم يشوفوا كل حبة دواء تستهلك، كل "سيرنغ" تستخدمه لازم تسلمه للشرطة، كل علبة كرتون .. أنت مستعد؟.

- نعم مستعد.

وبدأ الدكتور سمير جولاته على المهاجع، الشرطة ترافقه، البلديات يحملون علب الدواء، كرتونة كبيرة لكل ما هو مستهلك، يخرج صباحاً ليعود مساءً تعباً منهكاً، ورغم ذلك استمر المصابون بالازدياد، لكن حالات الموت انحسرت وتضاءلت اليوم انضم إلى المصابين بالمرض أول طبيب، الدكتور زاهي .

1 أيار

مات زاهي .

ليس لأنني أدين بحياتي له مرتين، مرة لعنايته الطبية بي عندما كنت مشرفاً على الموت بعد الاستقبال، ومرة عندما أوعز للشيخ محمود بانتشالي من بين أيدي المتشددين.

لكن لأنني أحببت هذا الرجل الذي لم يفقد ابتسامته في أحلك الظروف، لهجته لهجة المنطقة الشرقية المحببة، تراه موجوداً في كل مكان يمكن فيه أن يقدم فيه يد المساعدة، سعةَ أفق وسعةَ ثقافة نادرتين في هذا المكان، كنت أحس أنه موجود في الموقع الخطأ حيث يسود التعصب والتشدد وضيق الأفق والضحالة الثقافية.

شعرت بحزن عميق لم أشعر به طوال حياتي، حزنٍ أنساني حذري المضاعف، أخرجني من قوقعتي فور سماع الخبر، نسيت حذري منهم وحذري من المرض.

مشيت كالمسرنم إلى حيث يرقد زاهي، ركعت إلى جانبه ورفعت يده إلى جبيني وأجهشت بالبكاء بصوت عال، بكيت بكاءً مريراً، هل تفجر حزني على زاهي هكذا؟ أم هو تفجر بسيط للقهر المتراكم منذ عودتي إلى بلدي؟!.

بموته أحسست أنني قد فقدت آخر سند لي هناك، أصبحت عارياً، زاهي هو الوحيد الذي أستطيع النظر إلى عينه مباشرة، وغالباً كنا نختلس النظرات خفيةً، كنت اشعر أن هناك تفاهماً خفيّاً بيني وبينه، وطالما قرأت في عينه أنه لن يتخلى عني.

زاهي .. كان إنساناً .. إنساناً كبيراً.

بكيت وبكيت.

لكزني أحدهم بقدمه، رفعت رأسي ومن خلال الدموع رأيت "أحدهم"، صر على أسنانه وقال:

- قوم ولاك .. لا تنجس الشهداء.

قمت، رجعت إلى مكاني، دخلت قوقعتي، مسحت دموعي من الخارج، تركتها تسيل إلى الداخل.

3 أيار .

يجب أن لا أجن. كان هذا قراري منذ البداية، رغم ذلك كنت أحس أحيانا أنني على حافة الجنون، عندها كنت أغني.. لكن بصمت، أغني بذهني ودائماً أغان فرنسية، لم أغن أية أغنية عربية.

لا أفتح فمي مطلقاً، لا أتلفظ بأي حرف، أجلس طوال اليوم في مكان واحد، أغادره باتجاه المغاسل والمراحيض أربع أو خمس مرات في اليوم، أتحرك فقط في اليوم الذي يكون لدينا فيه تنفس.

اجلس .. أفكر وأفكر. "فكرت مرة: هل يمكن لإنسان ما أن يوقف التفكير؟!".

استعرضت الماضي عشرات المرات، أدق التفاصيل، تفاصيل كان لا يمكن أن أتذكرها ولو عشت عشر حيوات خارج هذا المكان، أستعيد كل ما هو سعيد ومبهج، كل ما هو جميل في الخارج.

أنا الآن في الثلاثين من عمري، كنت قد تركت الدراسة بعد نيلي الثانوية تحت إغراءات العمل التجاري والثراء السريع مع صديق لي، أربع سنوات من العمل التجاري الفاشل، تحمل الأهل مسؤولية تسوية الأوضاع، بعدها إلى فرنسا والدراسة هناك، ست سنوات في فرنسا، والآن هنا.

استعرض الماضي وأحلم بالمستقبل، تحول الأمر إلى عادة، أحلام اليقظة، استمتع بها استمتاعاً كبيراً، أصبحت مدمن أحلام يقظة، أبني الحلم شيئاً فشيئاً، أضع التفاصيل الصغيرة والدقيقة، أرسمها، أصحح، أغوص ساعات طويلة، جالساً أو مستلقياً، أغيب عن هذا الواقع لأعيش واقعاً جميلاً كل ما فيه حلو وسهل وميسر، وفي كل حلم يقظة تكون المرأة حاضرة دوماً، تشتعل خلايا الجسد، كل النساء اللواتي مررت بهن أو مررن بي، أخلط الماضي بالمستقبل، أكثر اللحظات حميمية أستعيدها، أعيد تركيبها، أبتدع مشاهد جديدة أتقلب ويجفوني النوم ، أنتظر حتى آخر الليل واذهب إلى المرحاض للاستمناء، هو الحل الوحيد لكي أستطيع النوم .

لحظتها لو سألني احدهم أن ألخص السجن بكلمة واحدة لقلت:

- إن السجن هو المرأة!. غيابها الحارق.

أنظر حولي متلصصاً، كيف يحل هؤلاء هذه المسألة، وبعضهم لم ير في حياته كاحل امرأة غير أمه ؟ بماذا يفكرون ؟ ماهي أحلامهم ؟ بعضهم مراهقون بكل جموح وتوثب خيالات المراهقة. كانت احتلامات النوم لديهم غزيرة ، عرفت هذا من خلال تلصصي الليلي الدائم ، يكون الواحد منهم نائماً، فجأةً يختلج أو يصدر صوتاً خافتاً، بعدها يستيقظ، أغلبهم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقوم للاغتسال، لأن لديهم تعاليمَ مشددةً بشأن النظافة، فهو لا يستطيع أن يأكل أو يشرب أو يصلي إن لم يكن طاهراً نظيفاً تماماً، والقذف بأي طريقة كانت سواءً بالاتصال الجسدي أو بالاحتلام، يوجب غسل الجسد كاملاً.

أنا شبه متأكد أن كل ما يقوله عناصر الشرطة أو يشيعونه بأنهم يمارسون الشذوذ الجنسي هو محض افتراء أو كذب، حتى على المستوى الواقعي هذا مستحيل.

أعود لأحلامي أتقلب .. لا أعرف كم يطول هذا، أسمع حركة استيقاظ الناس في المهجع .. ألح على النوم فلا يأتي .. أسمع صوت طائرة الهليوكوبتر.

طائرة الهليوكوبتر.

عندما نسمع صوت الهليوكوبتر يرتجف أو يتوتر كل من في السجن، حتى الشرطة والبلديات يتوترون، البعض يسميها طائرة الموت، أو ملاك الموت الهابط من السماء، أحد السجناء قال إن عزرائيل يجلس في المقعد الأمامي للطائرة لاًن هؤلاء متعاقدون معه.

السجن يبعد عن العاصمة عدة مئات من الكيلومترات، لذلك فهيئة المحكمة الميدانية تأتي بالطائرة على الأغلب مرتين في الأسبوع، الاثنين والخميس ، وهيئة المحكمة هذه قد تكون ثلاثة ضباط وقد تكون ضابطاً واحداً، يعطون إدارة السجن بعد أن يدخلوا الغرفة المخصصة لهم لائحتين اسميتين:

اللائحة الأولى : تضم أسماء الذين سيحاكمون في هذا اليوم، تأخذ الشرطة هذه اللائحة وتدور على كل المهاجع منادية على الأسماء، ثم يبدأ التجميع من آخر مهجع في الساحة السابعة مع الصياح والشتم والكرابيج، الرؤوس المنكسة والأعين المغمضة، يسوقونهم سوقاً إلى الساحة صفر حيث يُجلسونهم على الأرض أيديهم فوق رؤوسهم ورؤوسهم بين ركبهم.

يدخل إلى غرفة المحكمة أول اسم نادوا عليه بصفعة قوية على الرقبة عند باب الغرفة، يسأله الضابط:

- أنت فلان ابن فلان؟

- نعم سيدي.

- طالعوه لبره.

وهكذا تكون قد انتهت محاكمته، ثم يدخل الثاني والثالث .. وهكذا خلال ساعتين أو ثلاثة قد تتم محاكمة أكثر من مئة شخص، أحياناً تتعطل إجراءات المحاكمة، فالضابط يسأل السجين:

- أنت فلان ابن فلان؟

- نعم سيدي.

- ولاك ابن الكلب .. أنت شاركت بتفجير المجمع الاستهلاكي؟

- لا والله يا سيدي .. أنا مالي علاقة بأي شي.

- ولا كلب .. عم تنكر كمان !! .. يا شرطة.

يدخل عناصر الشرطة إلى الغرفة.

- حطوه بالدولاب حتى يعترف.

تبدأ حفلة التعذيب أمام غرفة المحكمة، يبدأ الضرب والصراخ الأمر الذي يشوش على هيئة المحكمة، يتوقف العمل، تشرب هيئة المحكمة القهوة العربية، بعد قليل يهدأ كل شيء ويدخل الشرطة والسجين معهم يترنح:

- شو .. لساتوا ميبس راسه؟!

- لا سيدي .. اعترف بكل شي.

- إعدام .. طالعوه لبرّه.

أغلب السجناء لا تستغرق محاكمة أي منهم لدى المحكمة الميدانية أكثر من دقيقة واحدة، أغلب السجناء لا يرون القاضي "الضابط"، أغلب السجناء لا يعرفون الأحكام التي صدرت بحقهم وقررت مصيرهم.

هذه المحكمة ذات نوعين من الصلاحيات، فهي تملك الحق في أن تصدر أحكاماً بالإعدام وتنفذها بالقدر الذي تشاء، وتسجن من تشاء المدة التي تشاء. لكنها لاتملك الحق في إخلاء سبيل أي بريء "معروف هنا أن المهجعين الأول والثاني يسميان حتى لدى الشرطة بـ مهجع البراءة، المحكمة ذاتها وخلال عدة سنوات كانت قد أصدرت أحكاما بالبراءة على سجناء هم في الحقيقة أطفال أعمارهم بين / 11 – 15 / عاماً قبض عليهم خطأ ولكنهم بقوا في السجن ولم يطلق سراح أي منهم، وقد قضى سجناء مهجع البراءة في السجن مدداً تتراوح بين / 10 – 15 / سنة، هؤلاء الأطفال خرجوا من السجن لاحقاً رجالاً".

اللائحة الثانية:

اللائحة الاسمية الثانية هي لائحة الذين سينفذ فيهم حكم الإعدام شنقاً في اليوم نفسه، أيضا يدور الشرطة بهذه اللائحة على جميع المهاجع طالبين من الأشخاص المدرجة أسماؤهم في اللائحة الاستعداد.

اليوم هناك أربعة أشخاص من مهجعنا سيتم تنفيذ حكم الاعدام بهم، بعد أن ابلغوهم، قام هؤلاء الأشخاص الأربعة بالذهاب الى المغاسل، تطهروا، توضؤوا، صلّى كل واحد منهم صلاة عادية، أي صلاة علنية مكشوفة للجميع فيها سجود وركوع، صلاةً لا خوف فيها، "وهل بعد الموت خوف؟!" بعدها طافوا المهجع ودعوا الجميع مصافحةً وتقبيلاً:

- سامحونا يا جماعة... نرجوا أن تغفروا لنا أخطاءنا، ادعوا لنا عند الله ان يأخذنا بواسع رحمته وأن يحسن ختامنا.

الأشخاص الأربعة أعرفهم جيداً، هم كلهم شباب في مثل سني أو أكبر، "النسبة الغالبة من الذين أعدموا هم من الشباب، وقلة منهم تكون قد تجاوزت الأربعين".

الهدوء، ابتسامة خفيفة، أراقبهم جيداً، أتلصص، هل هدوؤهم حقيقي أم مصطنع ؟ أرقب اليدين ، زوايا الشفتين، العيون، لا ألمح شيئا يدل على الخوف أو الهلع.

يودعون ويصافحون الجميع عداي، يقفون الى جانب رئيس المهجع ، يخلعون كل الثياب التي لا زالت بحالة جيدة وتصلح لاستخدامها من قبل الأحياء من بعدهم ، يلبسون بدلاً منها ثيابا مهترئة لا تصلح لشيء، يسلمون الثياب الجيدة الى رئيس المهجع لتوزع بمعرفته، يقفون خلف الباب الذي لا يلبث أن يفتح ... ويخرجون.

الإعدام يتم قبالة مهجعنا، وقد رأينا المشانق عدة مرات أثناء خروجنا أو دخولنا من التنفس، وهناك يتم تجميع الذين سيتم تنفيذ حكم الإعدام بهم.

بين الفينة والأخرى نسمع صوت التكبير ينطلق من حناجر عدة أشخاص معاً، يبدو أنها الدفعة التي يأتي دورها بالتنفيذ:

- الله أكبر ... الله أكب.

خلال الفترة الماضية كلها كان شعر جسدي يقف منتصباً كلما سمعت هذا الصوت ينطلق قبالة مهجعنا .

في الليل يطابق الساهرون بين العدد الذي ورد عبر الاتصال "المورس" وبين عدد ارتطامات الجثث على ارضية السيارة.

- صحيح ... خمسة وأربعون شهيداً.

في اليومين التاليين ينهمك الحفظة بحفظ اسمائهم وعناوينهم.

15 تموز

الآن أصبح هناك من أحادثه.

في لحظة كان فيها الحارس على السطح قريباً من الشراقة ، وقف أحد السجناء وسط المهجع ، وضع يده على خده كمن يمسك بسماعة هاتف، صاح:

- الو ... الو ... أعطوني القائد.

"القائد هو لقب شقيق رئيس الدولة، ويقود واحدة من أقوى وحدات الجيش، ويعتبر خليفة للرئيس" .

سكت الجميع ، عيونهم موزعة بين الحارس والسجين الذي استمر يطلب القائد، وأحيانا يطلبه باسمه الأول ، ثوان قليلة وهجم عليه أربعة أشخاص سحبوه من وسط المهجع وقد كموا فمه الى حيث المغاسل وهو المكان الذي لا يستطيع أن يراه الحارس فيه ، عاد واحدٌ منهم وقال لرئيس المهجع مبتسماً :

- يبدو ان الأخ فقس !

- لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم ثبت عقولنا، العقل زينة الإنسان !.

جنونه كان لطيفا، لا أذى، لا هياج، فقط يريد أن يكلم القائد.

- ماذا تريد من القائد؟

- هناك موعد بيني وبينه ، لم يأت ... لقد أخلف الموعد !.

تخاله طبيعياً، أكثر جمله وأحاديثه مترابطة، ولكنه خرق النظام العام للمهجع في أكثر الأمور أهمية وحساسيةً:

لم يعد يصلي ، لم يعد يغتسل ، وبعد عدة أيام من جنونه فاجأ الجميع وفاجأني ، جلس قبالتي على فراشي ، حياني قائلا :

- السلام عليكم ... انت شو اسمك؟

ارتجَّ كياني كله، لم استطع أن أرد تحيته. فقط كنت انظر اليه، إلى عينيه الباسمتين مباشرة، منذ أكثر من سنتين لم أنظر في عيني انسان بهذا القرب، أحسست بالدفء.

سكت جميع من في المهجع، شيء غير مألوف يحدث امامهم !، جميع العيون منصبة على فراشي وعلى الكائنين الجالسين عليه، دهشة من نوع خاص تكسو جميع الوجوه، يبدو أن الجميع كان قد نسيني، ففي غمرة الأحداث وضمن شلال الموت المتدفق سكنت مشاعر العداء المتأججة نحوي ، أو بالأحرى غطاها الرماد، بقيت مثل الجمر تحت الرماد.

لقد تعودوا على وجودي الى جانب الباب ولم يعد هذا الوجود يطرح اسئلة عليهم، لون الباب أسود بشع، في البداية يستفز لون الباب الجميع، ولكن مع توالي الأيام يألفونه ثم ينسونه، وكذلك وجودي الى جانبه.

والآن يوسف "مجنون القائد كما اصبح اسمه"، يعيد تذكيرهم بكل شيء، دهشوا، تفحصوا وجهي، كنت مهملاً والآن بفضل مجنون القائد أعود الى دائرة الأضواء!.

العجزة في المهجع كثر، المشلولون والمجانيين، ثلاثة عميان، أخرس واحد.

