بكاء الياسمين

7 ردود [اخر رد]
مشترك منذ تاريخ: 23/12/2005

حدث هذا منذ سنين وسنين ، ولا يزال الحدث متكرراَ ،  كما لو كان سنة كونية ، أو حقيقةً طبيعية !  في منطقة سهلها النرجس وواديها الياسمين ، تداعبها الشمس و تسايرها النجوم ، يسليها البدر ، وتحرسها القمم ، تلك المنطقة   الممتدة على طول الغابة الخضراء شاسعة الأرجاء ، يعانق زهرها الندى ، وترابها أنامل الكائنات ،  وأشجارها ترحب بـأعشاش العصافير.

يتراقص النرجس على خرير الماء غنجاً و طرباً ويتمايل الياسمين من نسمات النهر   ،  على طوله بدءاً من سيول الجبال  الدفيقة ملأى بعذب الريّ  ، كلٌ يأتي بخشوعٍ ،  ورضا وهمة عالية  ليجتمعوا معاً في بداية النهر حيث تأخذ طريقاً جديداً وسيراً حثيثاً ،  كما لو كانت تضع أيديها في أيد بعض ، معاهدةً ألا تخون إحداهن الجماعة !  فتضل الطريق ويتمكن منها الجفاف  ، لتصبح  بعدها ذكرى عابرة  تتنكر لها حتى أحفادها  التي  تأتي بعدها فتصبح نسياً منسيا ، وتضيع في ركام السنين و صخب الحياة الضاجِّ بالسرعة والتجدد والتغير المستمر !

هذا النهر العذب الذي يسقي الغابة  كلها من نباتها وحـيـواناتها لا تكل ولا تقل ولا تمل  ، ويبقى عذباً صافياً مهما جرى ومهما أوغل في الشرب مختلف الكائنات ، يبدأ في كل برهة عهداً بوضعٍ جديد ، يبعث دوماً نسيماً   إلى البر  ليبقى  انتعاشه مورقاً في عظمة الأشجار المعمرة ، الباسقة ، و خضرة الشجيرات الصغيرة ، الوليدة ،  ولون الأزهار البرية  ، و شذا عطرها  الفواح ، ورطوبة الحشائش  المتنفسة من مائه والزافرة نعيماً من الهواء الطلق ،  ويستمر انتعاشه في بسمة باقي الكائنات.

يحد الغابة متوسطة الكثافة ، من أحد أطرافها سلسلة مترابطة  من الجبال  السامقة العالية البيضاء طوال الشتاء ،  الخضراء في فصلي  الربيع والصيف ، تلك الجبال الشاهقة بجلالها و رفعتها  تمسح دمعة السماء الزرقاء لتزيدها طهراً ونقاءً وألقاً وضياءً .

تجد في زوايا الجبال المتكسرة بفعل الأجواء المتقلبة بين فصول السنة المتوالية  وعوامل التعرية، أعشاشاً مهولة  لطيورٍ ضخمة عظيمة الكيان يسميها الكائنات في الغابة صقوراً ، ما إن تراها العين حتى تنحني بكل احترامٍ  لها هيبةً وجلالاً ، تتمثل القوة فيها في أسمى وأقصى معانيها !

-        2   -

على الرغم من انفصال عالم كل كائن عن سواه في ذاته إلا أن المنظومة لم تكن تكتمل بهاءً وحسناً إلا في مجموعها.

فقد كانت الصقور تحوم حول العصافير الطرية في كل يوم مئات المرات بين معجب ومشتهٍ ، بينما كانت العصافير تحلق في حدودٍ آسرة لا يمكنها تجاوزها إلى أبعد من ذلك ، تُسلِّم بحدود قدراتها وطاقاتها.

انتهجت العصافير سبل الحياة باندفاعها وعشوائيتها بسذاجةٍ حيناً ومحاولات حثيثة أحياناً أخرى لادعاء الذكاء في شكل تصرفات بلهاء ، إذ أنها على أية حال لا تجيد الخبث واللؤم ، تشدو في كل حين وفي كل مكان ، هكذا دون أبجديات  ، لا تعرف تمييزاً بين شدو شجي يطرب و يسحر  وآخر  كما لو كان نعيق الغربان !

يصفق لهم باقي الكائنات إما مجاملة لكسب ودها -  رغبة في مطامع ومصالح أخرى غير ما يتوهمه العصفور من إعجاب بأدائه و كيانه – ، وإما جهلاً بمعايير الجمال الثابتة  التي قد لا يختلف عليها اثنان ،  ربما لم تكن هي الأخرى تميز بين الشدو والنعيق! ولكن إن مر عليهم ذوّاق من الكائنات ، خاصة تلك التي تُدعى صقوراً  ،  لبيب يسمو ويعلو كثيراً  لا يلتفت ولا يكترث  كي لا يكدر صفو هدوئه  وصفاء سريرته ولا يخل باتزانه و هيبته شيء من الضجيج والصخب المنفر و المثير للاشمئزاز أحياناً كثيرة  ، محترماً في صمتٍ جودة من لا يُرى بين الجموع  إما لاختلاف المعايير بينهما أو لاختلاف النوايا و الضمائر  ، في أحسن الأحوال يقول  هذا اللبيب في قرارته للمحسن أحسنت ويكتفي بها ليكمل تحليقه.

-  3  -

كغيره .. غرد عصفور جديد في أحد أعشاش الغابة التي تنم هيئته على أصالة أبويه مؤسسي هذا العش الفاهر ، ومكانة مرموقة بين أقرانهم  كانت الأسباب كثيرة لتجعل الغريد الجديد ملفتاً لأنظار الغابة ، مثيراً لاهتمامهم ، و مرغباً بشدة وشغف التنعم برؤيته ، زاد على عدد العصافير صغير لأبٍ يجيد الشدو ببراعة و عذوبة ، يتقن أصولها و يترجم ألحانها إلى أحاسيس ، لكنه دوماً خارج أسوار الغابة بعيداً عن حدود أسرته مهيمناً على كل من تقع عينهم عليه أو تخضع أسماعهم له  ، كانت له مكانة في مملكة العصافير حتى في المناطق المجاورة لغابتهم ، أما الأم فكانت نسخة مصنوعة على عين الأب وبيديه كعجينة لينة يشكلها كيف يشاء  ، لا تسمع إلا ما يسمع ولا ترى إلا ما يرى ، هي هكذا كما يريد. وبحكم مكانة الأبوين ، انشغلا عن العصفور الصغير  ، نسوا أمره  مطمئنين إلى الحاضنة الثقة التي لا تخون ولا تجور على أحد ، سلموه إلى الطبيعة ، بثقة مطلقة ، كان لسان حالهم يقول ، هكذا ترعرعنا وهكذا تستمر الحياة ، غير ملتفتين إلى اختلاف الأجيال و العصور الزمنية وما يحدث تبعاً لها بالضرورة من تغيرات  و طوارئ .

