أدونيس وحلبجة؟

رد واحد [اخر رد]
صورة  جانوو's
User offline. Last seen 4 سنة 45 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 11/08/2007

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

احببت ان انقل لكم ما قرائته للشاعر ادونيس عن حلبجة في زيارته لكوردستان العراق ..

- عُمَري خاور...تمثال لرجل يحتضن طفلاً عند بوابة مدينة حلبجة .

باكراً، كما ينهض الفجرُ من سريره، ويخرج لابساً معطفَ الشمس، ذهبْنا إلى حَلَبْجة. رافقتنا ذِكرى مرْشوشةٌ بسائلٍ كيماويّ، كنتُ أنظرُ إليها تلتهبُ في ذاكرة الحقول. رافَقَنا سحابٌ يتقطّع، ينفصلُ يتّصلُ، ويهبط كأنّه شهيقُ الرّياح وزفيرها.

وقلنا للهباء الذي تحمله ريحُ الجنوب: رجاءً، أَرْجئ هبوبَك.

الطريقُ بيوتٌ كمثل تضاريسَ في عَضَل المادّة. رأيتُ الطبيعة تغسلُ في هذه البيوت نهديْها وقدميها. رأيتها تتّكئ على العتبة. تُسدِلُ شعرَها الطّويلَ وتسلّم على أبنائها الغادين الرائحين.

الطّريقُ أطفالٌ يُزنّرون الشجرَ بأحلامهم.

الطريقُ جراحٌ نازفةٌ في هياكل التّراب.

الطريقُ صمتٌ تتقوّسُ فوقَه خاصرةُ الفضاء.

فجأةً حلبجة: عُمَري خاوَر -

سمعتُ الصورةَ. رأيتُ الأصوات.

وخِفْيَةً، كان الحجرُ يبكي.

وفي مسافةٍ تنكمِشُ في برعم زهرةٍ، بدت الشمسُ كمثلِ تجويفٍ أحمرَ في جسد النّهار.

وكانت الحقول أَسرّةً تنطرح عليها سلالمُ العذابِ، صعوداً إلى مجرّات الله.

عُمَري خاوَر -

رعدٌ في الحِسّ والمخيّلة، في الحدسِ والتّنفّس والنُّطق. هَولٌ يتمدّد على التراب

في أشكالٍ ومجسّمات يرتعش فيها الفلَك، ويتبلبل المعنى.

كيف يُمَسمَرُ الإنسان على دريئةٍ اسمها القتل؟

كيف تكون الجمجمة شعاراً للوطن؟

المعنى؟ من يقدر، من يعرف أن ينفخ في صُور المعنى؟

واختلط الموتُ بالحياة والتبس كلٌّ منهما عليّ. ورأيت الموتَ يدخل في تحوّلاتٍ

التبست هي كذلك عليّ -

موتٌ يقاتل الموت. موتٌ قمرٌ وشمسٌ في فراشٍ واحد. موتٌ ثقبٌ في جسم الموت. موتٌ يقظةٌ في الموت. موتٌ رئةٌ للحياة. موتٌ عيدٌ للموت. موتٌ قبور أطفال وقبور أنفال. موتٌ نردٌ. موتٌ دمية. موتٌ خريطة للمدارات. موتٌ حقلٌ وزرعٌ وحصاد. موتٌ ينبوعٌ في جبلّة الرمل. موت سلّمٌ للموت. موتٌ شاطئٌ. موتٌ شراعٌ ومرساة. موتٌ فرسٌ فارس. موتٌ سخريةٌ. موتٌ عناقٌ. موتٌ جالسٌ بين يدي طفل. موتٌ يستحمّ في بحيرة الدمع. موتٌ أسيرٌ آسرٌ، قتيلٌ قاتل. موتٌ فأسٌ وقيثار. موتٌ يرقص مذبوحاً. موتٌ يغنّي بالكردية، ويتذكّر بالعربية. موتٌ بغداد وإربيل في جبّةٍ واحدة.

من قال هناك مَهدٌ للحياد، والأشياءُ هامدةٌ فيه؟ الأشياء سواء كانت غباراً أو قمراً، وردةً أو سرّةً، أو كانت أفراحاً أو تباريحَ، تنام وتستيقظ في فراش البصر، وتحت غطاء البصيرة.