أميز حالة بين المجانين إضافة الى يوسف هي حالة دكتور الجيولوجيا ـ لا أعرف هل هو جنون أم شيء آخر ؟ ـ رجل في الخمسين من عمره، ذهب الى امريكا لدراسة الجيولوجيا، نجح في دراسته وحاز على الدكتوراه بدرجة امتياز، عاد الى البلد وبعد عودته ببضع سنوات تسلم ادارة واحدة من أهم المؤسسات العلمية، كان ميالا الى التدين، يؤدي فرائض الدين بأوقاتها، يصوم ويصلي، ذهب الى مكة للحج ، وإبان احتدام الصراع بين الإسلاميين والسلطة كانت هذه الصفات تهمة بحد ذاتها، عند فجر أحد الأيام سحبه رجال المخابرات من وسط عائلته، وماذا جرى بعد ذلك لا يعرف أحد.

يجلس دكتور الجيولوجيا على الأرض متربعاً ووجهه الى الحائط ثم يغطي نفسه كاملاً بالبطانية، ليلاً ونهاراً ، صيفاً وشتاءً، حاول كثيرون أن يسألوه، يحادثوه، سنواتٍ ... لم يلفظ حرفاً ... لم يفتح عيناً.

يرفع أحدهم بطانيته من الأمام قليلاً ويضع له الطعام في حجره، يأكل وهو مغطى بالبطانية، يذهب الى المرحاض وهو مغطى بالبطانية، كل بضعة أيام يقوده اثنان من تحت إبطيه ـ وهو مطيع جداً ـ الى المغاسل، يخلعون ثيابه، يغسلون جسده، يعيدونه وهو مغطى، مكان دكتور الجيولوجيا قبالتي تماماً.

************

نحن الآن جائعون ... وجائعون بشدة، منذ ثلاثة أشهر هبطت كميات الطعام التي تقدمها لنا إدارة السجن هبوطاً حاداً.

كان لكل سجين يومياً رغيفان من الخبز العسكري ، الآن رغيف واحد لكل أربعة سجناء ، حصتي اليومية ربع رغيف لثلاث وجبات ، اليوم فطوري كان ثلاث حبات زيتون هي كامل حصتي ، ملعقة صغيرة من المربى على العشاء ، إذا كان الأفطاربيضاً فلكل ثلاثة سجناء بيضة مسلوقة ، "نصح الأطباء الجميع بعدم رمي قشر البيض، يسحقونه ويأكلونه للتعويض عن الكلس".

بعد ثلاثة أشهر من الجوع، الهزال واصفرار الوجوه باد على الجميع، قلّت حركة الجميع، من كان يقوم بالرياضة سراً أقلع عنها.

الشرطة تراقب ... وتواصل عملها كالمعتاد.

جلس يوسف قبالتي على الفراش، في يده اليمنى قطعة خبز صغيرة فوقها قليل من مربى المشمش، ناولني إياها:

- خود ... هاي الك.

- شكراً يا يوسف... هادا عشاك ولازم تاكله.

- لا أنا شبعان ... وإنت زلمه بدك تتجوز بكره، لازم تاكل عسل، قال الدكتور إن العسل مفيد.

ثم تابع الحديث دون أن يتيح لي فرصة الكلام:

- هلق انت شو بتتمنى؟

- اتمنى أن أطلع من هون.

- شوف ... هون كويس ... انت تعرف انه عندي فرس اصيلة لونها احمر، وعندي تياب كلها بيضا، ابيض بأبيض ... استنى شي كم يوم بتشوف أخوك يوسف لابس أبيض بأبيض ... وراكب عالفرس الحمرا، وواقف بنصّ موسكو .. بالساحة الحمراء...

سكت قليلا ثم أردف بصوت أحد قليلا :

- والله ... والله بدنا ندك اسوار موسكو !..بدنا نمسح الكفر والكفار! .

15 أيلول

أنا جائع، أكثر من خمسة شهور مرت على بداية الجوع، غريزة البقاء، بدأت تحدث بعض المشاجرات بين السجناء بسبب توزيع الطعام، عهدوا بهذا الأمر الى أكثر الأشخاص احتراماً و مهابةً، تطرح هنا تساؤلات كثيرة حول سبب نقص الطعام:

- هم يريدوننا أن نموت جوعاً!.

- قد يكون لدى السلطة النية بإخلاء سبيلنا، لكنها لا تريدنا أن نكون أقوياء في الخارج، يجب ان نكون مرضى كي لا نستطيع القيام بشيء خارجاً.

الكثير من التخمينات ، الكثير من التحليلات، ولكن الشرطة كانت تراقب.

فتح اليوم عناصر الشرطة الباب وطلبوا إدخال الطعام، ركض الفدائيون وقاموا بإدخال كميات الطعام الهزيلة، ولأول مرة لم يكن هناك ضرب وكرابيج، برز بعدها المساعد ووقف على باب المهجع، بيده بطيخة حمراء تزن حوالي ثلاثة كيلو غرام، صاح برئيس المهجع:

- تعال لهون.

ذهب رئيس المهجع اليه مسرعاً.

- خود هالبطيخة، حصة المهجع!.

سكت قليلا وبعد ان تناول رئيس المهجع البطيخة، قال المساعد:

- بدي شوف ... كيف بدك توزع هالبطيخة على المساجين!.

تردد رئيس المهجع قليلا، في البداية ظهرت على وجهه علائم الحيرة ثم امارات التحدي والاستفزاز، "أصبحت أعرفه جيدا بحكم قربي منه"، أطرق برأسه قليلاً ثم التفت الى داخل المهجع وصاح بصوت عال:

- يا مرضانين ... هاي البطيخة الكم.

وناولها الى أحد السجناء.

نظر اليه المساعد لثانيتين بتمعن شديد، رجع خطوتين الى الوراء وصفق الباب بوجه رئيس المهجع بقوة.

جلس جميع السجناء، شعور الفخر يغمر الجميع، حتى أنا، لقد هزم رئيسُ المهجع المساعد، يكفي انه أغاظه.

فيما الجميع منهمكون بالحدث حانت مني التفاتة الى اليسار وإذا بي ارىالساحة تلوح امامي، ساحة الإعدام ... الساحة السادسة، هناك الى جانب، كشف الباب، فجأة وجدت ثقباً غير منتظم أكبر قليلاً من حجم جوزة ، هذا الثقب حدث الآن! نظرت حولي فوجدت كتلة اسمنتية على طرف فراشي، حملتها وسددت الثقب بها فركبت تماما وسدّته، الثقب على مستوى رأسي وأنا جالس.

عندما صفق المساعد الباب ومن قوة الضربة سقطت هذه الكتلة الاسمنتية والتي يبدو أنها بالأساس متشققة وأحدثت هذا الثقب.

الآن استطيع أن أرى كل ما يدور في الساحة متى أشاء ذلك، استطيع ان أتلصص على الخارج كما أتلصص من ثقب قوقعتي على الداخل.

يوسف "مجنون القائد" انقطع عن زيارتي، أو لم يعودوا يسمحوا له بزيارتي، انتبهوا لي مجدداً بعد زياراته، مجموعة من الأشخاص أخذت على عاتقها أمر الحيلولة بينه وبين زيارتي، يراقبونه وهم جالسون حتى إذا رأوه متجها نحوي ناداه أحدهم ‏أو وقف في طريقه يمازحه:

- شو يوسف ... ما بدك تخبر القائد؟

- أي .. بدي خبرو ... بس تلفوني مقطوع.

- تعال لهون ... أنا عندي تلفون.

يأخذه الى مكانه، يحادثه الى أن ينسى يوسف أنه كان قادماً لعندي.

} الجوع يقرص معدتي.{

20 أيلول

ثلاثة أيام بعد اكتشاف الثقب، ثلاثة أيام لم استطع أن أنظر من خلاله، قلبي ينبض بشدة كلما فكرت في الأمر.

طوال اليوم وأنا أفكر كيف أتغلب على خوفي من الشرطة، والأهم خوفي من السجناء، ماذا سيفعل السجناء إذا رأوني وأنا انظر عبر الثقب؟!.

هبط علي الوحي عندما نظرت أمامي، الى دكتور الجيولوجيا، لماذا لا أفعل مثله ؟!! أدير وجهي قبالة الحائط وأغطي نفسي بالبطانية، بحيث تغطي البطانية الثقب أيضاً، وهكذا أنظر بحرية دون أن يلاحظ أحد، وهذا يخلصني في الوقت نفسه من النظرات العدائية التي ازدادت مؤخراً.

ولكن يجب أن أجرب التغطية لمدة يومين أو ثلاثة قبل أن أغامر وأفتح الثقب وأنظر من خلاله.

القمل يهرش جسدي، لم استطع الاعتياد عليه والتعايش معه بعد.

}الجوع يشتد ويتراكم. {

30 أيلول

نجحت في أن أجعلهم يعتادون على رؤيتي مغطى بالبطانية، منذ يومين مرّ أحد السجناء من خلفي وأنا مغطى، سمعته يقول لرئيس المهجع:

- شو يا أبو محمد ؟.. كنا بواحد صرنا باثنين .. شو القصة ؟ ... كمان الاستاذ أجّر الطابق الفوقاني ؟! .

- خليها على الله... اللهم نسألك حسن الختام.

لم أستطع ان أنظر من خلال الثقب ولا مرة، لأن الشرطة كانت في حالة هياج شديد، فقد كانت تمر فترات نشعر فيها أن قبضة رجال الشرطة قد تراخت قليلا، وفجأة تعود هذه القبضة لتصبح من حديد ونار، عندها يخمن البعض هنا أن هناك احداثاً هامة تدور في الخارج، وأن السلطة قد منيت بخسائر جسيمة وأن وضعها حرج وقد تكون آيلة للسقوط، ونتيجة لعجزها عن مواجهة ما يدور في الخارج فانها تحاول ن تعوض هنا وتنتقم من المساجين المساكين الذين لا حول لهم ولا قوة .

6 تشرين الأول

اليوم كان مليئاً.

منذ الصباح تعج الساحة بالأصوات والضرب والصياح والصراخ. فتح باب مهجعنا وخرج الفدائيون لإدخال الطعام تحت ضرب الكرابيج والعصي، أحد الفدائيين تلقى ضربة عصا سقط على إثرها ارضاً وكانت هذه آخر سقطة له، بقي في الخارج وحيداً بين أيدي عناصر الشرطة، وبعد قليل صاح الرقيب:

- ولا كلاب ... تعوا دخلوه.

عاد الى المهجع محمولاً بدلا من أن يكون حاملاً.

تلقفه الأطباء في المهجع، بعد أكثر من ساعة لفظ أنفاسه وأسلم الروح بعد ان أوصى صديقه بصوت متهدج:

- سلم على ابوي ... إذا الله فرج عنك ... احكيلوا عني ... وقل له يرفع رأسه بابنه ...

واحد من الأطباء أتى الى عند رئيس المهجع والحزن باد عليه:

- البفية بحياتك يا أبو محمد ...يوم جديد وشهيد جديد... الله يرحمه ما خلوا محل بجسمه الا وضاربينه ...عدة إصابات ... حتى الخصيتين مهروسات هرس.

- عليه رحمة الله، خلي الشباب يجهزوه مشان ندق الباب ونطالعه.

انغمس المهجع بتجهيز الشهيد، الحديث عن الشهيد، مآثره، وصيته الأخيرة، ثم صلوا عليه سرا وأحضروه قرب الباب، وضعوه في الفسحة الفاصلة بيني وبين أبو محمد رئيس المهجع، علق واحد:

- العمى شو هالحالة ؟! عم نموت واحد ورا واحد متل الخرفان !!.

لم يرد عيه أحد.

وقف أبومحمد ودق الباب بجماع يده، وجاء الصوت من الخارج:

- شو بدك يا ابن الشرموطة ؟... ليش عم تدق الباب ؟.

- يا سيدي ... في عنا واحد شهيد !!! ... عفوا عفوا ...

واحد ميت.

نسي أبو محمد حذره من كثرة ترداد كلمة شهيد في المهجع، انتبه واستدرك ولكن هذا الاستدراك جاء متأخراً.

فتحت الطاقة الصغيرة في الباب الحديدي وظهر رأس الرقيب، وبمنتهى الهدوء توجه بالسؤال الى أبو محمد الذي كان واقفاً:

- مين يللي قال شهيد ... يا رئيس المهجع ؟.

- أنا سيدي.

أغلق الرقيب الطاقة وصاح بالشرطة أن يفتحوا الباب.

في الثواني القليلة التي استغرقها فتح الباب، التفت أبو محمد الى الناس وقال:

- يا شباب سامحوني ... إدعوا لي ... ويللي يضل طيب منكم خليه يروح لعند ولادي ويحكيلهم كيف مات أبوهم!

فُتح الباب. جمهرة من الشرطة أمامه تنظرالى الداخل، جمهرة من المساجين وفي المقدمة أبو محمد ينظرون إلى الخارج، صاح الرقيب:

- ولا ابن الشرموطة ... اطلع لبره.

قذف أبو محمد نفسه بينهم، صاح الرقيب بالشرطة أن يغلقوا الباب، كل السجناء واقفون إلا العجزة ودكتور الجيولوجيا، جلست أنا ايضا وغطيت نفسي بالبطانية، وبسرعة وبهدوء نزعت الكتلة الاسمنتية قليلاً... قليلاً.

لم أكن أعي أو أدرك ما أفعل، فالشرطة أمام مهجعنا تماماً والثقب كبير يمكن لأي شرطي أن يلاحظه، ولكني فتحت الثقب ونظرت.

أبو محمد كان ضابطاً سابقاً، وكان رجلاً حقيقياً. منذ فترة وعندما حدثت بعض المشاحنات في المهجع بسبب توزيع الطعام القليل أصلاً، أحس انه قد مُسَّ من قبل شخص ما، بقي على أثرها سبعة أيام لم يتناول خلالها ولا ذرة طعام، سبعة أيام بدون طعام بعد أشهر من الجوع.

اتى لعنده مجموعة من كبار المشايخ والناس الأكثر احتراماً في المهجع يطيبون خاطره ويعتذرون نيابة عن كل الناس، ورجاءً خالصاً ان ينسى كل شيء، وانهم لن يذهبوا من عنده قبل ان يأكل، وكان مما قاله ابو محمد رداً عليهم:

- ابو محمد لا يمكن ان يسمح لـ" لقمة أكل " ان تذله ... واذا كان هناك من تصرف او سيتصرف بدناءة، فهذا الشخص لن يكون ابو محمد، الموت ولا الذل.

بعد ان فتحت الثقب كان اول من رأيت هو ابو محمد، بيده عصا غليظة من المؤكد أنه انتزعها من أحد عناصر الشرطة بعد أن فاجأهم بطريقة خروجه، يضرب بها ذات اليمين وذات الشمال، تحيط به دائرة من عناصر الشرطة والبلديات، ثم رأيت واحداً من الشرطة ممدداً على الأرض.

تضيق الدائرة حوله وتنهال عليه بعض الضربات من الجانبين ومن الخلف، يتألم يلتفت ويهجم، تتسع الدائرة، معركة حقيقية ولكنها غير متكافئة عددياً، من طرف رجل يعرف انه سيموت في كل الأحوال، وقرر ألا يموت موتاً سهلاً ورخيصاً، ومن الطرف الاخر مجموعة كبيرة من الأشخاص اعتادوا ان يكون قتلهم للآخرين سهلاً.

والكثرة غلبت الشجاعة. سقط أبو محمد ارضاً بعد زمن قدرته بحوالي ربع الساعة، حضر اثناءها المساعد والطبيب ومدير السجن، على الأرض اربعة اشخاص ممددين، ثلاثة من الشرطة بينهم الرقيب " ابن الشرموطة "، لقد رأيت كيف تقصد ابو محمد أن يهاجمه هو رغم أنه كان بعيداً عنه، وكيف نزلت عصا ابو محمد على رأسه.

فحص الطبيب الجميع، أسعفوا أحد العناصر بسرعة، الرقيب والعنصر الآخر ماتا، ابو محمد مات، قدم الطبيب هذا الشرح لمدير السجن الذي التفت الى المساعد طالباً منه أن يجمع كل من في السجن من عناصر الشرطة والبلديات وأن يقف جميع الحراس المسلحين الموجودين على الاسطحة فوق مهاجع الساحة السادسة.

عرفت ان المشهد لما ينته بعد، أغلقت الثقب جيداً وأزحت البطانية.

( من الاشياء التي لا يمكن أن أنساها ابداً، شجاعة العميد في الساحة الاولى وشجاعة ابو محمد في الساحة السادسة، وفكرت كما يفكر الجميع هنا، تساءلت : كيف يحدث، او لماذا يحدث، ان يوجد هكذا ضباط في السجن، يُقتلون فيه والكل يعرف اننا في حالة حرب؟

ولكن فوراً قمعت هذا التفكير، محوته من ذهني ) .