فتح الصغير عينيه على الغابة الفسيحة رائعة الجمال ، و لم يدر بخلد هذا المسكين أنه موجود في عالمٍ  موحشٍ  ومظاهر مزيفة   ، ليتعرى من الفضائل والأخلاق والقيم في أحلك الظروف وأقسى اللحظات ، ولعل عرى بعضها تمزقت بمجرد عابر بسيط من الأسباب و المحن التي لا تكاد تذكر حتى تكشف عن اللؤم والخبث  ، إلا ما كان مسمىً وادعاءً  أو صورة باهتة صماء لا لون لها ولا حياة ، تقطر شهداً في الرخاء ، وتكشر عن أنياب الحاجة والرغبات في الشدة والضيق ، دنيا كلعبة شطرنج ، الفائز فيها هو الأكثر ذكاءً والأسرع بديهة ، ولا مكان فيها للبسطاء و السذّج ، كل من فيها يدعي الكمال والرؤى ، وكل يناديه ليكون تلميذاً على يديه.

-4-

أحبَّ الصغير بفطرته والديه ، لم يشبع  من حبهم ، ولم يرتوِ من أحضانهم  الدافئة ، فقد تركوه أمانةً لغيرهم وهم يقنعون قلوبهم الضعيفة وفطرتهم المشوبة بعادات وتقاليد خرقاء أن صغيرهم سيكون بخير ولا شك . تلك هي سنة الحياة كما يرونها ،  ومسيرة الأيام التي على إثرها يمشي الأبناء و  الأحفاد.

كم كان عصفوراً جميلاً ، مخمليّ الهيئة ، في عينيه بريق و على محياه بسمة لا تنقضي  ، مميزاً عن أقرانه ، لم تعتد الغابة احتواء مثل هذا الجمال الفاتن مما جعل العصفور محط أنظار الغادي والرائح ، صغيرهم وكبيرهم ، شريفهم ووضيعهم  ، كان الكثير ممن حوله من العصافير يحاولون محاكاته وتقليده ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، لعلهم يحظون ببعض جميل الوصف و  المديح وشيء من الإطراء وقليل من أعين المعجبين ! غير أن تكلفهم أجهدهم وأعياهم وطرحهم صرعى الغيرة تفتك بهم .

كان أجمل ما في العصفور هدوءه رغم حماسه وثورته ، واتزانه رغم اتقاد قلبه وروحه وضياء نفسه ، وأناته رغم ذكائه وفطنته. لم يمد عينيه إلى ما ليس له ، يرى لكن حدود تلك الحياة بشكل ما لم تكن ترضيه ، ولم تشبع طموحه وتوقه ، كان كثير النظر إلى السماء كما لو كان هناك شيء ما يخصه هو وحده ولا يشاركه فيه أحد.

- 5 -

اتخذ العصفور عشاً آخر غير عشِّ والديه بناه بنفسه ، على شجرة شديدة الخضار  أعجبته في طرف الغابة إلى جهة الجبال ، آثر الوحدة وأكثر الخلوة، فلم يكن شيء مما حوله من باقي العصافير يؤنسه ، ولا غيرها من المخلوقات تحوي شغفه بالسماء ، صعب التواصل  بينه وبينهم  ، فاختار تلك الشجرة .

- مرحباً بك أيها العصفور الجميل ، كم أسعدني اختيارك أغصاني لتبني عشك  عليها

ابتسم العصفور وأكمل بناء عشه ، .

- يبدو من هيأتك أنك ضعيف ، لكن عملك وإتقانك يقول غير ذلك .

- لا يخفى على حكمتك أننا كثيراً تخدعنا المظاهر ، ونحكم من خلالها فور وقوع أنظارنا عليها

- أجل ، هو فعلا كذلك .

صمتت الشجرة  في اهتمامٍ ، وأكمل العصفور عشه ، بات ليلته الأولى خارج عش والديه ، لكن من يهتم و من يدري؟!!

استيقظ في الصباح ليسلم على صديقته الجديدة الشجرة ويشكر حسن ضيافتها وهدوءها المريح

ثم انطلق يبحث عن بعض المؤونة ، يسد بها جوعه ويملأ بطنه الصغير.

كانت الشجرة تشفق عليه ، وتخاف، بقدر ما كانت سعيدة به وفخورة باختياره لها دون أشجار الغابة ، صدقت احتواءه و أحسنت ضيافته ، وأجملت تربيته . ومرت الأيام وهي تراقبه ، تشاهد نموه ونضجه ، وكم غلبها بعض الأحيان سؤالها الساذج الذي لم تكن تستطيع في كل مرة إيضاح مقصدها من ورائه :

- عليك أن تكون قوي القلب يا عصفوري .

- كيف ؟

- إن الغابة مجبولة على أن القوي يأكل الضعيف ، ولا يرحم أحد أحداً ، احفظ عني هذه الكلمات ، وإيّاك نسيانها

- لكنك رحمتني ( يبتسم لها  وهو يعلم ما تقصده )

- لا يمكنني إيذاؤك ، لو كنت أستطيع .. من يدري ، ربما ؟؟!

ضحك العصفور  وأبدى احتراماً  لصدقها وصراحتها ، ذلك كان السبب الأقوى في بقاء العصفور في حضانتها وهو مرتاحٌ إليها ،  لكن الشجرة زادت من حدة كلامها تريده أن يكون أكثر جدية  في توتر و قلق مما جعل العصفور يفهمها ويشعر بخوفها عليه واضطرابها :

- مم تخافين علي ؟

- من نفسك ، وغيرك !

-من غيري فهمت فكيف من نفسي عليَّ تخافين ؟

- أنت قلب ندي طري وشعور رقيق وإحساس مرهف …

قاطعها العصفور محاولاً طمأنتها ..

- ستكونين معي دوماً ولن تتخلي عني أبداً ، أليس كذلك ؟؟

- بلى ولكن..

شعرت الشجرة أنها لا تستطيع أن توضح للعصفور مقاصدها و نصائحها كلها فاكتفت ، وهي تنوي أنها ستكمل في وقت لاحق.