هكذا لا تنام حلبجةُ وإن خَيّلتِ النوم. دائماً شطرٌ منها يعانق أواخر الليل، وشطرٌ يعانق أوائلَ السّحَر. دائماً تطلع منها شمسٌ، وينشقّ فيها قمر. دائماً، ترافقها جوقةُ أشعّةٍ مما فوق النسيان، ومما بعد الحاسّة.

حَلَبْجةُ حقلُ موتٍ مسكونٌ بمحراثٍ اسمُه الحياة.

> كانت الكواكب تسير نحو أوجها، في عربةٍ تجرّها خيول الهواء. وكان الشجر يمسح الحزن عن وجهه بمناديلَ زرقٍ بيضٍ، فيما تتحوّل البراعم إلى أقلام تكتب المراثي لأطفالٍ احترقوا. آثرتُ ألاّ أفتحَ خزانة الأيام الملأى برسائل كتبتها نساء ذوّبتهنّ آلة الكيمياء.

> سياجُ الرمز حول المقبرة الجماعيّة يتفجّر صوراً

تنحني نجمة لكي تكتب اسمها على قبر امرأة.

تَغلغلْ أيها الشعر في تخاريم المكان،

تقلّب أيها الفكرُ في خفاياه.

ترك الموتُ أوراقه في دُرْج الزمن وائتمن عليها الريح.

أغلقت المقبرةُ دارها وأخذت تقرأ رسالة كنتُ كتبتها إليها.

> قبورٌ نُقش عليها: «يستطيع القصف الكيميائيّ أن يقتل كلّ شيءٍ إلاّ الحبّ».

> ماذا تقدر حلبجة أن تفعل من أجل بشرٍ يحملون أفكاراً بلا مناخٍ، ولا أبجديةَ لها؟

أفكارٌ تنخسف كمثل قصورٍ تهرّأت، والراياتُ خِرَقٌ لتنظيف الدبّابات والمدافع والطائرات. وها هي الشعوبُ اقتتالٌ، والقبائلُ أرزٌّ يُنثَر في المعسكرات. وليس في الأفق إلاّ سيولٌ من اللهب تتفجّر من أتون المذاهب.

وكلّ جمالٍ ملعون.

إنّه الحاضر يرنّ كمثل أجراسٍ ممّا قبلَ النّحاس.

إنه العصر تشنّجٌ لا يلد إلاّ الطُّغاةَ والغُلاةَ والشّتات.

صحيحٌ أنّ الريحَ تهبّ قويّةً، لكن يبدو كأنّها تهبّ دون أن تلامسَ أيّ شيء.

تعبر فوقنا، تعبر فينا، لا تصادف إلاّ الرمادَ والغبار. كأننا اللاشيء في يد الشيء.

وماذا تقدر حلبجة أن تقول لأولئك الذين يقولون:

يكفي لكي تغيّرَ العالمَ،

أن تغيّر ثوبك؟

> يقول عمري خاور: لا يكفي أن يكون لك شكل الإنسان، لكي تكونَ إنساناً.

> قولي داليا، كيف حدث أنّ قمر حلبجة اختبأ مرّةً بين نهدَي امرأةٍ كانت تُحتَضَر

مديرةً وجهها إلى قبّة الكون؟

كيف حدث أنّ الأشياء كلّها كانت تبكي كمثل الأطفال؟

داليا، لا بدّ للمرأة من أن تبتكر اسماً آخر لما يُقال له الواقع، ولما يقال له الوهم.

لا بدّ من أن تصنع سفناً ومراكبَ للحبّ تطلقها دون ربابنةٍ ودون أشرعةٍ في أمواج الحبر واللون.

> كيف أخرج من حلبجة؟

كان الشجر الذي احترق يصنع من رماده بيتاً للعشب.

في كلّ غصنٍ في كلّ شجرة،

شفتان تقرآن، وعينان تبكيان.

ورأيت الأبجدية الكرديّة تتطاير من الأنقاض والأشلاء، حرفاً حرفاً،

وصورةً صورةً،

كمثل ذرّاتٍ من غبارِ الطّلْع.

كلاّ لا تقدر القصيدة أن تقف على الورق لكي تحيي حلبجة.

لتقفْ إذن على جبين العالم...

ودمتم بخير وعافية ...واترككم برعاية الله وحفظه..

ـــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم "و من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب" صدق الله العظيم.

صورة  LINDAAA's
User offline. Last seen 8 سنة 25 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 22/08/2009

حلبجة رح تظل ألمنا يلي ما بيمحيه لا اعدام اوشنق....

يسلمو جانووو

 ______________________________________________________

.....................Even if i die,Ican not let you go.......................