اعتبر المقدم مدير السجن أن ما حدث كان تمرداً وسابقة خطيرة يجب أن تجابه بكل قوة، بمنتهى القسوة والعنف كي تكون درساً للجميع.

حوالي الثلاثمائة سجين، يحيط بهم على محيط الساحة أكثر من هذا العدد بكثير من عناصر الشرطة والبلديات، عشرات الحراس المسلحين على الأسطحة.

- لا تتركوا أحداً في المهجع.

جمعونا وسط الساحة، في آخر الصف قريباً من المهجع وضعوا العجزة، القى مدير السجن محاضرة نصفها شتائم، والنصف الآخر تهديد ووعيد، وقد نفذ تهديده، قال للمساعد:

- مابدي حدا يفوت على المهجع وهو ماشي، السليم منهم لازم يفوت زحف على بطنه.

"بعض السجناء سيسمي هذا اليوم لاحقاً بـ / يوم التنكيل / وبعضهم الآخر سيسميه / يوم أبو محمد/". .

استمر التنكيل من قبيل الظهر إلى ما بعد حلول الظلام، وكان أكثر ما يؤلم مشهد المشلولين وهم يُضربون، يحاولون الحركة، يحاولون تفادي الضرب .. ويظلون مكانهم.

دخلنا زحفاً وجرجرةً، من لم يستطع ان يجرجر نفسه أوغيره، تكفل البلديات بـ " قذفه" داخل المهجع، اخذنا نضمد جراحنا، نغسلها، نبحث عن مزقة قماش نلف بها جرحاً ما.

الجوع يعضنا، رغم ذلك نمنا.

7 تشرين اول

في الصباح الجميع ينظر الى الجميع، كل من لديه القدرة يحاول أن يطمئن على جاره، الحصيلة ثلاثة قتلى ماتوا ليلاً، جراحي خفيفة ولا تشكل أي خطر.

أتى المساعد ومعه الشرطة، كل من يستطيع الوقوف وقف، "اكتشفت أن ابو حسين وهو الشخص الذي يوزع الطعام ويرضي الجميع كان قد نقل فراشه ليلاً الى مكان ابو محمد".

تقدم المساعد خطوتين، شمل المهجع بنظرته، ابتسامة على زاوية الفم، نظر إلى ابو حسين، نظر إليّ، أشار إليّ قائلاً:

- إنت بتصير رئيس مهجع.

سكتّ ولم اجب، سكت المساعد وتراجع يريد الانصراف، تحرك ابو حسين مصطنعاً الخوف، رفع يده عالياً وقال:

- يا سيدي اسمحلي بكلمة.

- قول ولا.. كرّ.

- يا سيدي هادا يللي عينتوا رئيس مهجع .. يا سيدي، مجنون!.

التفت المساعد إليّ، سألني:

- انت مجنون .. ولا؟

لم إجب. لم أعرف بماذا أجيب. قال المساعد:

- طيب .. أصبح انت بدك تصير رئيس مهجع.

- متل ما بدك سيدي .. بس في عندنا ثلاثة ميتين.

- ميتين؟.. ولا شهداء؟

- ميتين سيدي.. ميتين.

- قول نفقوا.. ولا جحش.

- نفقوا سيدي.. نفقوا.

- يالله .. طالعوهم لبره.

وأغلق الباب. أصبح ابو حسين رئيس مهجع، اقترب مني بهدوء وقال:

- انا بعرف إنك مانك جاسوس .. وساويتك مجنون لأنه للضرورة أحكام.

" هاهو واحد اخر منهم يشعرني بالأمان الى جانبه ".

24 شباط

البرد يجمدنا، الجوع يضنينا.

أكثر من عشرة اشهر مرت ونحن جائعون، ربع رغيف أقسمه ثلاثة أقسام، وأقاوم، أقاوم الرغبة بالتهامه كله دفعة واحدة، عشرة شهور لم يصل فيها أحد السجناء الى الشعور بالشبع، الهزال بدا شديداً على الجميع، الوجوه مصفرة وآثار سوء التغذية جلية واضحة.

في البداية تعامل الجميع مع المسألة بأنفة وعزة نفس، شيئاً فشيئاً ومع استمرار الوضع بدأت التصرفات الغريزية تطل برأسها، فالسجن أساساً هو عالم الاشياء الصغيرة، عالم الصغائر، اثنان من اساتذة الجامعة، شخصان محترمان جداً، كبيران في السن .. يتشاجران، يتشاتمان، ينتهي الأمر بالمقاطعة، والمسألة برمتها تكون قد بدأت على الشكل التالي:

- يا اخي كم مرة قلت لك لا تلبس شحاطتي؟!

- ايه ... شو فيها إذا لبسناها؟ .. رح ينقص من قيمتها يعني؟!

- بينقص ما بينقص ... لا تلبسها وبس... صار ميت مرة حكينا ... وإلا انت ما بتفهم حكي؟!

- انا ما بفهم!!... شو شايفني حمار متل حضرتك؟!

- أنا حمار ؟! ... ايه إنت وأبوك وكل عيلتك حمير يا أكبر حمار!!.

وقد يتطور الأمر بين الأستاذين إلى الضرب إذا لم يتدخل أحد بينهما.

لا يمر يوم دون مشاجرة أو أكثر موضوعها الوحيد الطعام .

- ليش اعطيتني قطعة خبز أصغر من غيري؟

- ليش تعطي لفلان ملعقة لبنة كاملة وانا يا دوب نص ملعقة؟

- ما بيكفي إنه حصتي ثلاثة حبات زيتون وفوقها تكون صغيرة، حبات غيري سمينة.

قبل شهر اجتمع الاطباء مع رئيس المهجع ابو حسين، شرح احدهم لابو حسين ان استمرار الوضع الحالي ينذر بكارثة مرضية، وأن لديهم اسباباً قوية من خلال ملاحظاتهم وفحوصهم للاعتقاد أن قسماً من السجناء قد أصيب بالسل، وطلبوا منه إبلاغ ادارة السجن بالأمر، وبعد نقاش تقرر اعتماد خطة المرحوم ابو محمد.

أبلغوا جميع المهاجع بالأمر عن طريق "المورس" وتبين أن الإصابات لدى الجميع، وبعد المطالبة حضر المساعد ، شرح له ابو حسين الوضع وأردف:

- يا سيدي الأطباء متأكدين إنه مرض السل.. ومتل ما سيادتكم تعرفوا هادا مرض معدي كتير ... ونحن وانتو بمحل واحد، ومتل ما ممكن السجين يمرض، ممكن لا سمح الله الشرطي كمان ينعدى.

- ابتدأ العلاج ، تفاعل السلين ، الأرشيدين ...

************

أنا منذ أشهر مستمر بالمراقبة والتلصص عى ساحة السجن عبر الثقب، حفظت وجوه عناصر الشرطة كلهم، شاهدت الإعدامات ... ثمان مشانق ... كل اثنين وخميس، أسمع كلام الشرطة بوضوح احياناً، كان الناس هنا يتساءلون: لماذا لم نعد نسمع صيحات الله أكبر لدى تنفيذ حكم الأعدام ؟. الآن عرفت السر، بعد أن يخرج المحكومون بالإعدام من المهجع يغلق الشرطة الباب ويقومون بلصق أفواه المحكومين بلاصق عريض، كأن صرخة الله أكبر من المحكومين قبل اعدامهم تشكل تحدياً واستفزازاً للمحكمة الميدانية وادارة السجن، فمنعوها باللاصق.

المشانق غير ثابتة، لا تشبه المشانق العادية التي يصعد اليها المحكوم بالإعدام. هذه المشانق هي التي تنزل إلى المحكوم، البلديات الأشداء يميلون المشنقة إلى أن يصل الحبل إلى رقبة المحكوم بالإعدام، يثبتون الحبل حول الرقبة جيداً ثم يسحبون المشنقة من الخلف، يرتفع المحكوم عليه وتتدلى رجلاه في الهواء، بعد ان يلفظ الروح ينزلونه الى الارض ... وتأتي الدفعة الثانية ثم الثالثة ... أغلب الذين شاهدت اعدامهم كانوا هادئين، شاهدت أيضاً حالات كثيرة ظهر فيها حب الحياة والضعف الانساني، البعض كانت ترتخي لديه مصرتا البول والبراز، والشرطة في هذه الحالة ينزعجون كثيراً، فالرائحة لاتطاق، يشتمون ويضربون الشخص الذي عملها !. بعضهم الآخر كانوا يبكون، يحاولون الكلام والتضرع فيمنعهم اللاصق العريض، أحد المساجين من صغار السن استطاع أن يفلت من بين ايديهم ويركض في الساحة السادسة، وهي ساحة كبيرة جداً ذات فرعين، الهرب مستحيل واضطر الشرطة والبلديات للركض وراءه لدقائق الى أن أمسكوه، اوقفوه تحت المشنقة فجلس على الارض، رفعه اثنان من البلديات وأدخلوا رقبته في الحبل، بعد قليل لعبط برجليه في الهواء.

20 آذار

علاج مرضى السل مستمر، وجولات الدكتور سمير الذي قام بالعلاج أيضاً مستمرة، مرّ شهران كاملان لكن الاصابات في تزايد مستمر، وصل الرقم الى ألف وثلاثمائة إصابة في السجن حسب ما قال الدكتور سمير، الوفيات قليلة جداً.

كان الجميع هنا يعزي معالجة التهاب السحايا ومرض السل الى فضل طبيب السجن، الجميع يشيد بانسانيته وذلك حتى عشرين يوماً خلت، حيث وردت رسالة "مورس" مؤلفة من بضع كلمات:

" طبيب السجن قتل اثنين من زملاء دفعته. "

الرسالة واردة من المهجع السابع، بعد ثلاثة أيام وردت رسالة اخرى:

" طبيب السجن قتل ثلاثة من زملاء دفعته. "

الرسالة واردة من المهجع الرابع والعشرين.

أبو حسين، وهو شخص ديناميكي جداً بالاضافة الى انه ذكي، احس بالخطر، فدعا الطبيبن زملاء دفعة طبيب السجن لعنده، تحدث واياهما مطولا، سألهما عن أشياء كثيرة، كانت لديه خشية كبيرة من أن يقوم طبيب السجن بقتل كافة زملاء دفعته ومنهم هذان الطبيبان، استخدم أبو حسين كل لباقته ودهائه كيلا يدخل الخوف الى قلبيهما، وفي الوقت نفسه كان لا يريد أن يكذب عليهما. الحديث كان طويلا جداً، وأهم ما فيه قول أبو حسين لهما:

- أنا لا أريد أن أهون المسألة وأكذب عليكما، يبدو أن زميلكما قد بدأ هناك ومن المحتمل أن ينتهي هنا، - وأرجوا من الله أن يكون ظني خاطئاً - ولكن قد يكون دوركما قادماً - لا سمح الله - ، والآن هل استطيع أنا أو غيري أن نفعل شيئاً؟.

سكت الطبيبان قليلاً ثم تناوبا على الحديث بعد ذلك:

- ليس بيدك أو بيدنا يا أبو حسين إلا أن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وستأتي ساعة نقف فيها جميعا بين يدي الله، و يا ويله من تلك الساعة.

- ولكن قولا لي لماذا يفعل هذا؟ هل هو ينتقم؟ وممن؟.

- والله يا أبو حسين لا نعرف الكثير عنه، ما نعرفه ويعرفه جميع زملائنا أنه أتى الى الجامعة وكان فقيرا جداً، كان ريفيا بسيطا وخجولا، قد يكون زملاؤه أبناء المدينة قد تعاملوا معه بفوقية، وبعضُ منهم عامله باحتقار، عرف الجميع أنه من عشيرة الرئيس وهو لم يكن يخفي هذا، كان يدرس الطب على نفقة الدولة، قيل إنه كان يعمل مخبرا لدى الجهات الأمنية، كل أبناء المدينة تجنبوه، والقصة التي لها بعض المعنى في هذا المضوع هو حبه لزميلة من زميلاتنا من بنات المدينة، بقي حتى السنة الثالثة في الجامعة يحبها بصمت، لا يجرؤ على الاقتراب منها أو مصارحتها، في السنة الثالثة انتهز فرصة انفراده بها بأحد المخابر، أمسك يدها وصارحها بحبه، قال إنه يعبدها ... وإنه.... وإنه.

الفتاة وهي من عائلة مدينية محافظة عرفت بالغنى والقوة، كانت ردة فعلها عنيفة جداً، وقد تكون هي السبب في كل ما يحدث ، صدته باحتقار واشمئزاز، اشتكت الى عمادة الكلية، ثم أخبرت أهلها بما حدث.

عوقب من قبل الجامعة، ولكن ردة فعل الأهل كانت أعنف، ثلاثة من أخوة الطالبة ظلوا يتجولون في أرجاء الكلية بصحبة أختهم مدة ثلاثة أيام، وكان واضحا للجميع أنهم يخفون أسلحة تحت ثيابهم، كانوا يبحثون عنه وبنيّتهم قتله، هكذا قالت الطالبة فيما بعد، لكنه لم يكن موجوداً، لقد اختفى ولم يعد يحضر الى الكلية.

بعد أسبوع حضرالى الكلية وكأن شيئا لم يكن. إخوة الطالبة انسحبوا. عقوبة الإدارة ألغيت.

- راح جاب قرايبه المخابرات، ودخّل وساطات، باس الأيادي حتى عفا عنه أهلي.

هكذا راحت الطالبة تشرح الأمر للآخرين.

تابع دراسته منزوياً لايختلط مع أحد إلا طالباً أو طالبين من منطقته، الكل كان يعامله بعدها باحتقار، وبعض زملائنا الطلاب كانوا أحياناً يسلقونه بتعليقاتهم اللاذعة.

- لكن ... اقسم بالله يا اخي ابو حسين , نحن هذه المجموعة لم نكن ننتبه لهذه الامور لا من قريب ولا من بعيد , كنا في صف واحد أكثر من خمسة وعشرين شاباً مؤمناً بالله نحضر بعد الدوام دروسا دينية في المسجد، ولهذا السبب نحن هنا الان، كم من الاخوة قبض عليه وكم منهم نجا، لست أدري ... كان الله في عون الجميع.

- هم م ... قلت لنفسي إنه قد يكون في الامر امرأة. إن هذا الشخص يشعر بالعار، ولكن هل اذا قتل شهود عاره، يمحي هذا العار ؟... غبي ...

ولكني إعتقد أن هذا السبب على قوته لايكفي! أعتقد ان هناك سبباً اخرَ لا يعرفه احد!

اليوم في 20 آذار، قبل عيد الربيع بيوم واحد، كان موعد هذين الطبيبين مع زميلهما.

أخرج عناصر الشرطة الطبيبين وأغلقوا الباب، أسرعت الى بطانيتي والثقب، رايت الطبيبين يسوقهما عناصر الشرطة إلى أمام طبيب السجن الذي يقف على مبعدة أربعة او خمسة أمتار من المهجع. يقف الطبيب عاقداً يديه على صدره وهو يبتسم. رحب بهما: أهلاً وسهلاً، ثم التفت الى عناصر الشرطة وأمرهما:

- روحوا خلوكم جانب البلديات.

في وسط الساحة سبع من البلديات العمالقة. وقف عناصر الشرطة بالقرب منهم، اسمع الحديث بصعوبة، قال طبيب السجن:

- ايه ... هلق عم تقولوا لحالكم : سبحان مغير الاحوال ... طيب وانا كمان بقول هيك ... بدي اطلب منكم طلب، مين منكم بدو يجوزني اختوه ؟ .

لم يجب الطبيبان بشيء، رأساهما منكسان قليلاً، تابع طبيب السجن:

- ليش ساكتين؟! ... شو يا عدنان ... أنا عم أخطب اختك على سنة الله ورسوله، الزواج عيب شي؟.

- بس انا ما عندي اخت، والحمد لله.

هنا قال طبيب السجن لعدنان شيئاًً لم اسمعه. سادت فترة صمت ثم التفت الى الطبيب الآخر، وقال :

- طيب ... وأنت يا زميل سليم كمان ما عندك أخت؟.

- نعم ... عندي أخت.

- طيب خطبني اياها على سنة الله ورسوله.

- الزواج قسمة ونصيب، ونحن هلق بوضع ما بيسمح بنقاش هيك أمور، وأولاً وأخيراً أنا ماني ولي أمرها.

- هذا أسلوب تهرب ...