- 6 -

موقع الشجرة هناك ، والعصفور يأوي إليها دائماً ، كان  حقاً ملفتاً لطيور الجبال ، كانوا يراقبونه وهو يحاول التحليق عالياً إلى مستوى يرى فيه من هم فوقه . الفضول يدفعه في كل مرة للوصول إلى أعلى مما وصل إليه في اليوم السابق ، أتعبه ذلك ، وتسبب له في كثير من الأحيان المرض والإعياء ، لكنه لم يكن يُشفى إلا ليعاود الكَرَّة . كم علا بهذا وذاك نجمه وزاد في القلوب حظّه :

-عزيزي الصغير أنت تجهد نفسك كثيراً

- أحب هذا ، أجد نفسي فيه …

- أشعر بك، وأحاول كما ترى أن أفهم ،  لكن  انتبه فالسقوط  قد يؤدي في بعض الأحيان إلى هاوية لا أمل للخروج منها ، وليست دائماً الضربة التي توقعك تجعلك أقوى !

- تفاءلي أرجوك..

- أريد فقط أن تنتبه لنفسك

-أعدك أني سأفعل

في كل يوم كانت الصقور تحوم حوله ، وكم من مرة حط بعضهم على الشجرة فكاد يكسر منها بعض الأغصان  تحط بكامل قوتها ، شيءٌ أشبه باستعراضٍ حقيقي!  و الحوارات الطويلة تدور مع  العصفور الذي كان يكابر أمامهم  رغم ضآلة حجمه ، لكنه كان عزيزاً في نفسه قوياً بالشجرة التي يسند إليها كلما خانه قلبه ، يظهر أمامهم بعض العزة والأنفة كما لو كان هو العظيم ، كان يعترف بجلالهم لكن لم يكن يجد لصدى نفسه فيهم أثراً ، كان يسمع ذاك الصدى فقط … على قمم الجبال !

-   7 -

يوماً ما وهو يحاول كعادته تمرين أجنحته الغضة ، ليصل إلى ما لم يصل إليه سابقاً  ، أخذ زاويةً من طرف الجبال ليستريح . لم يكن المكان جديداً عليه ، فقد تجاوزه مراراً وأصبح معتاداً عليه بل أصبح استراحةً ثابتة له.

هناك حيث كان يلتقط أنفاسه فوجئ بصقر غريب على غابته ، حط على المكان نفسه ، أوجس العصفور منه خيفة ، فقد تذكر وصايا الشجرة ، علمته ألا يخاطب الغرباء ، ولا يضيع وقته في ثرثرة لا طائل منها ، كما أنها أخبرته أن القوي يأكل الضعيف !!

همّ العصفور بالمغادرة ، لكن إطراء الصقر على الغابة بأسلوب عذب رقراق استوقف العصفور ، لقد رأى الطائر الغابة لوحة فنية رسمتها ريشة إلهية تنبئ بعظمته وقدرته وبديع صنعه ، تخرس أفواه من يمضغون الكلام ويروجون للصدف ، سحر العصفور كلمات الصقر  ، لم يكن كغيره من الطيور ، ابتسم العصفور في نفسه ولم يبدها للغريب ، فهو لا يأمنه والقوي يأكل الضعيف . أسرع عائداً إلى شجرته :

-عدت باكراً اليوم

- نعم .. قابلت بعض الغرباء

-غرباء؟؟!!

-بدا لي كأنه عابر سبيل يريد بعض الراحة على جبالنا

لما كان اليوم التالي ، والحياة كعادتها في الغابة ، أسرع العصفور إلى جولته .

العجيب أنه التقى بذات الطائر الغريب ثانيةً ، وفي المكان نفسه ، انقبض فؤاد الصغير ذعراً ، لم يتوقف هناك اليوم بل أكمل حتى ابتعد قليلاً.

-يا إلهي كيف سأعود الآن ؟

- لكنه لا يبدو بهذا السوء

- إذن لماذا لا يغادر المكان ، ولماذا يكمن هناك وحيداً ، لم لا يخالط الآخرين ..؟

أسئلة دارت سريعاً في ذهن العصفور ، حتى استوقفه سؤال أهم من كل هذا:

- ألست أيضاً تحب العزلة و تبتعد عن الآخرين ؟!!

- سأنظر لأرى ما يصنعه هذا الطائر الغريب هنا

اختبأ العصفور بعد هذا الحوار مع نفسه ، وتوارى عن عين الصقر ليراقبه وينظر ما خطبه ، لكنه لم يجد شيئاً سوى صمت طويل و تفكير وتأمل لم يقاطعه حرف واحد ولا حركة واحدة ، نظرة عيني الصقر حيرت العصفور ، و أَسَرَته ، أخذته بعيداً ، بعيداً جداً !!!

عاد العصفور إلى عشه ، وفكره مشغول بالغريب   ، تكرر ذلك كثيراً ، حتى ألف العصفور الطائر قليلاً ، ولم يعد يخافه ، أو يشعر بأنه غريب.

بدأ الصقر يقترب شيئاً فشيئاً من الغابة لكن يبقى في مكانٍ عالٍ كما لو كان على برج للمراقبة ، وهو يرى باقي الطيور تحوم حول العصفور وتتودد إليه ، تسامره وتجالسه ، ويرى العصفور متعالياً عليهم بلا تكبر ، لكنه لا يحب أي شيء إن كان رخيصاً ! يسمع كلاماً أشهى من الشهد ، واهتماما غير مألوف لغيره .

مر العصفور يوماً بالغريب فاستوقفه :

- محبوك كثر أيها الصغير

-  (مبتسماً ) ربما

- لا أرى لأقرانك مثلما تحظى به ، يبدو أنك مميز عنهم.

- لا أعلم ، ربما

أتبع الطائر بعد ذلك في حنو بالغ واهتمام غريب :

-انتبه لنفسك!

أدهش العصفور اهتمام الغريب  ، لكنه وعده كما وعد الشجرة :

- أعدك أني سأفعل .

- 8 -

كثيراً ما يجذبنا الجديد ويستولي على اهتمامنا فينسينا الأول ( القديم ) ، فالعصفور على أية حال لم يعد يتذكر أبويه ، ولعل هذا ليس خطأه هو، إلا أنه لم يعد يجالس الشجرة كما كان يفعل سابقاً ، أصبح يقضي وقتاً أطول مع الصقر الغريب – ولم يعد غريباً – .

سأله عن طول صمته ، وقلة كلامه ، وتفكيره الطويل المتأمل ، فكان جواب الصقر أكثر إثارة لإعجاب العصفور من أي شيءٍ آخر :

- هكذا علمتني الجبال

- كيف؟

- إن هذه الجبال التي تراها لا يوجد فيها إلا قلة قليلة ، فـ مهما تكلمت فإنك في النهاية تحدث نفسك ، يمكنك أن تفعل ذلك في صمت .كثيراً ما ترى في الحياة يا صغيري مثل ذلك ، رغم كثرة الكائنات حولك إلا أنك  وحيد مهما تكلمت ، لا تحدث إلا نفسك ،  افعل ذلك بصمت .