اقترب منه وبصوت أقوى:

- وإلا شايف انه نحن مو قد المقام، انتو ناس أغنياء وأكابر، نحن فلاحين، مو هيك؟

اقترب منه ولوح بيده أمام وجهه وبصوت حاد صاح وهو يصر على أسنانه:

- ولك شوف ... افتح عيونك وطلع لهون، شايف هذا البوط، بوطي أحسن منك ومن أختك وأهلك و كل عشيرتك وطايفتك ... ولا كلب.

ثم التفت الى حيث البلديات وصاح:

- بلديات... تعوا لهون ولاك... خذوهم عـ نص الساحة.

سحب البلديات الطبيبين. ومشى وراءهم وهو يصيح:

- هدول ناس أكابر ... يعني فوق ... فوق، وهلق نحن بدنا نطالعهم كمان لفوق أكثر وأكثر ... يالله لشوف.

في منتصف الساحة كنت أرى ولا أسمع، استلقى عدنان على ظهره وأمسك به سبعة من البلديات، من الرجلين، اليدين، الخاصرتين، ومن تحت الرأس. إنها عقوبة المظلة. والمظلة عقوبة تعني واحداً من ثلاثة أشياء: إما كسور مختلفة في سائر أنحاء الجسم وعلى الأغلب في الحوض، وإما شلل دائم عندما يكون الكسر في العمود الفقري، أو الموت وهو الاحتمال الثالث خاصة عندما يسبق الرأس الجسم في النزول، وغالبا هذا يحدث عندما يكون عنصر البلديات الممسك بالرأس أقل قوة من الآخرين.

رفع البلديات عدنان، وجهه الى السماء، ظهره مواز للأرض الاسفلتية، أرجحوه قليلاً ثم بصوت عال:

- يالله .. واحد ... اثنين ...ثلاثة.

وقذفوه الى الأعلى، ثم خبطة قوية على الأرض، لم يتحرك عدنان بعد أن صرخ صرخة ألم رهيبة.

انتظر طبيب السجن قليلا، أشعل لفافة تبغ وظهره لعدنان والآخرين، كان ينظر باتجاه باب مهجعنا، عبّ نفسا من اللفافة وزفره، التفت وأشار للبلديات الذين تقدموا ورفعوا عدنان مرة أخرى و ... واحد ... اثنين ... ثلاثة، هذه المرة لم تصدر أية صرخة.

أشار لسليم اشارة وهو يتكلم كلاماً لم أسمعه، اقترب سليم وانحنى فوق عدنان، وقف وقال كلاماً لطبيب السجن الذي انتفض وصفعه على وجهه صفعة سمعت صوتها وأنا جالس داخل المهجع ... وبدأ يصرخ ويشير بيديه.

تكرر نفس الأمر مع سليم.

تركوهما وسط الساحة في حالة استلقاء أبدي. غادر طبيبُ السجن، يحيط به موكبه، الساحةَ.

مجموع ما قتله طبيب السجن من زملاء دفعته أربعة عشر طبيباً.

إذا كان بعض هؤلاء الأطباء أو أحدهم يعرف الأسباب التي دفعت زميلهم إلى قتلهم فإنه أخذ السر معه الى القبر، لأن القاتل لن يتكلم. وظل الأمر داخل السجن في إطار التكهنات ... فلا أحد يعرف السر الحقيقي.

6 ايار

الدكتور سمير ومن خلال جولاته الطويلة داخل السجن استطاع أن يحقق بعض الأمور التي لم يحققها غيره، عرف تقسيمات السجن وتوزع ساحاته ومهاجعه، أصبح لديه كم هائل من المعلومات عن نزلاء كل مهجع، ينقل الأخبار بين المهاجع، فقد يكون هناك مجموعة من الإخوة من عائلة واحدة اعتقلوا سوية ولم يعد أحدهم يعرف عن الآخر شيئاً، يقوم هو بالسؤال عنهم وتطمين بعضهم ان الاخرين موجودون في المهجع كذا وكذا.

أهم أمر حققه انه نال امتياز التكلم مع الشرطة وهو مفتوح العينين، فنتيجة للاحتكاك الدائم تعود الشرطة ان يبدأهم هو بالحديث وهذا غير ممكن للآخرين.

الاثنين الماضي جاءت الهليوكوبتر، دخلت هيئة المحكمة الميدانية الى الغرفة المخصصة لها، سلمت اللائحتين إلى إدارة السجن، لائحة الذين سيحاكمون ولائحة الإعدام.

جلست أمام الثقب مغطى بالبطانية أتلصص على الشرطة وعملية الاعدام التي أصبحت روتينية بالنسبة لي، كالعادة حضر السجناء الذين سيتم تنفيذ حكم الإعدام بهم، تمت كل الاجراءات المعتادة، جهزت المشانق، البلديات جاهزون، وضعوا اول مجموعة ثمانية اشخاص تحت المشانق، لم يبق إلا انزال المشنقة والحبل، عندها صاح احد الذين لم يلصق فمهم بعد وكان الشرطي واقفاً امامه واللاصق بيده:

- ياسيدي ... دخيلك، نحن لسه ما تحاكمنا.

انهال عليه الشرطة بالضرب والشتائم، فلا يجوز له ان يبدأهم الكلام، ولكن صيحته وصلت الى المساعد الواقف عند آخر مشنقة، قال:

- اتركوه ... اتركوه.

ثم اقترب من السجين وسأله:

- شو عم تقول .. ولا؟

- ياسيدي نحن مانا محكمومين، لسه ما رحنا عـ المحكمة.

- شو ها الحكي !!.

التفت المساعد إلى الرقيب المسؤول. طلب منه اللائحة. تبين ان هناك خطأ ادارياً بسيطاً، لقد اخطأ الرقباء فأخذوا السجناء الذين من المفترض أن يعدموا الى المحكمة، وجلبوا الاشخاص الذين من المفترض أن يذهبوا الى المحكمة ليتم إعدامهم.

كل السجناء الذين جلبوا امام المشانق يعرفون انهم هنا بطريق الخطأ، ولكن لم يتجرأ إلا شخص واحد على تنبيه الشرطة على هذا الخطأ.

وبّخ المساعد الرقيب وتم اصلاح الخطأ.

بعد شهر تقريباً من مقتل الطبيبن عادل وسليم، عاد الدكتور سمير من جولته العلاجية، دخل المهجع، السلام عليكم، وقف قليلاً ثم جلس عند ابو حسين، بعد الاحاديث المعتادة قال ابو حسين:

- شو دكتور ؟... انا شايف انه عندك حكي.

- ايه والله ياابو حسين ... بدي نصيحتك.

شرح الدكتور لابو حسين ان لا نتائج ملموسة لكل العمل الذي يقوم به، ومع كل يوم جديد يتفاقم وضع مرضى السل اكثر فأكثر، "أنا كمن يحرث الماء"، وأن الدواء وحده لايكفي، فالغذاء الذي يتناوله المريض شيء اساسي، و:

- متل مانك شايف ياابو حسين ... الناس جوعانه، واذا ما تحسن الاكل بالسجن، مستحيل حدا يطيب من هالمرض، بالعكس المرض بدو يشتد اكتر، وعدد المرضى بدو يزيد. وانه يفكر جدياً بأن يطلب اعفاءه من هذا العمل.

امتد النقاش طويلاً، شارك فيه اخرون، اخيراً ختم ابو حسين النقاش مذكراً الدكتور سمير بواجبه امام الله وواجبه الانساني طالباً منه أن يجعل من يأسه منطلقاً لتحسين الشروط، عندها سأله الدكتور:

- وكيف بدي اعمل ؟

- اطلب طبيب السجن، اشرح له الأمر، وطالبه بتحسين الطعام.

- طبيب السجن ؟! هذا ... الجلاد!.

- نعم .. هذا الجلاد، انت اعمل اللي عليك واترك الباقي على الله.

في صباح اليوم التالي ، كالمعتاد فتح الشرطة والبلديات الباب وهم محملون بالادوية ، لم يخرج الدكتور وقال للرقيب :

- قبل الجولة ... لازم شوف طبيب السجن ... ضروري .

بعد قليل حضر طبيب السجن ، شرح له الدكتور سمير الأمر بلغة الاطباء ، وأنهى حديثه إلى نتيجة ان لا جدوى من العلاج كله اذا بقيت الشروط الغذائية كما هي عليه الان ، رد طبيب السجن :

- اترك لي موضوع الطعام شي يومين.. ثلاثة ، وروح انت تابع العلاج مثل العادة .

الزائد أخو الناقص !.

بعد أسبوع من هذه المحادثة فتح الشرطة الباب لادخال الفطور، واذا بتلٍ من الخبز والبيض المسلوق، أدخل الفدائيون الطعام، وزعوه، نصيب الشخص الواحد سبعة ارغفة مع خمس بيضات مسلوقات ... من سيأكل كل هذا ؟.

نبه الاطباء الى ضرورة الاعتدال بالأكل، لانه بعد كل هذا الجوع لايجوز للبطن ان يمتلئ كثيراً.

استمر الجوع عاماً كاملاً تقريباً، اسماه السجناء " سنة الجوع "، وهي سنة غيرت الناس كثيراً، وانأ أيضا تغيرت، وهذا التغيير أحسه جلياً من الداخل، بعد مضي الأسابيع الأولى من سنة الجوع، أصبح الأمر عادياً، أن تكون جائعاً أمر طبيعي لم يعد يستلزم الكثير من التفكير، ولكن مع تناقص وزن الجسد كلن يتامى داخلي إحساس عميق بالصفاء والنقاء.

اذكر أنني في بواكير المراهقة أخذ إحساسي بالجسد الإنساني عموماً وجسدي خصوصاً يكبر شيئاً فشيئاً، ومن همسات رفاق المدرسة والشارع تعلمت كيف أصل إلى انفجار اللذة الذي يعصف بالجسد كاملاً.

دخلت الحمام في منزلنا وقمت بتطبيق ما تعلمته من رفاقي ، كدت أصاب بالإغماء لذةً وخوفاً ودهشة، ولكن بعد مضي دقائق قليلة تلبسني إحساس بالإثم، إحساس بالتلوث، فقدت طهارتي ونقائي الى الأبد.

منذ ذلك الحين لازمني هذا الإحساس كظلي، إلى أن مررت بسنة الجوع والتي خلالها كنت اشعر أن هذا التلوث.. هذا الدنس قد بدأيزول تدريجياً، وانني اعود الى بساطة وبراءة الطفولة.

" اكثر ما امضني واحرقني هو عدم قدرتي على مشاركة أي انسان بما احسه واشعره، كان شعوري بعودة النقاء فرحاً رافق عذابات الجوع ".

حتى أحلامي تغيرت، أحلام اليقظة والتي كانت قبل سنة الجوع منصبة كلها تقريباً على المرأة، تغيرت وانصبت بمعظمها خلال هذه السنة على الطعام، الطبخات التي كنت احبها، ابتكرت بعض الطبخات، احلم بوجبة مليئة باللحوم والدسم ... وإذا كنت استطيع معالجة الحاجات التي تخلفها احلام اليقظة الجنسية، فانني لم استطع معالجة الحاجات التي خلفتها أحلام اليقظة الطعامية!.

اصبح الدكتور سمير بطلاً على مستوى السجن كله، ولكنه بتواضع اصيل قال لابو حسين:

- الفضل كله الك يا أبو حسين.

اليوم اجروا لي فحصاً، فتأكد خلوي من مرض السل.

14 تموز

خلال الفترة الماضية تمت السيطرة على مرض السل بنجاح لابأس به ، الوفيات بسببه توقفت ، يقدر الدكتور سمير ان هناك حوالي الفي شخص يعالجون من هذا المرض ، أصبح هناك طبيب اخر يساعده في جولاته .

الطعام أصبح مشكلة كبيرة ، في الأيام الأولى من وفرة الطعام أخذ السجناء يحاولون تخزين مايمكن تخزينه خوفاً من العودة الى ايام الجوع ، ولكن تدفق الطعام استمر بمعدل يزيد عن حاجة او قدرة الانسان على الاكل بضعفين او ثلاثة اضعاف ، لم يبق فراغ في المهجع الذي هو مكتظ اصلاً الا وخزن فيه السجناء الخبز اليابس ، حتى اصبحت الحركة صعبة داخل المهجع ، ثم استحالت .

" في هذا السجن لايوجد قمامة ، ممنوع منعاً باتاً اخراج أي قمامة من أي مهجع " .

اشتكى السجناء لابو حسين :

- يا ابو حسين ... لاقي لنا حل ، شوف المساعد بلكي ياخدوا من عندنا بس الخبز اليابس.

ابو حسين طلب من الدكتور سمير ان يتحدث بالموضوع مع المساعد فقال سمير له في نفس اليوم :

- ياسيدي ... صار في عندنا خبز يابس كتير ... بلكي سيادتك تسمح للسجناء يطالعوه برات المهجع ، لانه زائد عن حاجتنا ... وممكن غيرنا يستفيد منه ... اذا في حولكم اغنام ... هذا ممكن يصير علف جيد للاغنام .

جاء رد المساعد حاسماً :

- شو دكتور !!... شايفك صرت عم تتمدمد اكتر من اللازم !.. شو شايفنا رعيان غنم !؟ بعدين نظام السجن واضح وصريح : ممنوع يطلع من المهاجع ولا ذرة زبالة . هذا اولاً ، اما ثانياً : انتو يللي طلبتوا نزيد الاكل ... زدناه ، وهلق كل شي موجود في المهجع لازم تاكلوه .

احتدم النقاش في المهجع. المكان ضاق، الخبز اليابس جلب معه قطعاناً جرارة من النمل والصراصير والجرذان.

كان السؤال كيف نسطيع التخلص من كل هذا الخبز ؟... وجاء الحل من عند ابو حسين:

- ياشباب ... خلونا نختصر، انا برأي ما في غير حل واحد، ننقع هذا الخبز بالماء وعلى دفعات، بعدين نمرسه حتى يصير سائل بعدين نصرفه عن طريق المراحيض.

وقامت قيامة المهجع :

- هذا حرام ... هذا كفر ... نعمة الله نلقيها بالمرحاض !!.

- هذا ما بيجوز من الله ... ياما احلى سنة الجوع !!.

- ايه والله صحيح ... ايه يكون طول سنة الجوع عشر سنين احسن من انه الواحد يكب الخبز بجورة المرحاض !!.

- يالطيف ... يالطيف وين وصلنا !!.

خلال السنوات الماضية وحتى قبل سنة الجوع كنت ألاحظ الاحترام الكبير الذي يعاملون الخبز فيه، كان واحدهم حريصاً جداً على ألا يوقع اية قطعة خبز على الارض، وإذا صدف وأن رأى قطعة خبز مرمية على الارض فإنه يرفعها باحترام ، ينفضها ثم يقبلها ثم يضعها على جبينه، اما ان يأكلها او يضعها في مكان عال ٍ ، فللخبز عندهم مكانة القداسة ، والآن يتجرأ ابو حسين ويقترح ان يرموا الخبز في المرحاض ، وهاج الناس هياجاً شديداً.

" للحقيقة فان الحل الذي اقترحه ابو حسين كان قد ورد الى ذهني وانا استمع الى نقاشاتهم، وبعد ان رأيت الهياج الذي عم المهجع، قلت الحمد لله اني ممنوع من الكلام، فلو انني كنت الذي قدم هذا الاقتراح لقتلوني حتماً ".

قابل ابو حسين هياجهم بهدوء شديد ، جلس مكانه ، لم يجادل ، لم يتكلم وتركهم يوماً اخر.

كل يوم يعني حوالي ألف رغيف خبز زيادة ، صار الجميع يمشي بين تلال من الخبز ، الوصول الى المغاسل او المرحاض أضحى صعباً جداً ، وأعيد فتح النقاش في اليوم التالي فلم يشارك فيه ابو حسين ، في الوقت الذي كان الجميع ينتظرون رأيه ومساهمته ، ضاق الناس ذرعاً بسكوته فتوجه اليه احدهم بالكلام ، قال :

- ايه ابو حسين ... شايفك ساكت ، ما الك رأي بالموضوع وانت رئيس المهجع ؟.

- طبعاً الي رأي ! لكن قبل كل شي لازم احكي شوي مع المشايخ ، ياريت الشيخ فلان ... والشيخ فلان ... يتفضلوا لعندي شوي.

عدد اسماء خمسة مشايخ كانوا في الحقيقة يمثلون الاتجاهات والتحزبات الموجودة في المهجع ، وكنت قد اصبحت أعرفها جيداً من خلال تلصصي الدائم ، كل واحد منهم هو الاكثر علماً واحتراماً في جماعته .

تكلم ابو حسين مطولاً ، بدأ حديثه بسرد مجموعة من ايات القرآن واحاديث النبي محمد ، ثم وصف الواقع والمخاطر ... أنهى حديثه قائلاً :

- نعم ... كلنا نعرف أن هذا نعمة من عند الله يجب احترامها ، لكن يجب ان لا ننسى ان الانسان اهم ، الانسان مخلوق على صورة الله ولذلك هو اعلى قيمة من أي شيء آخر على وجه البسيطة ، ولقد كرمنا بني آدم ... ثم الم يعلمنا ديننا ان " الضرورات تبيح المحظورات ؟ " .

كان منطقه مفحماً ، ان هذا الرجل ثعلب ، ذو شخصية قيادية هائلة ، سكت قليلاً وعاد يتكلم :

- واخيراً يا أفاضل ... شو بنحسن نساوي ؟... مثل ما بقول المثل: كعكة بخمسة !! هذي النعمة ، اما نطالعها لبرات المهجع ، وهذا مستحيل ، أو بناكلها كلها ، وهذا كمان مستحيل ، أو إنه نصرفها عن طريق المرحاض ، ولا تنسوا إنه المرحاض هو المنفذ الوحيد النا هون على هـ الارض .

سأله احد المشايخ :

- ايه طيب ... شو المطلوب منا نحن يا ابو حسين ؟.

- فتوى... انتو مشايخ هذا المهجع ، هلق تجتمعوا وبطالعوا فتوى ، موبس لهذا المهجع ، فتوى لكل المهاجع .

وصدرت فتوى بأغلبية اربعة ضد واحد ، عممت الفتوى على السجن بكامله ، نظم مهجعنا طريقة التخلص من الأكل الزائد ، كل يوم عشرون شخصاً دورياً مهمتهم الوحيدة : نقع الخبز ، مرسه ، تصريفه في المرحاض ، هو وكل المواد الأخرى ، الرز والبرغل والبطاطا والبيض .

حدثت أزمة من نوع أخر ولكنها اخف، أصبح على الشخص أن ينتظر مدة طويلة حتى يأتي دوره في الدخول إلى المرحاض لقضاء الحاجة !.

29 أيلول

عاد يوسف " مجنون القائد " لزيارتي ، لقد تحسن وضعي في المهجع قليلاً منذ شهر تقريباً ، خفت ممانعتهم له عن زيارتي .

استيقظت في الصباح الباكر قبل موعد الاستيقاظ العادي بساعة او ساعتين على أنين رجل يتألم بشدة. انه جاري في الفراش، كان يضع يده على بطنه وهو يتلوى ألماً، يحاول جاهداً أن يكتم أنّات ألمه، نظرت حولي... أنا الوحيد الذي أستيقظ على أنينه ، نظر الي مباشرة ، هي المرة الأولى التي تلتقي فيها أعيننا ، نظرته تحتوي على نداء استغاثة لرجل يتألم بشدة ، رغبتي بمساعدته شديدة ، ولكن كيف ؟!... تلفتُّ حولي حائراً، ورغم انه كان قد ترك مسافة أكثر من خمسة وعشرين سنتمتراً بين فراشي وفراشه إلا انه كان قريباً جداً، هممت أن أسأله عما به وماذا يريد، لكن لم أعرف كيف افعل ذلك !، وبنفس الوقت أشاح بوجهه الي الطرف الأخر ، دقائق كانت طويلة ... استيقظ العديد من السجناء ، اقتربوا منه ، طلب منهم أن يأتوه بطبيب ، حضر أحد الأطباء استفسر منه وسأله وهو يفحصه عما به:

- مغص ... مغص شديد يادكتور ... مصاريني عم تتقطع، ألم ما بينطاق ... راح موت يا دكتور!!.

خلال ساعة اجتمع ثلاثة من الاطباء عند ابو حسين رئيس المهجع :

- التهاب حاد بالزائدة الدودية، لا نعرف الزمن الذي يمكن أن تنفجر فيه، إذا لم يتم إسعافه سريعاً واجراء عملية جراحية لاستئصال الزائدة فهي حتماً ستنفجر وسيموت المريض.

نظر ابو حسين الى الأطباء، التفت الى المريض ... تساءل وكأنه يحادث نفسه :

- ايه ... والحل ؟ ... لازم نلاقي حل ... أظن ما في غير حل واحد ... منشان شيل خطيته من رقبتي! ... ندق الباب ونطلب طبيب السجن، هذا كل شيء اقدر اساويه ... بس ياهل ترى رح يردوا علينا ؟... ولك خلينا ندق الباب ويللي بدو يصير يصير !!... هي موتة وحدة !... وأكتر من القرد ما مسخ الله !... شو رأيكم بهالحكي؟.

- متل ما بدك يا ابو حسين.

دق ابو حسين الباب، الشرطة والبلديات في الساحة يوزعون طعام الافطار، جاء صوت الرقيب " ابو شحاطة ":

- مين هـ الكلب يللي عم يدق الباب ؟.

أخبره أبو حسين برقم المهجع، وان الدكتور سمير يريد طبيب السجن لأمر هام.

فوجئ الدكتور سمير بذلك لكنه وقف إلى جانب ابو حسين بانتظار طبيب السجن، قال أبو حسين لسمير:

- والله يا دكتور ... كيف طلع اسمك معي مابعرف !!... يجوز إلهام من الله، وانت صاروا يعرفوك ويجوز يسمعوا منك.

كان مرض السل في اواخره ولا زال الدكتور سمير يتابع علاج عشرات الحالات التي أسماها مستعصية، ولذلك فهو على احتكاك دائم مع الشرطة.

استغرق مجئ الطبيب اكثر من ساعة لأن الوقت لازال مبكراً، جاري يعتصر من الألم ويحاول كبح أنّاته، فتح الباب وظهر أمامه الطبيب والمساعد وبعض الشرطة، سأل الطبيب الدكتور سمير عن سبب استدعائه، شرح له سمير الأمر، لكن طبيب السجن لم يتكلم ابداً، أدار ظهره ومشى، المساعد رمق سمير بنظرة طويلة وقال:

- مشان زائدة دودية عملتوا كل هـ الضجة ؟!... صحيح هـ الكلب معه زائدة بس انت معك ناقصة، وأنا من زمان حاسس إنك ما تنعطى وجه ... طلاع لبره.

خرج الدكتور سمير الى خارج المهجع ، وخاطب المساعد أبو حسين:

- مين دق الباب ... ولا خرى؟

- انا يا سيدي دقيت الباب.

- طلاع لبره كمان يا كلب ... يا ابن الكلاب.

خرج ابو حسين ايضاً واغلق الباب، نصف ساعة كنا نسمع صراخهما، ومع مجئ الهليوكوبتر توقف الضرب وادخلوهما المهجع.

- مشان الله يادكتور لا تواخذني !... انا سببتلك هـ العقوبة، انا يللي ورطتك.

ضحك الدكتور سمير وهو يحجل في مشيته، ربت على كتف ابو حسين:

- بسيطة ابو حسين بسيطة ... هنن كم كرباج !... راح سجلن دين عليك واستوفيهن انشاء الله بره ... يعني قدام ام حسين، المهم هلق شو بدنا نساوي بالمريض؟.

طرح هذا السؤال على مستوى المهجع كله، كثرت الاقتراحات، كثرت التعليقات والتساؤلات:

- العمى ... بدي افهم !... ليش عالجونا من السل، وما بعالجونا من الزائدة الدودية؟.

- يا اخي ... لازم نفهمها منيح ... الزائدة شخص واحد، يعني فراطة، اذا مات ما بتفرق معهم، أما السل جماعي ، يعني جملة، اذا ماتوا كل الناس هون هذا مو من مصلحة هـ الحكومة بنت الكلب لانه نحن مثل الرهائن عندها، تضغط على الناس يللي بره بهالرهائن.

- لم يدم النقاش والحوار اكثر من عشردقائق، تقدم خلالها طبيب كهل اشيب الشعر وسيم القسمات، عيناه صغيرتان براقتان، جلس على فراش ابو حسين، قال:

- تعرف يا ابو حسين اني طبيب جرّاح، انا بحسن هلق ساوي عملية جراحية للمريض بستأصل الزائدة فيها، لكن يلزمني بعض الاشياء، وكمان لازم المريض يقول قدام الناس كلها إن العملية على مسؤوليته هو.

دون أن يجيب ابو حسين أمسك يد الطبيب وسحبه إلى عند المريض، انتقلا من يساري الى يميني، جلسا الى جانبه، قال أبو حسين للطبيب:

- احكي له، شو بدك منه.

- شوف يا اخي، راح كون صريح معك، انت معك التهاب حاد بالزائدة الدودية، وخلال فترة بسيطة اذا ما ساوينا عملية جراحية راح تنفجر وتموت، في عندنا فرصة نساويلك عملية جراحية، لكن بهذي الظروف خلينا نقول إنه نسبة النجاح أقل من خمسين بالمية، وهلق انت بدك تختار قدام الناس كلها بين الموت المؤكد، وبين الموت المحتمل.

واختار المريض الموت المحتمل، نفى امام الناس كل مسؤولية عن الطبيب.

ابلغ الطبيب ابو حسين بمستلزمات العملية:

- يوجد قماش نظيف، يوجد كحول، يوجد ملح، يوجد بعض حبوب المضاد الحيوي التي استطاع الدكتور سمير أن يغافل الشرطة عنها، يوجد ابر خياطة، يوجد خيطان، يوجد نار، لكن ما نحتاجه هو بعض الاشياء المعدنية لنحولها الى مشارط !!.

مع ظهور كل هذه الاشياء تبين أنني كنت غافلاً وأن تلصصي لم ير إلا ما يظهر على السطح.

التلييس الداخلي للمهجع كان ذا اسمنت خشن والجميع يدرمون اظافرهم بهذا الاسمنت – لا مقصات أظافر في السجن – الاسمنت يستخدم كمبرد، وعلى هذا الاسمنت تم صنع وابتكار العديد من الأشياء، فمن قطع عظم صغيرة تم صنع إبر الخياطة، يمسك احدهم العظم ويبدأ بحكه على الجدار ... يوم ... يومين.. ايام، إلى أن يأخذ شكل الابرة، وبواسطة مسمار يكون قد تم برده ايضاً على الحائط، يقوم الشخص وبصبر عجائبي بفتح ثقب الابرة ، " المسمار هنا يعتبر ثروة ، وتبين ان هناك عشرات المسامير في المهجع " ، الخيطان امرها سهل ، ينسلون قطعة قماش ، بصبر وهدوء يغزلون الخيطان الرفيعة من جديد وحسب الطلب .

وقتها انتبهت إلى ان معظم الثياب التي يلبسونها قد اهترأت ، " كيف لم يخطر على بالي أن اتساءل عن الوسيلة التي يرقعون بها ثيابهم ؟!" ، علماً أن بنطالي كان قد اهترأ عند الركبتين والورك وأضحى بأمس الحاجة الى ترقيع .

الكحول : بعض الاطباء – او بالاتفاق بينهم جميعاً – قاموا بتخمير المربى في بعض المرطبانات البلاستكية " كيف حصلوا عليها ؟؟!" وتحول السائل الى كحول ، قد تكون نسبته قليلة لكنه كحول .

عمم ابو حسين الامر على المهجع :

- كل من لديه قطعة معدنية مهما كان نوعها او شكلها ليأت بها .

وظهرت المعادن ، مسامير ، قطعة نقدية من فئة الليرة عليها صورة رئيس الدولة ، اربع علب سردين فارغة ! اسلاك معدنية، خاتم ذهبي " خاتم زواج " .

مددت يدي الى جيب سترتي الداخلي ، تحسست الساعة ، أمسكت بها، يجب ان اعطيها لهم ... ولكن لمن؟... هل سيقبلونها ؟ ... أم انهم سيقذفون بها على وجهي باعتبارها نجسة من شخص نجس ؟ ! ساعتي مفيدة جداً لهذا الامر ، فـ " الكستك " المعدني مؤلف من قطع معدنية رقيقة يسهل تحويلها الى أدوات حادة ، وكذلك غطاؤها الخلفي ، وحتى زجاجها اذا لزم الامر، وطال ترددي دقائق طويلة ، عدة اشخاص كانوا قد انتشروا وبيد كل منهم قطعة معدنية ما يبردها حسب توجيهات الطبيب ، تم فرش بطانية امام المغاسل حيث لا يستطيع الحارس على السطح ان يرى شيئاً ، واستلقى المريض وهو يتأوه على هذه البطانية ، الطبيب الجراح يتناقش مع مجموعة من الاطباء وسط المهجع .

حزمت امري ، سأغافلهم واضع الساعة في مكان يستطيعون فيه ان يجدوها بسهولة ، ولكن الن يسألوا عن صاحب هذه الساعة ؟ ، هل أستطيع أن اجيبهم بأنها لي ؟ ... لا أعتقد .

لو ان يوسف " مجنون القائد " يزورني في هذه اللحظة لأعطيتها له .

ليكن ما يكون ، وقفت ومشيت باتجاه الطبيب الجراح ، دون اية كلمة مددت يدي بالساعة اليه .

بوغت الجميع ، سكتوا ، نظر الجراح في عيني مباشرة ، عيناه عسليتان دافئتان دهشتان قليلاً ، وببطء مد يده وتناول الساعة مني ، قال :

- شكراً .

ثم التفت الى الاطباء وهو يقلب الساعة ، قال :

- هلق صار فينا نبدأ ، هـ الساعة راح تساعدنا كثير .

عدت الى مكاني وجلست، قليلٌ من النشوة، قليلٌ من الرضى ، استرجع وقع كلمة " شكراً " بعد كل هذه السنوات " احدهم " يشكرني ، يخاطبني مباشرة وهو ينظر في عيني مباشرة ، لا يشيح بنظره قرفاً واشمئزازاً وحقداً .

وزع الطبيب قطع الساعة و " الكستك " على بعض السجناء الذين انهمكوا في عملية البرد والشحذ ، فجأة قرقع المفتاح في الباب ، أذيعت اسماء تسعة اشخاص من مهجعنا ، ثلاثة اعدام وستة محاكمة ، توقفت التحضيرات لإجراء العملية اكثر من ساعة ، توضأ خلالها المحكمون بالاعدام ، صلوا ، ودعوا الناس ، خلعوا الثياب الجيدة وارتدوا ثياباً بالية ، فتح الباب ... خرجوا .

- اللهم احسن ختامنا ، عليهم رحمة الله ، خلونا نتابع الشغل يا شباب لأنه المريض ما عاد ممكن يتحمل اكثر من هيك .

توجه الطبيب الجراح بهذه الكلمات الى بعض الاطباء والى الشباب الذين كانوا يقومون بالاستعدادات ، انتهى تجهيز المشارط ، توجه الطبيب ومعه بعض الشباب الى حيث يستلقي المريض متألماً امام المغاسل .

تملكني الفضول ، اريد ان ارى اجراء العملية الجراحية ، وقلت ان من حقي ان ارى ، تمشيت متمهلاً الى الداخل ، دخلت الى المرحاض ، حوالي عشرة اشخاص منهمكون بالتحضير ، خرجت من المرحاض وانزويت جانباً ، لم ينتبه إليّ احد ، اخذت أراقب .

كيس بلاستيكي مملوء بالدهن ، يبدو أنهم كانوا يجمعون الدهن المتجمد على سطح الطعام ، ينقونه من الشوائب ويضعونه في الكيس ، ملأوا احدى علب السردين بالدهن وغرزوا فيه قطعة قماش بعد ان فتلوها جيداً ، اخرج احدهم علبة كبريت واشعل الفتيل ، " من اين الكبريت ؟!" ، اشتعلت النار مدخنة ، وضعوا فوق النار علبة سردين اخرى مملوءة بالماء وبه " المشارط " ، كانوا ينفخون على الدخان المتصاعد من الدهن ويحاولون توزيعه قدر الامكان كي لا يصعد الى السطح ويشمه الحارس ، بعد قليل غلت المياه فتعقمت ادوات الجراحة .

في هذه الاثناء كان الطبيب قد غسل بطن المريض بالماء والصابون ، ثم احضر ملحاً رطباً فرك به نفس المكان ، غسل يديه جيداً واصر على اراتداء الكمامة قبل اجراء العملية ، تغيرت نبرة صوته وبدأ باصدار الاوامر :

- ما في عنا مخدر ... لذلك بدك تتحمل الالم ولا تتحرك ابداً .

- تعالوا انتو الاربعة ، امسكوه بقوة ، كل واحد من طرف .

اخرج الطبيب المشارط من علبة السردين وبدأ بتجريبها واحداً بعد الاخر ، اختار المشرط المصنوع من غطاء ساعتي ، جربه على اظفر ابهامه ، قال :

- يالله يا اخي ، توكلنا على الله ، يا شباب ثبتوه منيح ولا تخلوه يتحرك ابداً .