شاكسه العصفور ضاحكاً :

-هذا سيريح لسانك…

- لكن أخبرني ، لم تأوي إلى الجبال ؟ أراك هنا كل يوم.

-آتي لأراك !

-لا ، كنت تأتي هنا قبل معرفتك بي .

-نعم .. منذ مدة طويلة وأنا أفعل هذا … أريد أن أعرف ما الذي تخبئه قمم الجبال !

- ما الذي يهمك في هذا ؟

- فضول ..

- يمكنني أن أخبرك ، وأوفر عليك عناء الطيران .. ،  ثم أكمل ضاحكاً كما لو كان يَرُدُّ مشاكسة العصفور :

- وهذا سيريح جناحيك

-  9   - 

هناك نقاءٌ مطلق يا صغيري، تغسل الأمطار الجبال قبل هبوطها إلى أنهاركم وبحاركم ، يصلنا بلا حواجز ، من طهر السماء .. أجواؤنا باردة جداً ، لكن في صدورنا نحفظ إيماناً بأمور تشع حولنا الدفء ، ويقينا برودة الثلوج حتى نكاد لا نشعر بها ! فهي تنبعث من أعماقنا تلفنا كهالة من قبس الشمس التي تلامس بدورها قممنا قبل سائر الكون!

رغم وحشة المكان ، إلا أن الأنس كبير ، الأنس يا عزيزي بنا نحن ، ومنا ينبعث إلى الدنيا ، وليس العكس ، فلا تنتظره من غيرك ، بل اصنع الأنس ( بك ).

توقف الطائر قليلاً ينظر في عيني العصفور :

- يبدو أني أصبحت جاثماً على فؤادك الصغير ، أخذتك من حياتك ، اذهب قبل أن يحل الظلام وتقلق عليك شجرتك الحانية.

-فؤادي سعيد بك ، على الرحب والسعة ، سأذهب شرط أن تكمل في الغد ( رواية الجبال ) !

-سأفعل

لم تعد الشجرة تشعر بحركة العصفور ، فهو يعود متأخراً بعد وقت لا يشعر فيه بنفسه  مسامرا ًصقره  المبجل ، وهي منهكة بعد يوم طويل من العطاء والبناء والكفاح والبذل والحرص والعناية ، فلا تكاد تلتقيه إلا على عجل في صباح باكر أو في مساءٍ متأخر .متألمة لفراق الصغير هكذا  يبتعد عنها شيئاً فشيئاً بعد أن كانت الأولوية الأولى في حياته ، والمؤنس الوحيد له ، استبدلها العصفور دون قصدٍ لجرح شعورها ودون شعور بنفسه الغارقة في أنسٍ جديد ، لازالت الشجرة سعيدة في الوقت نفسه لما تراه من سعادة تتملكه. لم تره أسعد مما هو عليه الآن ، يرى أن شيئاً مما كان يترقبه دوماً بدأ ينقشع  أمام عينيه ، يملكه بين يديه يتحسسه ويحاول الاحتفاظ به .  عاد في اليوم الثاني إلى الجبال باكراً جداً ، لم يتوقع الطائر منه ذلك ، إلا أن الحديث عن آعالي القمم يداعب قلب العصفور :

- صباح قمم جبلية أيها الصقر !

-صباحاً بجمال قلبك ونقاء نفسك

-أكمل ما كنت تتحدث عنه بالأمس

-ألم تكتف؟

-لا .. أتعلم

-ماذا؟

-خذني إلى هناك !!

تعجب الصقر من لهفة العصفور وإلحاحه ، كان مصراً وجاداً  شديد الشوق ، لم يثنه الوصف عن رغبة جامحة في  الرؤية ، ومعاينة المكان بنفسه.

- المكان بعيد ، وقوتك لا تكفي ، كما أنك غير مهيئ لتلك الأجواء ، أخبرتك بالأمس بكل ذلك ، سيُقضى عليك في تلك البيئة الصعبة ، طلبك هذا غير معقول  ، أخبرتك بما يكفي ووصفت لك ما ستجده بالضبط هناك ، كنت أفعل ذلك حتى تنس الأمر وتترك الفكرة . أردت توفير  العناء عليك .

- بل زادني شغفاً ورغبةً وإصراراً ، إن لم تساعدني ، سأذهب وحدي ، لن أغير رأي، هل ستساعدني؟؟

-أنا بين يديك !  قالها الصقر بعد أن تأكد من عدم جدوى محاولاته في إثناء العصفور عن قراره ، ورغبة منه في رعايته و عدم تركه لغيره ممن قد يعدوه بالوعود الكاذبة ويزينوا له الأماني الزائفة . أما العصفور فقد شعر أن الدنيا أصبحت تفتح أمامه أبواب الحظ الحسن والحياة الجميلة ، وأن الآتي مشرق يعزف على أوتار المستحيل أغاني الوصول والتمكن ، ويحفر ذكرىً يريد أن تكون قدوةً لغيره كما كان يظن ويقنع نفسه ، واستمر بهذه الحال ليل نهار منذ أن وعده الصقر .

- 10 -

لم يستطع الصقر التركيز فيما هو مقدم عليه بالضبط ، من جهته تخالجه رغبة ملحة في مصاحبة العصفور لمكان آخر لا يأوي إليه سواه ، وحيداً يغنيه عن كل الكائنات الأخرى حتى أقرانه من الطيور العظيمة ، في منطقة لا تبعد كثيراً عن الغابة ، تعلق هو الآخر  بالعصفور كثيراً حتى أنه لم يعد يحتمل غيابه ، يتفقده ويتابعه يبحث عن أخباره ، يتأكد من سلامته و يطمئن عليه دوماً من بعيد .

لم ينقص الصقر شيئاً ، لم يكن بحاجة للعصفور ، فأقرانه كثر و أصدقاؤه يملؤون الأجواء والجبال ، ومحبوه لا يقلون عن كل هؤلاء ، لكن يبدو أن الكامل لا تروقه صحبة الكامل مثله دوماً ! بل من يرى فيه الغض الطري ، صغيره  الذي يربو ويكبر بين يديه ، يصنعه على عينه ،  يربيه ويصقله كما شاء تُضاف اللمسة الأخيرة من ذوقه و مراده ، ليستنسخ لنفسه نسخة أخرى ، ويرى فيه ذاته الشابة ، و تاريخه المجيد ، وجماله الفاتن .