وضع المشرط على بطن المريض " بسم الله الرحمن الرحيم "، وحز جرحاً بطول عشرة سنتيمترات تقريباً.

- آخ يا امي .

صاح المريض ولكنه لم يتحرك .

انتهت العملية ، كان الطبيب يعمل بسرعة فائقة ، وبعد خياطة الجرح مسحه ونظفه ، فتح عدة حبات من المضاد الحيوي وافرغ المسحوق فوق الجرح ، ثم قطعة قماش نظيفة وربطه جيداً .

- انشاء الله معافى يا اخي ، يا شباب احملوه على فرشته .

عدت الى فراشي فوجدت بنطال بيجاما وقطعتي قماش فوقهما ابرة عظمية وخيطان ، امسكت بهذه الاشياء نظرت حولي ولكن لم يكن هناك احد يلحظني ، من وضع هذه الاغراض ؟ البنطال عرفته كان لاحد الذين أعدموا اليوم ، لكن من وضعه على فراشي ؟ .

بعد قليل أدركت الامر ، لقد اعطوني هذه الاشياء ، هل هي مكافأة ؟ هل يعني هذا انني لم اعد جاسوساً كافراً ؟! التفت الى ابو حسين ، رفعت الاشياء بيدي أمام وجهه وقبل ان أنطق بحرف قال بحدة شعرت انها مفتعلة :

- الك ... هدول الك ... ماداموا على فرشتك يعني الك .

من يومها احسست ان وضعي قد تحسن قليلاً ، رقعت بنطالي من الخلف ومن الأمام ، أصبحت البس بنطال البيجاما عندما اغسل بنطالي ، اصبح يوسف "مجنون القائد" يزورني مجدداً دون ممانعات .

الآن وبعد مرور شهر على اجراء العملية فان الرجل تعافى وأصبح يمشي بشكل طبيعي .

" لكنه سيعدم بعد حوالي السنة شنقاً ".

1 كانون الثاني

البارحة كان عيد رأس السنة ، اغلب الناس خارج هذا المكان يحتفلون بهذه المناسبة حتى الصباح ، أما هنا فأعتقد أني الوحيد الذي يعني له هذا اليوم شيئاً. منذ بداية المساء نام الجميع ، البرد جارح ، لبست بنطال البيجاما وفوقه بنطالي والسترة ، تغطيت بالبطانيات لكن لا جدوى ، قداماي مثلجتان ، انفي ... اذني ... لففت نفسي جيداً وغطيت رأسي، هذا البرد الصحراوي اللعين ... برد كنصل الشفرة .

حاولت الهرب منه الى أحلامي ، رتبت سهرة لرأس سنة ما ، تعبت قليلاً في اختيار المكان والأشخاص ، انا نجم السهرة بلا منازع ، المائدة مليئة بالأطعمة والأشربة ، الموسيقا ، الرقص ... جو المرح والنكات، الثلج يتساقط في الخارج، أقف خلف زجاج النافذة، أرقب اشجار الصنوبروقد تكللت باللون الأبيض، الدفء داخل المنزل يحيطني ... أحس بالترف، وبنفس الوقت بالتعب، سريروثيروأغطية ناعمة اللمس !!.

مستحيل ... غير ممكن في ظل هذا البرد ان تحلم بالدفء!. أزحت الغطاء قليلاً، حككت يدي ببعضهما، نفخت عليهما، فركت قدمي بقوة علّ الدماء تسري فيهما ! .

عند منتصف الليل سمعت اصواتاً في الساحة أمام مهجعنا ، تغطيت بالبطانية ونظرت من الثقب ، الساحة مضاءة كالعادة ، كل ساحات واسطح ومهاجع وسور السجن تبقى مضاءة ليلاً نهاراً ، هناك في الساحة جمهرة كبيرة من الشرطة يصدرون ضجة كبيرة ، ضحك .. صياح .. شتائم .. امعنت النظر جيداً ، المساعد في وسط الساحة تحيط به مجموعة من الرقباء .

احسست بحركة داخل المهجع ، نظرت من تحت البطانية كان الجميع قد استيقظ ، البعض يبسمل ويحوقل ، البعض يردد عبارات مثل : يالطيف .. ياستار .. اللهم مرر هذه الليلة على خير !!.

عدت للنظر الى الساحة، كان المساعد وشلته قد اقتربوا قليلاً من مهجعنا الذي يعتبر من أكبر المهاجع في هذه الساحة ، طلب من الشرطة فتح الباب وإخراج السجناء الى الساحة. وخرجنا .

خرجنا حفاة عراة ، حتى السروال الداخلي أمرونا ان نخلعه ، صفونا أرتالاً وأمروا أن يبتعد الواحد عن الاخر خطوتين .. وأن لا نستغل عرينا لنلوط بعضنا !.

" وردت رسالة قبل بضعة ايام عن طريق المورس من الساحة الثانية تقول إن الرقيب ( يا منيك ) قد اجبر سجيناً ان يلوط أخاه !!".

[ لماذا تركز الشرطة على هذه المسألة كثيراً ؟!] .

الشرطة والرقباء والمساعد جميعاً يرتدون المعاطف العسكرية وقد لفوا رؤوسهم باللفحات الصوفية ، المساعد يتمشى جيئةً وذهاباً أمام الصف ، الشرطة يضبطون الاصطفاف : وقف باستعداد ولا ... نزل راسك ..

الريح شمالية خفيفة ولكنها قارسة ، اعتقد ان درجة الحرارة تحت الصفر ببضع درجات .

بللونا بالمياه من الرأس وحتى اخمص القدمين ، امرونا الا نتحرك ، عناصر الشرطة يمشون حولنا وخلال صفوفنا وبايدهم الكرابيج والعصي .

بدأ المساعد خطبة طويلة ، وقفته والكثير من عباراته وجمله وحركاته هي تقليد وتكرار لحركات واقوال مدير السجن ، ثلاثة ارباع الخطبة شتائم مقذعة ، وقد بدأها بتحميل السجناء مسؤولية بقائه بالسجن بينما العالم كله يحتفل ، ولولا اننا موجودون هنا حالياً لكان هو ايضاً يحتفل ، الضباط ذهبوا ليحتفلوا وتركوا كل المسؤولية على عاتقه. " رجل ذو اهمية تاريخية !" .

انهى خطبته وغادر الساحة وقد شد صدره الى الخلف ، دون أن يعطي اية تعليمات بشأننا .

صوت اصطكاك الاسنان مسموع بشكل واضح الجميع يرتجف برداً ، انا بالكاد أتماسك لأبقى واقفاً .

أظن أن هناك سؤالاً طاف بأذهان الجميع .

- ما نهاية كل هذا ؟... ماذا سيفعلون بنا ؟... هل هي مقدمة لمجزرة جديدة ؟... هل سنعود ثانية الى مهجعـ"نا" ؟!.

لا كلمة ، لا صراخ ، لا شتيمة ، صمت مطبق لا يخدشه الا صوت خطوات الشرطة وهي تتمشى حولنا ، حتى ايديهم التي يحملون بها الكرابيج والعصي دسوها في جيوبهم وبرزت العصي وتدلت الكرابيج من هذه الجيوب .

الجسد ... الخدر يزداد وينتشر ، الالم يتعمم ويتعمق ، الاسنان تصطك ، من اللسان وحتى المستقيم ارتجاف واحد ، الانف ، الاذنان ، الكفان ، القدمان ، كل هذا ليس من الجسد. تتساقط الدموع برداً وبكاءً فتتجمد على الخدين وزوايا الفم المرتجف ، والسؤال : متى سأسقط ارضاً ؟.

يسقط أحدهم قبلي ، يوقف جميع عناصر الشرطة عن الحركة لدى سقوطه ، تخرج الايدي من الجيوب ، وينطلق بضعة عناصر ، يجرون السجين الذي سقط الى امام الصف حيث يتجمع الرقباء ، يقول احد الرقباء:

- يالله ... دفّوه .

تنهال الكرابيج على جميع أنحاء جسده المتخشب ، يحاول الوقوف ولكن وقع الكرابيج يمنعه ، يسقط آخر ... يجر الى حيث التدفئة ، وآخر ... وآخر.

أجالد نفسي خوفاً من السقوط ، يحدث انفصال تام بين العقل والجسد ، عقلي صافٍ تماماً وواعٍ كل ما يجري حولي ، أما جسدي فينفصل عني شيئاً فشيئاً خدراً وتجمداً ، تختلط الدموع مع المخاط السائل من الأنف واجد صعوبة بالتنفس ، لا أجرؤ على رفع يدي إلى أنفي ... حتى لو استجابت يدي !.

وسقطت ... سقطت دون ان افقد الوعي وجروني الى امام الصف .

لقد جربت وعاينت الكثير من صنوف الالم الجسدي ... لكن أن تساط في البرد وأنت مبلل ... أمر لا يمكن وصفه .

مع بزوغ ضوء الفجر وسقوط آخر شخص وتدفئته من قبل الشرطة انتهت الحفلة. دخلنا المهجع ركضاً على ايقاع الكرابيج ، ركضنا بخفة ورشاقة وكنت أظن أنني لن استطيع النهوض عن الارض ، لكن ما أن سمعت الأمر بالدخول ورأيت الكرابيج تهوي حتى قفزت ، " لطالما تساءلت بيني وبين نفسي عن منبع هذه القوة !... المقاومة ؟".

هذه المرة رأيت فرحاً حقيقياً على وجوه الناس بخلاصهم من مجهول كانوا يخشون وقوعه في دواخلهم كثيراً ، وخلف هذا الفرح تراكمت طبقة جديدة من حقد اسود تزداد سماكتها بازدياد الالم والذل .

5 حزيران

قيل قديماً إن الله خلق للانسان فماًً واحداً وأذنين اثنين حتى يسمع أكثر مما يتكلم ، أما أنا فقد كنت طوال هذه السنوات بلا فم وبعشرات الآذان .

كلام ... كلام ... كلام ... بيادر وأهرامات مكدسة من الكلام ، انقل إذناً الى زاوية المهجع البعيدة لأسمع بم يتحدثون ، الاذن الاخرى انقلها الى حائط المورس ، ماذا يرد رسائل من المهاجع ، لا أحرك عيني ، فقط اذني ، الأذن الثالثة تنتقل الى حيث حلقة حفظ القرآن ، " لقد حفظت الكثير جداً من القرآن !"، والأذن الرابعة ... الخامسة .

فمي مقفل ، أحن الى الكلام ، أشتاق الى ان أسمع صوتي أنا ، حتى عندما يجلس يوسف عندي لا أتكلم ، لأنه ببساطة لا يتيح لي المجال حتى اسأله شيئاً ، ما ان يجلس حتى يبدأ الكلام ، احياناً تكون الجمل مترابطة ، احياناً مجرد تخاريف ، لكن لا فواصل ولا توقفات ، وعلى الاغلب ينهض مغادراً وهو يتابع الحديث .

كلام ... كلام ... كلام ... الجميع يتكلم والجميع يسمع ، ولأن الكلام دائماً يكون همساً اأو بصوت خافت فإن مجموع هذه الهمسات يتحول الى شيئٍ لا هو بالأزيز ولا هو بالطنين ، لا بالفحيح ولا بالهسيس ... هو شيء من كل هذا ، يدخل الاذنين ومنه الى الرأس الذي يتحول آخر اليوم الى ما يشبه الطاسة الفارغة ، شيء ما كالطبل ، أنقر على رأسي بأصابعي فأسمع الرنين ، حتى بعد ان ينام الجميع وتسكت الاصوات كلها تبقى هذه الضجة المكتومة تحوم داخل الاذن وتقرع جدران الرأس.

احلم احد احلامي الصغيرة ، وقد صغرت كل احلامي :

- أحلم ... أن اعيش ولو ليوم واحد فقط في زنزانة انفرادية ، في صمت مطبق ، لا ضجيج ، لا نظرات عداء ، لا نظرات احتقار ، وأنام خلاله نوماً عميقاً .

- احلم ... أن أستحم ولو لمرة واحدة فقط في حمام السوق ، محاطاً بالبخار والمياه الساخنة المتدفقة ، والمكيس والمدلك .

- أحلم ... أن اقف على الرصيف امام محل للفلافل ، آكل سندويشة واشرب العيران .

- احلم ... أن اسير في شارع هادىء ظليل ، سيرَ شخصٍ عاطل متبطل ٍ ، لا يقصد مكاناً محدداً ، وغير محدد بزمن معين .

- احلم ... بأمي وهي توقظني صباحاً ، وأنا ارفض دلالاً أن استيقظ مغطياً رأسي باللحاف .

- احلم ... بشخص ... أي شخص ، يقول لي صباح الخير .

كلام ... كلام... كلام... ، منذ عشرة ايام كل الكلام يدور حول موضوع واحد هو الزيارة !.

منذ عشرة ايام قرب اثنان من السجناء في المهجع رأسيهما من الجدارالذي ترد منه الرسائل عادة ، يسمعان النقرات ويبلغانها لأربعة اشخاص خلفهما :

- فاء – ياء " في " ، ا- ل – م – ه – ج – ع " المهجع " ، وهكذا الى ان اكتملت الرسالة – البرقية - :

" في المهجع الواحد والعشرين أحد الاخوة أتته زيارة ، وقد حضر كل اهله !" .

في البداية كان الذهول سيد الموقف ، بعد ان أذيعت الرسالة على الجميع ساد الصمت ، البعض ينظر الى البعض ، اعقبتها نظرات ساهمة ، تذكر الجميع ماكانوا قد نسوه لمعظم الوقت ، او أُجبروا على نسيانه ، قاموس حياتهم اصبح يحتوي على عشرات المفردات فقط ، تبدأ بالمرحاض والحنفية والطهارة والنجاسة ، وتنتهي عند الكرباج والاسماء المحلية للشرطة ، اما الصلاة والقرآن، على ما فيهما من غنىً لغوي ، فيصبح تردادهما آلياً لا يستدعي اشغال الفكر .

تذكر الجميع أن هناك حياةً اخرى خارج هذا المكان ، وخارج هذا القاموس اللغوي الضئيل ، وانها هي الاصل ، وما هم فيه طارىء عابر .

يذهب الخيال الى حيث الأهل والاحبة ، تحضر المرأة بقوة مهيمنة ، المرأة الزوجة ، المرأة الام ... الاخت ... الابنة ، ويسود وجوم رمادي حامض ، تثور التساؤلات الممضة والحارقة عن المصائر ؟!.

الزمن في السجن زمنان ، يستتبعهما احساسان متناقضان ، الزمن الراهن ... ثقيل بطيء ، والزمن الماضي ، ما مضى من ايام وشهور وسنين السجن ... زمن خفيف سريع ، تنتبه فجأة وتسأل نفسك :

- ماذا ؟ ! ... اصبح لي في السجن خمس سنوات ، سبع ، عشر ؟! الحقيقة لم اشعر بهذا الزمن ، ياالهي كيف مضت هذه السنون بسرعة البرق !!.

تفكر ، وتعرف ان هذا الاحساس ناتج عن انه في زحمة التفاصيل اليومية قلما يتاح لك الوقت لتعد الايام والسنوات ، وهذا كالجلد بالكرباج ، اذا بدأت عد الضربات حتماً سوف تضعف ، وكذلك اذا بدأت عد الايام وتسجيلها خطاً وراء خط على الحائط ، حتماً سوف تضعف ، او ... تجن !.

كسر ابو حسين الصمت بعد دقائق قليلة ، نادى احد جماعة المورس وطلب منه الاتصال مع المهجع الواحد والعشرين والاستفسار عن الزيارة ، كيف اتت ، هل فتحت الزيارات للجميع ، ام هي بالواسطة ، ام الرشوة ... كيف تعامل الشرطة مع الامر ، هل احضر الاهل اغراضاً ... الخ؟ .

وجاء الجواب ، لا يعرفون شيئاً عن آلية الزيارة ، هناك الكثير من الاغراض ، البسة واطعمة ونقود ، السجين ذهب الى الزيارة وعاد دون ان يضربه احد .

بعد ثلاثة ايام ألقى مدير السجن خطاباً ، تحدث فيه عن انسانيته ورحمته وان قلبه ينفطر ألماً عندما يرى ابناء وطنه في هذه الحالة !! وقال :

- كل من تأتيه زيارة منكم عليه ان يطلب من أهله إخبار كل من يعرفون من اهالي السجناء الاخرين لكي يسعوا الى زيارته وبنفس الطريقة .

لكن ماهي الطريقة ؟... لم يعرف احد ، ولم يجرؤ على السؤال احد ، وكانت المرة الاولى التي يخاطبنا فيها وعيوننا مفتوحة ورؤوسنا ليست منكسة الى الاسفل .