دون تحديد وبعشوائية بين الحين والحين كانت له مبادرات شخصية يوجه  للعصفور تنظيراً ، يقدم سلسلة من النصح والإرشاد ، في قالب من الحنان الجارف ، كان في كثير من الأحيان صعباً على العصفور استيعابه ، إلا أنه في كل مرة يزيد عقدة على قلب العصفور المربوط بحبال موثقة بالصقر الجليل ، حوارات عفوية  لكنها دوماً  تبقى محل اهتمام على أية حال :

- عليك التمكن من الطيران أكثر  وإلى أعلى بكثير ، تعلم كيف تحمي نفسك قسوة البرد والمكان، كن جسوراً ، تزود من المهارات المختلفة والمتنوعة لتجابه بها العواصف التي لم تألفها ، لا تثق بكل من يمر بك ، حوّط نفسك بسياج من التشكيك في كل شيء حولك مما يجعلك في مأمنٍ من الطوارئ ! لا تُصدق كل ما يقال لك ، و لا تسمح لأحد بتجاوز حدود الحديث معك ، ضع دائماً حدوداً  ولكل شيء .

وفي كل مرة يطير بعدها بعيداً كما لوكان يواري شيئاً عن مرأى العصفور  الذي يبقى في مكانه تذهله ردة الفعل في كل مرة ، تساءل مراراً عن سبب مغادرته المفاجأة في أكثر الأحيان دون أن يترك كلمة واحدة أو يودع بتلويحة مغادر  ، إنه تعلقه الشديد بالعصفور الذي خرج عن سيطرته وإرادته ، لم يشأ أن تظهر له مكانته الحقيقية ، كان يظن في بعض الأحيان أنه ضعف لا بد من إخفائه  والمراوغة أمام صغيره ، يوهمه بقوته .

بات العصفور الجميل لقمة يمضغها أهل الغابة ، بعد أن كان الرواية الأجمل في كل أرجائها ، و غدت صحبته للطائر الغريب رواية المجالس وحديث كل ساعة ، مما جعل الطائر يقترح عليه أخيراً الذهاب إلى ركنه القريب ، البعيد عن إزعاج الفارغين، لم يتردد العصفور مطلقاً وأصبح الصقر لا يأتي الغابة إلا نادراً جداً ، ليتفقد عصفوره إن طال غيابه أو انقطع أثره.

-  11  -

بعيداً عن أبويه ، وشجرته الرشيدة ، تشبث العصفور بكل صغيرة وكبيرة تخص الطائر ، انطبع بطباعه ، رسمت كلماته حرفاً حرفاً على لوحة ذهنه الفتية ، وابتسامته طرزت باستحالة النسيان ، حفر اسمه في جوف العصفور ، ومع هذا كان يجد فراغاً غريباً يزيد كلما زادت توجيهات الطائر غرابة و شطت بالعصفور إلى الحيرة والشتات ، تصل به إلى الخوف  والقلق مما وراء ذلك ، لينتفض يوماً بعد عدد من الإرشادات الجديدة التي كان يذكرها الطائر منسوجاً بخيوط الصدق والإحساس الحقيقي لينفع عصفوره ، ويجد في غرس نهجه القويم في عقله ، كان يشعر بأن هناك ما يفصله عنه و أن فراقاً قريباً سيوصد دون علاقتهما الأبواب ، لهذا كان يجد و يكد في نصح صغيره :

- تقول دوماً كذا وكذا ، ولا أتصور شيئاً ، لا أفهم ، تزيدني حيرة وضياعاً ، تشتتني وتنسيني ما قيل قبلها .

علا وجه الصغير حزن ينم عن حيرة حقيقية

- ولم الحزن يا صغيري ؟ لو اخبرتني أنك لم تفهم  ، يهمني فقط أن تبتسم دوماً .

- أخبرني أنتَ الآن ، متى سنبدأ رحلتنا التي وعدتني بها ، و كيف عليّ أن أبدأ ، لا تُثقل علي ، ولا تتسبب في إحباطي وضعف همتي ، فإنك اليوم أملي الوحيد و صديقي الذي لم يكن لي  من قبل و من بعد  سواه !

-  سنعود لما كنت تقوم به سابقاً ، تعلو في كل يوم باتجاه القمة قليلاً ، ثم نزيد في اليوم التالي شيئاً آخر. هكذا بالضبط كما كنت مرتاحاً و قادراً ، وسأحملك على أجنحتي إن تطلب الأمر ذلك ، لا تقلق ستصل .

تهللت أسارير الصغير وعاد تفاؤله يتورد على محياه ومنقاره يشدو شكراً وعرفاناً !

-     12  -

مرت أيام التكاتف ، كثيراً ما كان يتعب العصفور ليحمله الصقر على جناحيه عالياً ثم يهبط به ثانية قبل أن تودي به سياط الرياح الباردة ، يلفه بجناحه ليصدَّ عنه لفحات الهواء البارد القوي  ، وإن اشتد به الجوع يلتقم أياً من الحشرات  التي تقع عينه عليها  ليسكت إزعاج أمعائه الفارغة ،ثم لا يلبث أن يكمل ويستمر.

وهكذا مر الوقت سريعاً جميلاً دون أن يشعرا به ، نسوا شيئاً يُدعى الزمن ، الأيام الليل أو النهار ، لم تعد تلك المسميات تعني لهم شيئاً ، كانوا يستوعبون حقيقة واحدةً فقط هي أنهم معاً ، حقاً  أجمل اللحظات ومطلق السعادة وألذها هو الوقت الذي تقضيه بصحبة من تحبهم ويحبوك ، يصدقون معك ، يرضيهم الفناء لذواتهم لتبقى أنت ، يذبلون لتتفتح نفسك وروداً في بساتين الحياة ، يضحون من أجلك بالكثير ، يضرون أنفسهم وينفعوك ، يجاهدون المحن ليكون محبوبوهم في سلام و هناء .. لكن إلى متى ؟!

وصلوا أخيراً قمة كانت حلماً يأسر فكر العصفور وخياله ، لمس الأماني بريشه الغض ، شهق طويلاً عميقاً ليملأ رئتيه الصغيرتين بهواء الهدف المحقق ، لم يشعر العصفور بشيء من الصعوبات التي كان يذكرها الصقر  في الغابة من الوهلة الأولى ، فقد كانت نشوة الوصول تحلل أمام ناظريه العناء ، وتبدد إرهاقه ليتسرب ويستقر كل ذلك في عظيماته الصغيرة ، تعب حتى وصل ، بذل جهداً يشق على معظم الكائنات ، لكنه بالفعل وصل !  في غمرة نشوته لم ينس أن يلتفت إلى الصقر الجليل ينحني له شكراً وإجلالاً :

- أخذت بيدي وقدمتني إلى مجتمع الجبال ، إلى عالم جديد ليس بغريب علي ، كنت دوماً أراه أمام عيني كما هي الحقيقة الآن .

-كان همي الوحيد هو إسعادك ،وقد تحقق لي فهنيئاً لكلينا بلوغ المرام.

-  13  -

مر الخريف بجو مضطرب ، كان الطعام على القمة فقط بعض ورود الجبال ، تعجب العصفور من حياتهم ، أذهلته طبيعتهم المفكرة والتأملية ، كم تأثر من كفاحهم  ، يهبطون الغابات كل يوم ويقطعون كل تلك المسافات الطويلة ليصطادوا ويرتعوا ، هذا إن وجدوا شيئاً و أمنوا قوت ذاك اليوم ، وإلا فالمحاولات تتوالى وتتكرر في اليوم التالي ، يالصبرهم وقوتهم !

  وأتى شتاء قارس يلوح في سماء الفصول ، يضيّق جفنيه ، يرمي إلى  الأفق كما لو كان ينظر إلى شيء بعيد لا يكاد يُرى  ، بدأ الجو يهدد العصفور الذي بدا عليه أثر التعب و أنهكه الطقس هناك ، هكذا الحياة تصنفنا إلى أماكن ومجموعات وبيئات ، ما إن تخلينا عن أقدارنا و أمّلنا النفس بما هو فوق طاقتنا حتى يكاد الوهن يفتك بنا، وقد يرمي بنا إلى ويلات وثبور!  رياح مزمجرة كانت تصفع كبرياء الجبال ، و تتحدى وهج الشمس الغائبة ، في أقل قوتها كانت تميل بالعصفور كلما كان بعيداً عن شيء يسنده يمنةً ويسرة ، يحركه كما لو كان يقفز على أطراف قدميه الضعيفتين ، يرميه كورقة مجعدة تتطاير في الهواء .

الصقر هناك في عشه العتيق جاثم بلا حراك كما لو كان جثة لكائن فقد الحياة في أعضائه والنَفَس في دمه ، متكوِّر  أشبه بأفعى ملتفة بطولها على نفسها . إنه يعلم بفقر الغابة في هذا الوقت من السنة ، فالأرانب مختبئة في بياتها ، و مثلها باقي الكائنات ، سيطول جوعه لا محالة .

بعض الحنين غلب العصفور ، هكذا تطاردنا الذكريات في أوقات الشدة والحاجة ، وتُلحُّ علينا الأطياف والرؤى في لحظات الضعف والمسكنة ، طيف شجرته لاح أمامه بحنان وهدوء ، شوق جرف فؤاده ، تذكر والديه عاتبهما في قرارته ، لو أنهم أحسنوا إيوائي ، و أدفؤوني في عشهم الجميل ، مرت خواطر سريعة في ذهنه لينتفض مسرعاً يختبئ في مكان أكثر أمناً ودفئاً ، مع حركته المتوترة تلاشى الطيف و ابتعد . حظ العصفور كان وافراً في تلك الظروف المقفرة ، أخذ يتمتم بمنقاره المرتعش من شدة البرد ، والجهل بمصيره في هذه المناطق الشاهقة :

- لحسن الحظ يسد جوعي القليل القليل ، وأياً كان نوعه ، أحياناً يكون لصغر الحجم فوائده ، لكن كيف الصقررررررررر ؟؟ كيف غاب عني الاطمئنان عليه ؟؟ ولعله يساعدني ككل مرة !

تذكر أن أكبر فرصة لتُدفِئه و تحويه قد يكون  صقره ، طائره الجبلي القوي ، ذو الجناحين الهائلين ، من أحبه وأسعده وأعلاه ورفعه حتى أوصله قمة الجبال ، حقق أمنيته ، وأحبه ، نعم بصدقٍ أحبه….

أما الصقر في مكانه يصارع آلام الجوع والبرد ، يحاول أن ينام ، تداعب عيونه بعض الغفوات فتوقظه دغدغة الجوع في أحشائه ، يستيقظ غاضباً متعباً …. بائساً ، إنه وقت يكرهه أكثر الكائنات

اقترب العصفور من عش الطائر الذي بناه بدقة في شبه مغارة نبتت فيها رغم أنف الشتاء ياسمينة بيضاء شهدت حباً بين طبيعتين مختلفتين ،شهدت لحظات البسمات السعيدة ، والصداقات الجميلة- ، وجده العصفور ملتوياً  هادئاً كان يظنه نائماً في سلام ، كم أشفق عليه العصفور كان يتوقع جوعه ،  لكن لم يكن يعلم أنه يتلوى من شدة البرد ، فريشه كفيل برد هجمات الريح.

لم يرد العصفور إزعاجه ، خشي أن يوقظه ، التفت خلفه يريد العودة إلى خارج عشه .

إلا أن الصقر أحس بحركته وسمع بعض تمتماته :

- نم يا صقري الحنون ، في سلام و هدوء ، إني أتلوى من البرد القارس ، لكني لن أزعجك قد أعود في وقت لاحق إن لم يكن البرد قد أودى بي حتى ذلك الحين .

غلب على الطائر الضخم غريزة في قرارته ، اشتد عليه الجوع ، لم يعد يعرف في أعماقه معانٍ كان بالأمس القريب ينادي بها ، ويلقنها للعصفور الصغير ، حفزه نقيق أمعائه المزعج بدأ لعابه يسيل من منقاره القوي ، كما وأصبح يتخيل للعصفور رائحة لذيذة !!

يبدي أي حراك ، لمحه في وشاح الضباب الذي لف حول الجبال عجلاً سميناً ، لا عصفوراً صغيراً.

لم يأخذ الصقر وقتاً طويلاً في تدبير أمره ، و اتخاذ قراره ، فقد عزم الأمر ، وعقد النية ، ولم يسمع هتافات الذكرى الجميلة في زاوية من زوايا نفسه .

بينما العصفور يبتعد شيئاً فشيئاً ، يواري بؤسه خلف خيبة أمله ، و حزنه على الطائر الجائع ، انقض عليه الصقر بمخالب وحشية ،كانت يوماً سلماً للعصفور إلى ظهره ليحلقا معاً سويا ، وغرس أنيابه في ظهر عصفوره البريء من كل شيء إلا حب وحشه الكاسر .

لم يدرك العصفور مايجري ، ولم يشعر بالألم ابتداءً ، فهول الصدمة وفجاءة الموقف شلت تركيزه وأبطلت تمييزه ، وجمّد الدم في عروقه الرفيعة ، هو يعلم فقط أن شيئاً ضخماً من الخلف قد وقع على ظهره بقوة كسرت سيقانه الضعيفة .

استنجد في صرخة عفوية بلا إرادة ، كصرخة الوليد لا يعرف مصدرها وسببها وكيف ومتى ..

-ساعدني يا صقري أرجوك ..

-ليس بعد الآن أيها العصفور الشهي !