اليوم اتت زيارة لشخص من مهجعنا ، ابو عبدالله ، نادوه باسمه الثلاثي ، وهنا قلما يعرف الاسم الثلاثي لشخص ما ، فالكل ينادون بعضهم بـ " ابو " ، ابو حسين ، ابو عبدالله ، ابو علي ، ابو احمد ...

طلب الشرطة من ابو عبدالله ان يلبس ثياباً جيدة ، وتبارى الجميع لإلباس ابو عبدالله افضل ثياب في المهجع ، ذهب ابو عبدالله وعاد بعد اكثر من نصف ساعة ، عاد لاهثاً مخضوضاً يتصبب عرقاً ، وقف بمنتصف المهجع يتلفت وينظر الى الجميع ، ولكن يبدو كمن لا يرى احداً ، باب المهجع لايزال مفتوحاً والبلديات يدخلون الاغراض بجاطات بلاستيك ، بعد ان اغلق الشرطة الباب قال شخص لاخر :

- ماشاء الله ... ما شاء الله ، خمسة وثمانون جاطاً !!.

ابو عبدالله يتلقى التهاني من الجميع وهو لازال واقفاً كالمأخوذ :

- مبروك ابو عبدالله ... مبروك الزيارة .

- الله يبارك فيكم ... عقبال عندكم .

- مبروك ابو عبدالله ... كيف الاهل ؟.

- الحمدلله بخير ... يسلمون على الجميع .

قطع ابو عبدالله سلسلة " المبروك " والتفت فجأة الى ابو حسين ، قال :

- كيلو ذهب ... كيلو ذهب ياابو حسين !! ... الله وكيلك كيلو ذهب .

فوجئ ابو حسين ، نظر الى ابو عبدالله بتمعن ، وزن الامور قليلاً ، ثم سأل :

- خير ابو عبدالله ... خير ، شو قصة هـ الكيلو ذهب ؟.

- الزيارة يا ابو حسين الزيارة ... كل زيارة بكيلو ذهب .

فارتفعت عدة اصوات متسائلة الى جانب صوت ابو حسين :

- شو !!... كيلو ذهب كل زيارة ؟

- نعم كيلو ذهب ، سألت اهلي قالوا لي ، لازم امك تروح لعند ام مدير السجن تأخذ معها كيلو ذهب ، وام مدير السجن تعطي ورقة زيارة !!.

اراد ابو حسين ان يهون على ابو عبدالله :

- ولو ابو عبدالله ... كيلو ذهب فداك ... المهم انو شفت اهلك وشافوك وتطمنوا عليك ، ايه هـ الشغلة بتساوي اموال الدنيا كلها ، الله يلعن الذهب وابو الذهب... المال وسخ ايدين بروح وبيجي ، المهم انت وصحتك واهلك ، الذهب مو مهم المهم البني ادم اللي بجيب الذهب .

- ايه والله صحيح ... ايه والله صحيح ياابو حسين !.

يومها انا دخت ... سكرت ... حتى ان عيني قد غامتا ... تشوشتا ...!.

البلديات كانوا ينقلون الجاطات حتى باب المهجع ، يخرج الفدائيون ويأخذون الجاطات منهم ... دون أي ضرب !... يفرغونها داخل المهجع ويسلمونها للبلديات ... الكثير من الالبسة ، خاصة الملابس الداخلية الصيفية والشتوية ، كأن هناك من أسرّ بأذان الاهل عن حاجاتنا ، والكثير ... الكثير من الخضار والفواكه التي يمكن ان تؤكل نيئة .

ما اسكرني ... كان الخيار ... الخيار بلونه الاخضر ، انسابت روائحه وعطوره الى انفي ، ثلاثة جاطات من الخيار أفرغوها وسط المهجع غير بعيد عني مشكلة تلاً صغيراً اخضرَ ، الى جانبه تل صغير احمر من البندورة ، رائحة الخيار ملأت المهجع ، الجميع كان فرحاً ، ابو عبدالله كان مذهولاً من اثر الزيارة ، ودون ان افكر او اعي بما اقوم به مشيت وجلست الى جانب تل الخيار الاخضر ، انحنيت وشممت بعمق ، انها رائحة الطبيعة ... انها رائحة الحياة ، اخضراره هو اخضرار الحياة ذاتها ، امسكت واحدة وادنيتها من انفي وتنشقتها بعمق ، اغمضت عيوني واعتقد ان ملامحي كلها كانت تبتسم .

كان كل هذا اشبه بزلزال ، ارتج كيانه كله ، فتحت عيني واذ بغابة من العيون تحدق بي ... لم اعبأ ، القيت الخيارة على كومة الخيار ، مشيت الى فراشي ، تمددت ، غطيت رأسي ... وبكيت بصمت .

بقيت عدة ساعات تحت البطانية ، لا اريد ان ارى احداً ، لا اريد ان ارى شيئاً ، البكاء اراحني قليلاً ... ولم البث طويلاً حتى نمت ، استيقظت عصراً رفعت البطانية وجلست ، كان امام فراشي مجموعة متنوعة من الاغراض ... " نصف خيارة ، نصف حبة بندورة ، رغيف خبز مدني ، قطعة بقلاوة فاخرة ، بعض انصاف حبات الفاكهة ، ولكن الاهم كان الالبسة ... بيجاما رياضية ، غيار داخلي شتوي من الصوف ، غيار داخلي صيفي ، جوارب صوفية ... ثم شحاطة !".

طوال كل هذه السنوات ومنذ ان اخذوا حذائي بمركز المخابرات لم انتعل بقدمي شيئاً ، وقد تشكلت على كامل قدمي من الاسفل طبقة سميكة من اللحم الميت المتقرن المتشقق ... والان ها هي شحاطة !.

نظرت حولي ، واضح ان حصتي مساوية لحصة أي سجين اخر منهم ، لااكثر ولا اقل .

( هم جميعاً يكرهونني ، هم جميعاً يحتقرونني ، بعضهم يريد قتلي ... كل هذا صحيح ، ولكن في الامور الحياتية ... كانوا عادلين معي ) .

اخذت الاغراض ، رتبتها كوسادة ... اكلت ، ولكن لم اشأ ان اكل نصف الخيارة .

6 حزيران

البارحة كان يوماً حافلاً ، لم استطع النوم الا في ساعة متأخرة واستيقظت كالعادة صباحاً ، فاجأني وجود قطعتين من الخيار " نصفين " الى جانب النصف الخاص بي ، ثلاثة انصاف ... واستنجت ان هناك شخصين قد تنازلا عن حصتهما من الخيار لي !!... ظنا انني احب الخيار !... لم يعرفا ان الخيار برائحته ... لونه ... قد استحضر الحياة بكل ثقلها الى نفس كانت قد نسيت الحياة !.

اثنان منـ "هم" يتعاطفان معي ! ... ولكن لا يجرؤان على اظهار هذا التعاطف !.

داخلي قليل من الراحة والاطمئنان ، نظرت حولي ، هل أستطيع تمييزهما ؟ .

كل الوجوه مغلقة ، كل العيون كابية .

8 اذار

كالعادة أخرجونا اليوم الى الساحة ، أوقفونا أمام مهجعنا ، وهكذا بقية المهاجع ، إذاعة السجن تصدح منذ الصباح بالأغاني التي تمجد رئيس الدولة وتتغنى بحكمته وشجاعته وبطولاته ، اعطوا ورقة مكتوبة الى احد السجناء بها بعض الشعارات والهتافات يصرخ بها ونردد نحن وراءه : سنفدي الرئيس بالروح والدم ، يسقط الاخوان المسلمون عملاء الامبريالية ...

لم يكن السجناء يرون أي غضاضة بالهتاف ضد انفسهم ، او على الاقل لم تبدر منهم اية اشارة او ممانعة تدل على ذلك ، كانوا يهتفون باصوات عالية جداً لا يستشف منها أي شيء من هذا .

هذه الاحتفالات تجري كل عام مرتين او ثلاث مرات ، واحتفالات هذا العام تختلف عن غيرها في ان السجناء اليوم كانوا لا ينفكون يحكون ويهرشون اجسادهم : انه الجرب. بين تصفيق وتصفيق ، بين هتاف واخر ، يمد السجين يده ليحك جسده .

بدأ الجرب منذ خمسة اشهر تقريباً ، وكنت قد نجوت من التهاب السحايا ومن السل الا انني كنت من اوائل المصابين بالجرب ، الذي سرعان ما عم وانتشر ليشمل السجن كله ، والغريب في الامر ان الاختلاط بين المهاجع ممنوع منعاً باتاً ، فكيف يمكن ان ينتشر وباءٌ ما يبدأ في احد المهاجع ليعم السجن كله !!.

والاغرب من هذا ان مستوى النظافة هنا يعتبر جيداً ، فالمساجين عموماً يهتمون بالنظافة كثيراً ، خاصة نظافة الجسد والثياب لانها شرط ديني للطهارة والصلاة ، فكيف يمكن لاشياء مثل القمل والجرب ان تنتشر بهذه الكثافة ؟!.

بدأالجرب فجأة عند بضعة اشخاص وانا منهم ، ظهر اول ما ظهر بين الاصابع ثم امتد الى ثنيات الجسم الاخرى ، كان عذاباً مضنياً كالنار عندما تسري في الجسد ، كل يوم يمر يزداد عدد المصابين ، وواضح منذ البداية ان اية عملية وقاية لا جدوى منها ، مهما كانت الاحتياطات المتخذة من قبل الشخص السليم فهي عبث لا طائل تحته .

منذ اليوم الاول حدد الدكتور غسان الامر ، هذا الدكتور وهو زميل البورد الامريكي للامراض الجلدية ، له مؤلفات كثيرة ويعتبر عالماً في اخصاصه على المستوى العالمي ، شخص محترم هنا كثيراً ، لا يتدخل في أي مسألة لا تعنيه ، يترفع كثيراً عن الصغائر، وهو المرجع الاخير في الطب لكل الاطباء الذين في المهجع .

فحص الحالات الاولى للمرض ، قام بهدوء من مكانه واتجه لعند ابو حسين ، وقف بين فراشي وفراش ابو حسين ، القى التحية :

- السلام عليكم يا ابو حسين .

قفز ابو حسين احتراماً وهو يرد التحية :

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، اهلاً وسهلاً ... اهلين دكتور ... تفضل ... تفضل ... استريح .

جلس الدكتور غسان ، وبمنتهى الهدوء بلغ الامر لابو حسين ، ختم حديثه قائلاً :

- هذا الجرب سريع العدوى ، خلال ايام راح نكون كلنا جربانين اذا ما عالجناه ، والعلاج بسيط ، اخي ابو حسين ... خذ اجراءاتك ... بس انا خليني بعيد عن هـ الساقط طبيب السجن !، ماني طايق احكي معه ولا كلمة ... مفهوم ؟.

اومأ ابو حسين برأسه موافقاً ، عندها قام الدكتور فوراً الى فراشه الذي لا يغادره ابداً ، فهو لم يشاهد جالساً عند احد ، وهذه هي المرة الاولى التي يقوم فيها بالجلوس على فراش سجين اخر وكان ذلك للضرورة .

فيما هو يغادرالتفت نحوي ، سار خطوتين ثم توقف ، اتجه نحوي ، جلس على فراشي وهو يقول :

- السلام عليكم ... يا اخي .

لا ادري كيف اجبته مبهوتاً وبصوت انا نفسي لم اسمعه :

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

- ممكن ... يا اخي من بعد فضلك... تمد ايديك حتى افحصهم .

بحركة الية مددت كفيّ الى الامام ، امسك بهما، باعد بين الاصابع ثم التفت الى ابو حسين وقال كانه يتابع حديثاً انقطع :

- شايف ابو حسين.. وهاي الاخ جارك كمان مصاب !، وانا ماشي شفته عم يحك وعرفت انه مصاب .

- لا حول ولا قوة الا بالله ... اللهم اعنّا على تحمل كل هذه المحن ، اللهم لا تعطنا حملاً خفيفاً ولكن اعطنا ظهراً قوياً ، يارب انت السميع المجيب .

بعد ان انهى ابو حسين الدعاء قال الدكتور : آمين ، ثم التفت اليّ :

- يا اخي حاول الا تحك ... مهما حكك جسمك حاول لا تحك ، وحتى يفرجها الله ويتأمن الدواء حاول انك تغسل ايديك دائماً بالماء والصابون ، وارجو لك من الله الشفاء ، ولا تخاف هذا المرض مزعج بس مانو خطير .

وذهب .

( ياالله ... ما هذه العذوبة ؟... ما هذه الرقة ؟... ما هذه الانسانية ؟... هل هو لا يعرف من انا ؟... اذا كان كذلك ، فهذا يثبت انه انسان كبير !... اما اذا كان يعرف من انا ... فهذا يثبت انه انسان كبير ... كبير ... ولايخشى احداً ) .

مرت الايام ، ثم الاسابيع ، وابو حسين يحاول مع ادارة السجن وطبيب السجن ان يؤمنوا لنا العلاج ولكن دون جدوى ، وآخر مرة قدم فيها الطبيب قام بزجر ابو حسين وتهديده :

- العمى بعيونك ... صرعتنا ، ايه هو جرب ! ... شوية حكة وينتهي الامر ، ايه ولاك ... قاعدين لا شغلة ولا عملة ... اكل ومرعى وقلة صنعة ، خليهم يتسلوا بالحك ... احسن ما يملوا !.

وذهب .

كانت قد مرة اربعة اشهر على بداية المرض ، وظل ابو حسين يحاول .

" اما انا فقد شفيت بعد حوالي الشهر من بداية مرضي ، كيف ؟ ... لا اعرف ، كنت الحالة الوحيدة التي شفيت ، فقط اتبعت ما قاله الدكتور غسان ، كنت كل نصف ساعة اقوم الى المغاسل اغسل كل الاجزاء المصابة بالماء والصابون جيداً ، ثم اصبحت اعمد الى كشط الصابون الرطب اللين واضعه على اماكن الاصابة وأتركه الى اليوم الثاني ، لم أحك جسمي أبداً ، حتى عندما أنام أحضر سروالي النظيف وأضع كل يد في طرف من السروال ، وأظل الفه متعاكساً إلى ان يصبح السروال كالقيد ، وبذلك أتأكد انني لا أحك حتى وأنا نائم. وكما ظهر المرض عليّ فجأة اختفى فجأة. واغتنمتها فرصة بعد ان تأكدت من الشفاء لمحادثة الدكتور غسان ، ذهبت اليه وابلغته انني شفيت ، اكتفى بهز رأسه !.

تطور مرض الجرب كثيراً ، سمعت حديثاً للدكتور غسان مع مجموعة من الاطباء بحضور ابو حسين وكان حديثه موجهاً للاطباء ، فاحتوى على العديد من التعابير الطبية واللاتينية التي لم افهمها ، وبعد ان عدد انواع الجرب خلص الى نتيجة انه لا يوجد عبر تاريخ الطب ان سجلت حالات كالحالات التي يرونها هنا ، وذكر ان اقسى انواع الجرب هو ان يكون لدى المريض حوالي / 300/ بثرة ، بينما هنا سجل حالات احتوت على اكثر من /3000/ بثرة تغطي كامل الجسم ، وان هذا هو احد الاسباب التي ادت الى حدوث وفيات بالجرب ، ونبه الى حالة خطرة وهي انتشار المرض داخل الاليتين وعلى فوهة الشرج ، وانه نتيجة للحك القاسي في تللك المنطقة والذي ادى الى حدوث جروح عديدة بعدد البثرات الموجودة حول فتحة الشرج ، ونتيجة لتقارب هذه البثرات فان الجروح قد الصقتها ببعضها بعد تخثر الدم مما ادى الى انسداد الشرج ... ومن ثم الى الوفاة لاستحالة طرح الفضلات من الجسم ، وتمنى لو ان هناك امكانية لحضور احد معاهد البحث الطبي المتطورة لمراقبة ومعاينة هذه الحالات الشاذة .

طلب الدكتور غسان من ابو حسين تشكيل فرقة تمريض مهمتها ربط المرضى الذين ينتشر الجرب لديهم في الشرج من ايديهم لمنعهم من حك انفسهم ، ثم طلب منه معاودة جهوده مع ادارة السجن .

منذ خمسة ايام وفي الصباح كان أبو حسين مستغرقاً بالتفكير ، فجأة انتفض وذهب الى الدكتور غسان ، تحدث معه قليلاً والدكتور يهز برأسه ، بعدها جال أبو حسين في المهجع كله وهو يردد :

- شباب ... كل شخص اتته زيارة مدعو للاجتماع عندي ، كل اربعة ... خمسة يجوا سوا .