وصلت نبرة الصقر إلى أسماع العصفور لتهدهد فؤاده وتهديه ترانيم السلام الذي كان ينظموه في عقد فريد يُلف حول قلوب المحبين ، صوتاً كان يُسمع أنشودة الصداقة بالحق المبين

رغم عدم وجود سواهم هناك لم يظن لبرهة أن الخطر وقع عليه من صديقه ، لكنه صوته ، منذ متى يخاطبني بهذه السخرية وهذا الجحود ؟!

استعداداً  ليأخذ مكانه مرتاحاً وهو يتناول وجبته الوحيدة منذ مدة طويلة ! لفه الطائر بجناحه الكبير حتى أدخله العش وضعه قريباً من الياسمينة ،

سقطت دمعة العصفور على أوراقها البيضاء الثلجية ، والياسمينة تشهد خيانة المبدأ و تهميش الأخلاق ، و افتراس الصديق المقرب ، لغريزة هاجت وماجت في قلب طائر كان يوماً عظيماً ومثلاً يُحتذى ، أطلقت الياسمين زفرتها ، وأسمع نشيج صوتها ونوح حزنها مسامع الصقر الجائع ، التفت إلى عصفوره الدامع المستسلم ، لم يؤلمه الوخزمن مخالب صديقه الحنون بقدر ما أوجع نوح الياسمين .

انتزع بكاء الياسمين العصفور وبكاء الصغير من بين مخالب الطائر المفترس ، ضعفت شهيته أمامهم قليلاً خبت أمام ذكرى عابرة لمرحلة قضاها بصدق مع صغير سلمه نفسه وقلبه وروحه يحلق بها كما يشاء ، يشكله بمعرفته ….كان خاطراً عابراً أسرع من ضميره وعيد مخيف :

-اذهب أيها العصفور ، وإياك العودة

-لكن .. ( لا يزال الألم في قلبه لا في جسمه الضئيل) لا زلت أجد عندك الحنو والراحة ، هناءي بين يديك

- أي حنو وراحة أيها المغفل تتحدث عنهما ، إن عدت لن تفلت من مصير محتوم هذه المرة …ارحل سريعاً

ربما كان الصقر يخشى أن يضعف أمام شهوة عارمة لا يملك نفسه أمامها ويريد للعصفور الخلاص بحق ( الصدق ) يوماً ما

أخذ العصفور يجرجر نفسه بصعوبة من تحت جناح الطائر الثقيل ، ساقاه لا يحملانه ، وظهره من أثار النقر أصبح شبه مثقوب ، تشوه كثيراً وفي قلبه أكثر من ذلك :

- وداعاً يا ياسمين النجاة ، واشهدي إلى يوم الخلود أن القوي يأكل الضعيف ، لا يرحم أحدٌ أحدا ، لا يرحم أحد أحدا !!

وداعاً يا طائري الحبيب ، صديقاً قريباً سيبقى في فؤادي متربعاً عرش مثالية الكمال ، رغم كل شيء ، رغم الخيانة .

وهو يخرج من أخر جزء لفه من جناح الصقر شهق شهقة الحسرة :

-كم كنت أتمنى أن يدفأني هذا الجناح ، أتيت إليك لتلف كلا جناحيك حولي ، تضمني إلى أحضانك ، تقيني شر الكون وتحميني من ضعفي و نفسي ..

بعد عناء تكبده  العصفور طويلاً ، فقد اختبأ فترة الشتاء بين طيات الصخور في تلك الجبال ، إلى أن بدأ لون الربيع ينبت في كل مكان ، يذوب الثلج إلى السيول من جديد ، ليصل إلى نهر الغابة .

خرج العصفور من بين تلك الصخور يهبط ببطءٍ شديد على بطنه زاحفاً ، حتى وصل سفح الجبل إلى وادٍ مليء بالياسمين ، خفق لمرءاها فؤاده الجريح ، ودمعت عيناه خسارته و حسرته ، نظرهُ الوادي بأكمله  الشفقةَ والأسف، أتراها تعلم قصة العصفور الحزين ؟

كثيراً ما تتراسل من أفئدتنا إلى من هم مثلنا رسائل مشتركة ، تبعدنا المسافات  إلا أن رسائل القلوب تصل ، تؤصل المشاعر و توحد الموقف ، فالياسمين في الوادي وصلها

نوح الوحيدة الحزينة هناك في قمة الجبل ربما مع الريح أو على بساط الأشعة الذهبية للشمس ، لتبكي .

وصل العصفور إلى شجرته ، حيث عشه العالي ، لكن كيف سيصل إليه ؟؟

نادته الشجرة وهي ترى حاله :

-عصفوري العاق ، عدت أخيراً؟؟

-نعم ،إن كنتِ ستحويني من جديد!

صمتت الشجرة وأخذتها الشفقة كل مأخذ ، كم آلمها أن ترى العصفور الشجي الجميل العذب ، الذي أسر الغابة كلها ومن يمر بها قد استحال إلى  مشوه معتوه ، لا يقوى على الحراك إلا بشق الأنفس.

- تعال يا عصفوري الصغير ، لن أهبك للهموم ولن أذيقك أكثر مما أرى عليك من آثاره ، لن أسألك  عما جرى ، لن أزعجك يا صغيري ، فإني أرى ما لديك من الهم يكفي .

- ببساطة يا شجرتي الرشيدة لأني لم أتبع نصحك ، أكلني القوي لأني الضعيف ، ولم يرحمني .نسيت نفسي ،لم أنتبه لها ،  لكن أتعلمين ، لا ألومه .

كان جائعاً جداً !

- أتجد له عذراً في افتراسك ؟

-كفى بربك ، ألم تقولي أنك لا تستطيعين ولعلك لو استطعتِ لفعلت؟؟

سكتت الشجرة مذهولة ، أين ذاك العصفور الهادئ المهذب ، قاطع تفكيرها اعتذار العصفور .

استقر  في عشه لا يغادره حتى تعافت ساقه والتأمت جراح ظهره ،لكن منظره ظل مشوهاً جماله الذي كان منذ أقل من عام مضرب المثل .

أخذت الغابة تستعيد الذكريات ، فقد كانت نسيت العصفور منذ غادر أول مرة مع الطائر

لكن ها هي الكائنات اليوم تعود لتنشط الأحداث ، وتمرغ مسامع العصفور في تراب الذكريات .

ولن يأخذ هذا وقتاً طويلاً فما هي إلا حرارة الحدث حتى يبرد وهج الشوق لسماع الأحاديث وتناقلها ، حين يصبح الخبر  قديماً !!

نست كل الغابة قصة العصفور ، حاول العصفور نسيان ماألم به ، تحايل على آلامه ، اختلط بأهل الغابة من عصافير و نباتات ، لكنه كان كثيراً ما يأوي إلى وادي الياسمين ، تشده رغبة ملحة ، تبثه أحزان الماضي ، والشوق و فيض الحنين .

بعد أعوام لمح العصفور صقره في مكان ما بين الجبال ، عاد إلى هناك يمكث طويلاً بصمت وهدوء ، متاملاً كما كان يفعل من قبل ، لكن هذه المرة معه من الصقور الصغيرة ما أكد للعصفور محوه من ذاكرة الصقر ، فقد انفرد بحياةٍ  مع أقرانه ، وها هو يأتي بصغاره ، كي يعلمهم ما علم العصفور يوماً .

تساءل والعبرة تخنقه

هل سيكون للخيانة حظ بين الدروس ؟؟

صورة  ronyda's
User offline. Last seen 6 أيام 11 ساعات ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 03/09/2009

بسم الله الرحمن الرحيم


تحية طيبة اخت هدية

بالرغم من طول القصة ( نسبة الى غالبية المواضيع ) الا اني لم اشعر بنفسي حتى انهيتها .

اسلوب رائع , والمغزى اروع ( حسب ما فهمت ) , سلمت يداك .....

لا اخفيك ان اسم هدية شدني اكثر لقراءة النص .


شكرا لك وسلمت لكوليلك

User offline. Last seen 5 سنة 13 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 08/08/2010

كما قالت أختي رونيدا

لم أكن أشعر أني أقراها

لأني كنت مندمج فيه وكأني أشاهد 

فلم رعب لأنو كنت مندمج فيها لدرجة

ما بتتصور

يسلمووووووووووووووووووووو

النار تحرق وتضيء؛ فأين هو الحد الفاصل بين اللهب والضياء؟

صورة  sojye strinerm's
User offline. Last seen سنة واحدة 1 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 12/01/2010

أيها العصفور كفاك ألما".. فقلبك الصغير لم يخلق لهذا .. هل تألمت من الخيانة ..

أتحاسب نفسك على ما لم ترتكب .. على أخطاء الآخرين ؟ بربك ..

هناك دائما" من لا يتركون لأنفسهم مجالا" للأعذار .

تقول الأسطورة:

أن ذاك الصقر كان قبل ذلك قنفذا"

     (انظر اشواك الاخلاص )  http://kulilk.com/portal/?q=node/10198

و ما لا يدريه الكثيرون أنه كان قبل ذاك ثعلبا" !! .. شيء لا يصدق أليس كذلك و لكن هذه هي الحقيقة.

تتابع الأسطورة :

عندما كان في ريعان شبابه حلم بتغيير العالم فجمع من العلم و العمل و الصدق و الاخلاص ما ظن أنه كاف لتغييره و لكنه يوما" بعد يوم دب اليأس في قلبه و عقله ملقيا" مسؤولية فشله على جميع المخلوقات حوله و شيئا" فشيئا" صار يكرههم و يمقتهم أشد المقت لعجزهم عن مجاراته حتى أنه أعتبرهم أقل مرتبة من الحيوانات .. فاعتزلهم .. و هو يحاول أن ينتقم لنفسه..

فإذا وجد عصفورا مميزا" مثلك -عصفوري المسكين - أراد الاقتراب منه .. ليقيم عليه الحجة و يحاول افتراسه بعد إدانته التي حصلت سلفا"

لقد اكتشف قوة العلم و الصدق و الاخلاص و لكنه سخرها جميعا" .. بعد يأسه ..  للانتقام

و تتابع الاسطورة:

هذه كانت حال الشيطان  .. فالعلم و الورع و الصدق و الاخلاص لم ينهوه بعد اليأس من الانتقام و عندما يأس الصقر المزعوم دخل إليه الشيطان و حوله إلى ثعلب ماكر أشد ما يكون المكر فهو قادر على التحول إلى أي شكل يريد إلى قنفذ أو صقر أو  أو حتى إنسان يجاري الأنبياء تقوا" و ورعا" و ذكاء" و صبرا"و إيثارا" و يتحول  عندما تحين الفرصة إلى أشد الذئاب ضراوة

 أشكاله الأخرى لا يراها إلا من ذاق أشواك الغدر بعد الاخلاص. و هم كثيرون و جميعهم من العصافير المميزة .

كل القمم التي أخذ الآخرين إليها كانت سرابا " فمن يصلها حقيقة لا يغدر و لا يتعدى حدود المبادئ التي رسمها لنفسه و غيره ... و قد كان يستطيع أن يسد رمق غريزته بقوة جناحيه و رجاحة عقله و سنن الطبيعة من حوله بطريقة لا تؤذي الآخرين أشد الايذاء .. لماذا من أعطوه الأمان .. لماذا العصافير المميزة ..  ...     .

الكلمات الصادقة تدخل القلوب ..

لك وردة ........................ فقلبك مليء بالشوك مثلي .................. DIYARÎ

 

stiryê min diyarîne jibo ê jiwan hezdikim

صورة  sojye strinerm's
User offline. Last seen سنة واحدة 1 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 12/01/2010

من ناحية أخرى:

كلمات تنساب مع الرياح و تنساق مع الجداول و تتمايل مع الأزهار و الرياحين تدخل النفس مع النفس و تتغلل الى العقل و القلب فتخلق لهما النعيم و الجحيم معا"

أحسنت إذ اختصرت كل هذا الجمال في هذه الصفحة و كل تلك المشاعر و الأفعال المتقاربة و المتضاربة .. المتآلفة و المتصارعة .. بين العبقرية و الجنون بين حب القمم و السقوط تحت صنم الغدر و الخيانة .. في قصة قد تبدو لأول وهلة بسيطة كبساطة المنظر الطبيعي ... و لكنها تحوي من الدقائق  ما يعجز عن ملاحظته إلا ذو ذائقة ( بالاذن من gul )

و أنا هنا و قد هميت تلقاء ............... سأترك الباقي لها

stiryê min diyarîne jibo ê jiwan hezdikim

مشترك منذ تاريخ: 23/12/2005

كم يخسر الإنسان بالبعد عن أحبائه ...!!

صباحكم سعد وسرور

مشترك منذ تاريخ: 27/09/2007

حاولي ألا تخسريهم اذن
يسعد صباحك

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

علمتنا الحياة أن ندفع ثمن كل ابتسامة سيلا من الدموع

مشترك منذ تاريخ: 23/12/2005

ليس ذنبي ..
كم من إقامة جبرية وسجن مقيت تنفره حتى الأشباح
تقيد القلب الحزين

فلعلهم لن يفرطوا بي وإن غبت عنهم

صباح الخير أحبائي