كان هناك حوالي ثلاثين شخص من مهجعنا قد اتتهم زيارات ، ولمعرفة الاهل ان هذه الزيارة قد تكوت استثنائية ويتيمة فانهم كانوا يحاولون تزويد سجينهم بما قد يحتاجه ولزمن مستقبلي طويل ، خاصة لجهة الالبسة والنقود ، وتبين لي أن اهالي المساجين الاسلاميين عموماً هم من الفئة الميسورة في المجتمع ، ولهذا فان أقل مبلغ أعطي لسجين كان مئتي الف ليرة ، والبعض أكثر من ذلك بكثير، ولذلك اصبح في مهجعنا ملايين الليرات ولا مجال لشراء أي شيء ، وقد استمرت الزيارات حوالي الستة اشهر ،" كان بعض الحفظة يحصون ويحفظون عدد الزيارات لكي يعرفوا كم كيلو ذهب اصبح لدى مدير السجن ، وفي الإحصاء الاخير بعد توقف الزيارات كان العدد قد وصل الى ستمائة وخمسة وستين كيلو ذهباً ".

وقد توقفت الزيارات نتيجة لانتقال مدير السجن وحلول نائبه محله في الإدارة ، ولم يكن توقف الزيارات هو النتيجة الوحيدة لانتقال مدير السجن بل كان هناك نتيجة أخرى ، اذ وردت برقية مورس من المهاجع الأولى تقول :

" لقد جمع مدير السجن الجديد جميع عناصر ورقباء الشرطة العاملين داخل السجن وابلغهم انه اعتباراً من هذا اليوم لا يحق للعنصر العادي – الجندي أن يقوم بقتل أي سجين اذا لم يكن أحد الرقباء موجودا في الساحة ، التعذيب ، الضرب ، السحل ...كل هذا ليس مشكلة، لكن الموت لا يجوز إلا بحضور أحد الرقباء "

اعتبر الجميع عندها ان المدير الجديد أفضل وأكثر انسانية من المدير القديم .

أتت أول مجموعة من خمسة أشخاص لعند أبو حسين ، بعد التحية والسلام والمجاملات وكأنهم يزورونه في بيته دعاهم للجلوس وبادرهم فورا بفتح الموضوع دون مقدمات فيما الجميع يهرشون ويحكون :

- بدنا منكم يا شباب .. تبرعات في سبيل الله .

سكت الخمسة قليلا ، ثم قال أحدهم :

- يا أبو حسين ... أرواحنا وأموالنا في سبيل الله ، بس أشرح ، قول أولا شو بدك تعمل بالأموال ، المبلغ المطلوب ... مولازم نعرف ؟!.

- طبعا لازم تعرفوا ... لكن ما بدها ذكاء كثير ، الله خلق الأموال وأعطانا إياها منشان نصرفها ونشتري بها .

- طيب شو بدك تشتري ؟.

- بدي اشتري طبيب ... دكتور .

- دكتور...؟!!

وضحك الجميع .

- نعم دكتور ... بدي اشتري طبيب السجن ..! ما في غير هذا الطريق ... وبسلامة فهمكم بهذه الدولة ومن فوق لتحت كل واحد له سعر ، وما بظن ان هذا الدكتور غير شكل ، كلهم عم يلهطوا ، ونحن خلينا نملي جيب هـ الدكتور منشان يجيب لنا دواء للجرب ، ونخلّص أمــة محمد من هذه البلوة .

وافقه الجميع وتتالت الاجتماعات وأصبح بحوزة أبو حسين مبلغٌ محترم، عندها طلب من الرقيب عندما فتح الباب مجيء الطبيب لأمر هام !.

كان الطبيب حانقا عندما فتح الباب ، وصاح بوجه أبو حسين :

- اذا كنت طالبني منشان الجرب ... بدي كسّر عظامك يا كلب ، صار ألف مرة قلت لك ما عندنا دواء جرب ، هات لشوف ... شو بدك ؟.

- يا سيدي ... منشان الله ... بس طول بالك واسمعني شوي ... يا سيدي متل ما بتعرف نحن بالفترة الماضية اجتنا زيارات وصار في عندنا مصاري كتير ... ومثل ما أنت شايف ... نحن هون المصاري ما تلزمنا لأنه ممنوع نشتري أي شيء .

كان هذا هو الطعم الذي ألقاه أبو حسين للطبيب ، وبدأ الطبيب بالتقاط الطعم فالتفت الى الشرطة الذين كانوا يحيطون به وأمرهم بالابتعاد ، قال :

- ايه طيب ... وأنا شو علاقتي بكل هـ العلاك ... اذا كان عندكم مصاري أو ما عندكم ... شو ممكن أعملك ؟!.

- يا سيدي ... اخدمنا هالخدمه لوجه الله ... انت رجل كلك انسانية ، وساعدتنا كثير لوجه الله ... هذه المرة كمان ساعدنا ... اشتري لنا الدواء على حسابنا ... حتى لو كان من السوق السودا ... ومعليش اذا كان الدواء غالي ، نحن مستعدين نشتريه بضعفين أو حتى ثلاثة ... خدمة لوجه الله يا سيدي .

وتحولت لهجة الطبيب فورا من الحنق والغضب الى اللين الثعلبي :

- لكن ... انت تعرف أن هذا الدوا غالي كتير ؟

- معليش يا سيدي ... مهما كان غالي الثمن ، بس يكون كافي لكل هـ الناس ، لأن الكل جربانين .

- طيب ... تعال لهون شوي .

أخرج الطبيب أبو حسين الى خارج المهجع ، تكلما بصوت خافت ، وتمت الصفقة .

بعد يومين أتى الدواء بالصناديق الكرتونية ، ومنذ ثلاثة أيام وجميع الناس سواء كانوا مصابين أم لا وأنا منهم بدأوا العلاج بـ البنزوات " بناء على تعليمات الدكتور غسان المشددة ، وتحت رقابته الصارمة " .

تم تهيئة خمس مقاصير بالبطانيات يدخل الواحد خلفها ويبدأ بفرك كل جسمه بـ البنزوات .

خلال هذه الفترة القصيرة بدأت تظهر النتائج الايجابية .

تم ابلاغ المهاجع الأخرى ، والجميع أتم الصفقة مع الطبيب الذي أصبح مليونيرا، وعلق أحد الأشخاص :

- اذا سألوا طبيب السجن شي مرة ، كيف صرت مليونير ، لازم يقول : الجرب حولني من شخص جربان الى مليونير .

- بس يا أخي لاحظ ان الفساد في بعض الأحيان يكون مفيد وكويس .

23 تموز

رغم مرور كل هذه السنوات بقيت قابعا في قوقعتي أتلصص على الداخل والخارج ، داخل المهجع وخارجه ، ولكن مع مرور الأيام قل أهتمامي بكثير من الأشياء نتيجة لمعرفتي التامة بها .

حفظت القرآن جيدا ولطالما رددت بشكل عفوي آياتٍ وسوراً طويلة منه ، حفظت الصلوات كلها حتى الطارئة منها كصلاة الخوف ، صلاة الجنازة ، وصلاة التراويح ... استمعت الى خلافات الجماعات المختلفة حول الأحكام الشرعية ، آلية تفكيرهم ، ردود أفعالهم ، طموحاتهم ... آمالهم ... لكل هذا لم أعد أركز ذهني كثيرا عندما أنظر من خلال فتحة القوقعة .

كذلك عندما أطل بنظري من خلال الثقب الى خارج المهجع ، مرأى تنفس المهاجع الأخرى ... العقوبات ... التعذيب ... كله أضحى عاديا ... يوميا .

لكن كنت أداوم يوميا على النظر خلال الثقب انتظارا وتوقعا لما هو غير مألوف ... لشيء جديد ، وكان على الأغلب يوجد شيء جديد ، فالتعذيب وان كان ذا نمط معمم والكل قد تدرب عليه في مدرسة واحدة ، الا انه يبقى هناك شيء له علاقة بالذات ، ذات كل فرد ، فكل رقيب ... كل شرطي يضفي من ذاته شيئا خاصا على العمل المتشابه ، فيخلق شيئا جديدا نستطيع ان نضيفه الى خانة الإبداع ، " مسحة ابداعية بالتعذيب !! " .

منذ أكثر من سنة وخلال تنفس أحد المهاجع ، كان أحد الرقباء واقفا في ظل الحائط ، مرت فأرة من أمامه فهرسها ببوطه العسكري ، معست الفأرة وماتت ، أخرج الرقيب من جيبه منديلا ورقيا وأمسكها بواسطة المنديل من ذيلها ، اقترب من صفوف المساجين التي تدور حول الساحة ، أمسك بأحد السجناء لا على التعيين وأجبره على ابتلاع الفأرة ، ابتلع السجين الفأرة .

منذ ذلك اليوم صرف الرقباء وعناصر الشرطة جزءا مهما من وقتهم لاصطياد الفئران والصراصير والسحالي وإجبار السجناء على ابتلاعها ، كلهم قاموا بهذا العمل ولكن ابتكاره " ابداعه " عائد لأول رقيب قام بهذا العمل .

حتى الإعدمات ، رغم أنني أدمنت مراقبتها الا أنها لم تعد تحمل نفس الشحنة من التوجس والرهبة .

يقاد المحكوم عليهم بالاعدام الى أمام المشانق ، يقيدون بعد أن يتم تثبيت اللاصق العريض على أفواههم ، كل دفعة ثمانية أشخاص ، ترتفع المشانق ، تنحني الرقاب ، ارتخاء الجسد ، انزال الدفعة الأولى ، صعود الدفعة الثانية ...

كنت أراقب الجميع ، شرطة وبلديات ومعدومين ، تطورت مراقبتي من مراقبة الأفعال الى الوجوه ، الانفعالات ، ردود الفعل ... ما يرتسم على الوجه من خوف ، هلع ، حقد ، تشف ، سرور ، استمتاع ، لذة ...

"الوحش" ...

الجميع ابتداء من رفاقه البلديات الى جميع عناصر الشرطة حتى المساعد كانوا ينادونه الوحش ، شاب في الخامسة والعشرين تقريبا ، قد لا يتجاوز طوله المائة والستين سنتمترا ولكن عرض أكتافه قد يتجاوز المائة والعشرين سنتمترا ، سماكته قد تبلغ الستين أو سبعين سنتمترا ، من الأمام والخلف يبدو كمربع ، من الجانب يبدو كصندوق ، مفتول العضلات ، شاهدته في احدى المرات يرفع سجينا بيد واحدة الى ما فوق رأسه ، قوي جدا ، لا يغيب أبدا عن أية اعدامات ، ويلعب دورا فعالا فيها ، جميع عناصر الشرطة يعتمدون عليه .

في أحدى حفلات الأعدام وبعد أن أنزلو الدفعة الأولى وضعوا الحبال في رقاب الدفعة الثانية ورفعوها الى الأعلى ، سبعة معدومين من ثمانية ارتخت أجسادهم ، وبقي الثامن يصارع ، كان يأبى أن يموت ، جسده متدل ويلعبط ، انتظر الجميع دقائق ولكن روحه كانت عنيدة ، أبت أن تخرج ، يحرك رجليه يحاول أن يرتفع بجسده الى الأعلى ، وطال الإنتظار ، احساس بالإختناق وضيق التنفس ينتاب الجميع ، المساعد تلمس رقبته بيده اليمنى وفركها ، الجسد المعلق في الهواء يصارع ، أخذت ألهث تحت البطانية ... وصاح المساعد :

- يا وحش خلصنا من هـ الشغلة !.. خليه يرتاح .

تقدم الوحش ، وقف تحته وأمسك برجليه وأخذ يشده الى الأسفل ، كان السجين المعلق – كالعادة – يلبس ثيابا رثة .. أسمالاً ، ولذلك عندما شده الى الاسفل انشدت الثياب واصبح السجين عارياً بجزئه السفلي ، تابع الوحش الشد ، يشد ... ويشد ... ونجح اخيراً ، مات السجين ، لكن فور موته يبدو ان مصرته الشرجية قد ارتخت نهائياً فأفرغ كل ما في امعائه فوق الوحش الذي لا زال يشد ، وكانت كمية الفضلات كبيرة وسائلة ... غطت الوحش ، رأسه ، وجهه ، صدره ، ... رجع الوحش الى الخلف واخذ ينظر الى الجميع ، قهقه المساعد وكان اول من استوعب الامر ، قال وهو يضحك :

- كان اسمك الوحش ... بس هلق صار اسمك الوحش ابو خريه !.

ضحك الجميع كثيراً ، حتى انا ضحكت بصوت مسموع .

من يومها اصبح للوحش اسمان ، رفاقه الذين يخشونه ويخافون بطشه ينادونه الوحش ومن لا يخشاه والجنود والرقباء ينادونه بـ " ابو خريه " .

الجنود والرقباء اغلبهم من المجندين الذين يؤدون الخدمة العسكرية ومدتها سنتان ونصف ، الاغلبية الساحقة منهم هم من ابناء الجبال والساحل ، لهجتهم ثقيلة وتصرفاتهم غليظة وجلفة ، ويستحيل ان يوجد بينهم واحد من ابناء المدن الكبيرة والرئيسية ، وكونهم مجندين فانهم يتغيرون بشكل دوري ، في السنة الواحدة يتم تخريج دورتين من مدارس الشرطة العسكرية ، لهذا فكل ستة اشهر تأتي دورة جديدة ويتم تسريح دورة قديمة .

منذ اربعة اشهر اتت اخر دورة ، كانوا ثلاثة عشر عنصراً ، ثلاثة رقباء وعشرة جنود ، عندما دخلوا ساحتنا هبط قلبي بين قدميّ ، ففي المقدمة كان يسير اخي الاصغر سامر بلباس الشرطة العسكرية ، عنما اقتربوا اكثر تبينت انه شخص يشبه اخي كثيراً ، اسميته في سري " سامر" بينما السجناء الاخرون سموه " الاعوج " لانه كان يميل برأسه دوماً الى جهة اليمين .

في البداية لا تطلب الادارة من العناصر الجدد القيام بأي عمل على صعيد التعذيب او الاعدامات ، يتركونهم حوالي الشهر فقط يحضرون ويشاهدون ما يجري وهم وقوف ، ودائماً يكون الجدد متهيبين من الامساك بالكرباج او العصي ، وحتى بعد مضي الشهر وعندما يبدؤون بمشاركتهم تكون ضرباتهم حفيفة ومرتبكة .

في الاعدامات يوقفونهم على مبعدة من المشانق، ما ان تبدأ عملية الشنق حتى يكونوا قد اقتربوا من بعضهم اكثر ، اصفرت وجوههم ، البعض يرتجف ويغض النظر والبعض الاخر يصاب بتقلصات في المعدة مما يجعله يتقيأ .

المساعد والعناصر القدماء يرون كل ذلك فيتعاملون معه وكأنهم لم يروا شيئاً ، مع حفلة الاعدام الثانية والثالثة ... يسترخون ، يتجرؤون ، يصبحون طبيعيين كباقي زملائهم .

الرقيب سامر " الاعوج " وكنت اراقبه دائماَ ، عندما حضر اول حفلة اعدام تقيأ بشدة حتى خلت انه سيخرج امعاءه ، جلس على الارض وقد غطى عينيه بيديه الى نهاية الاعدامات ، ساعده اثنان من زملائه على النهوض وقاداه من تحت ابطيه الى خارج الساحة .

اخر حفلة اعدام حضرها كان نشيطاً جداَ ، بيده عصا طولها اكثر من متر ، يمازح زملائه وعلى وجهه ابتسامة دائمة ، عند الانتهاء من اخر وجبة اعدام وقف امام احد المشنوقين واخذ يؤرجحه ، وضع العصا على الارض آخذاً وضعية الملاكم جاعلاً من الجثة المعلقة كيس رمل ، اخذ يوجه لها اللكمات ، صاح على الوحش :

- وحش ولا وحش ... تعال هون .

ركض الوحش لعنده .

- نعم سيدي .

- شوف هـ الكلب ... صار له ربع ساعة معلق من رقبته ولسا ما مات ، شده من رجليه ... خليه يرتاح .

ضحك العناصر والبلديات الذين سمعوا هذا الحديث متذكرين ما حصل للوحش ، اما الوحش فقد وجم قليلاً وهو ينظر الى سامر .

يكمل........باران.......

صورة  baranaran19911's
User offline. Last seen 7 سنة 4 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 25/07/2009

شديد الاعتذار لاعضاء امنتدى الكرام .....

الخطأ من الكمبيوتر اوجد الكلمات الزائدة في النص.

صورة  ronyda's
User offline. Last seen 2 اسبوع ساعة واحدة ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 03/09/2009

شكرا لك اخ باران

بانتظار الجزء الرابع

مع اطيب تحية