مقتطفات من أعمال الكاتب نيكولاي غوغول

لا يوجد ردود
User offline. Last seen 8 سنة 48 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 04/08/2010

-مذكّرات مجنون
                                                                             13 تشرين الثاني
"عزيزتي فيدل! اعذريني على أنّني لم أكتب لك منذ زمان. كنتُ في نشوة غامرة. كان أحد الكتّاب على حقٍّ تام, حين قال: الحبُّ عمر ثانٍ. كما أن بيتنا يشهد الآن تغيّرات كبيرة. ضابط القيصر يزورنا الآن كل يوم. و صوفيا مغرمة به إلى حدّ الجنون. و بابا مرح جداً. كما أنّني سمعتُ من خادمنا غريغوري الذي يكنس أرضيّة البيت, و يتكلّم مع نفسه دائماً تقريباً, أنّ العرس سيكون عن قريب, لأنّ بابا يريد بالتأكيد أن يزفّ ابنته إلى جنرال أو ضابط قيصر أو عسكري برتبة مقدّم..."
 
اللعنة على الشيطان! لا أستطيع أن أقرأ أكثر... كل شيء إمّا ضابط قيصر أو جنرال. كل ما هو أفضل في الدنيا من نصيب ضبّاط القيصر أو الجنرالات. ما أن تجد لنفسك غنيمة صفيرة, و تتصوّر أنها في متناول يدك, حتّى ينتزعها منك ضابط قيصر أو جنرال. اللعنة! كم أودُّ لو أكون جنرالاً, لا لأخطب يد فتاة أو غير ذلك، بل أودُّ أن أكون جنرالاً لغرض واحد فقط، و هو أن أرى كيف سيحومان حولي و يقومان بكل تلك الدسائس و المناورات التي يقوم بها رجال القيصر. و بعد ذلك أقول لهما: بصقة على كليكما. تخطفكما الشيطان. خسارة! مزّقتُ رسائل الكلبة الحمقاء إرباً.
 
                                                                              3 كانون الأول
مستحيل. أكاذيب! لن يحصل عرس! ماذا يعني أنّه ضابط قيصر. هذا لا أكثر من مباهاة. ليس شيئاً مرئياً يمكن أن يلمس باليد. و إن يكون ضابط قيصر, لا يعني أن تكون له عين ثالثة على الجبين, و أنفه ليس مصنوعاً من ذهب, بل مثل أنفي, و أنف أيّ إنسان, يشمّ به لا يأكل, يعطس به لا يسعل. كم من مرة أردت أن أتوصّل من أين تأتي هذه الفروق؟ لماذا أنا ملاحظ أوراق؟ و بأيّ موجب أنا ملاحظ أوراق؟ ربما أنا كونت أو جنرال, و لكن أبدو ملاحظ أوراق؟ ربما أنا نفسي لا أعرف من أنا. و كم في التاريخ من أمثلة على ذلك! إنسان بسيط, و ليس من سلالة نبلاء, مثلي, مجرّد عامّي من أهل المدينة أو حتّى فلّاح, و فجأة يُكتشَف أنّه من عليّة القوم و أحياناً حتى قيصر. أحياناً يطلع من ريفي ما لا يمكن أن يطلع أحياناً من نبيل؟ فلو ألبس مثلاً بزّة جنرال و على منكبي الأيمن كتّافية, و على منكبي الأيسر كتّافية, و عبر صدري وشاح أزرق, فماذا سيكون؟ عندها ماذا ستقول حسنائي تلك؟ و ماذا سيقول باباها, مديرنا؟ أوه, ذلك المغرور الكبير! إنّه ماسوني. ماسوني بالتأكيد, و لو أنّه يتظاهر بهذا أو ذاك, و لكنني فطنت في الحال أنه ماسوني: فهو إذا قدّم لأحد يده, لا يمدّ إلا إصبعين. ثم ألا يمكن أن تخلع عليّ فجأة رتبة جنرال حاكم ولاية, أو مموّن عسكري أو رتبة من تلك الرتب؟ أودّ أن أعرف لماذا أنا ملاحظ اوراق؟ و ملاحظ أوراق بالذات؟
 
                                                                       86 اذا تشرين. بين الليل و النهار
آه, من تلك المخلوقة الكريهة, المرأة! الآن عرفت ما هي المرأة. قبل هذا الحين لم يكن أحد يعرف من تعشق المرأة, أنا أول من اكتشف ذلك. المرأة تعشق الشيطان. نعم, من غير مزاح. الفيزياويون يكتبون سخافات, عن كونها كذا و كذا. إنها لا تحبّ إلا الشيطان. انظروا, إنّها توجّه نظارتها اليدوية من مقصورتها في الطابق الأول. هل تظنّون أنها تنظر إلى ذلك السمين ذي الوسام؟ لا, أبداً. إنها تنظر إلى الشيطان, الواقف وراء ظهره, ها هو يتخفّى في فراكه. و الآن يشير لها بإصبعه من هناك! و ستتزوجه, تتزوجه حتماً. أمّا آباؤهنّ ذوو الرتب, هؤلاء جميعاً, كل هؤلاء الذين يتذلّلون و ينسلّون إلى البلاط, و يقولون إنهم وطنيون و ما إلى ذلك, فإنهم يريدون منافع. هؤلاء الوطنيون يريدون منافع. إنهم يبيعون الأم و الأب و الرب لقاء فلوس, هؤلاء المغرورون, باعة المسيح.
 
 
 
-          شارع نيفسكي
دنيانا عجيبة! كنت أفكر في ذلك و أنا أتمشّى في شارع نيفسكي يوم أمس الأول, و ما أغرب لعب القدر بنا, هذا اللعب غير المفهوم! فهل سنحصل في يوم ما على ما نصبو إليه؟ و هل سنبلغ ما يبدو و كأن قوانا قد أعدّت له خصيصاً؟ كل شيء يحدث بالعكس. من حباه القدر بجياد رائعة, ينطلق عليها غير مكترث, و غير فاطن إلى جمالها قط, بينما الذي يلهب قلبَه حبُ الجياد يسير على قدميه, و يكتفي بالتمطّق بلسانه, حين يمرّ به جواد عدّاء. مَنْ يُعطَى طاهباً ماهراً, يكون فمه صغيراً, يا حسرة, لا يستطيع أن يمرّر به أكثر من لقمتين, بينما الذي له فم كبير بحجم قوس الأركان العامة مضطر, واأسفاه, إلى أن يقتصر على غداء زهيد من البطاطس. آه, ما أغرب لعب القدر بنا!
 
و لكن أغرب الحوادث كلها, هي التي تحصل في شارع نيفسكي. أوه, لا تصدّقوا بشارع نيفسكي! دائماً حين أسير فيه, أحكم شدّ معطفي على جسدي, و أحاول أن لا أنظر أبداً إلى الأشياء التي أصادفها. كل شيء خداع, كل شيء وهم, كل شيء ليس بالشكل الذي يبدو فيه. هل تتصورون أن ذلك السيّد الذي يتنزّه في سترة حسنة التفصيل غنيّ جداً؟ لا, قطعاً. كلّ قيمته في سترته. هل تتصورون أن ذينك السيّدين البدينين اللذين توقّفا أمام دير في طور البناء يتناقشان في معمارها؟ لا, أبداً. بل يتحدّثان عن الطريقة الغريبة التي حطّ بها غرابان أحدهما مقابل الآخر. هل تظنّون أن هذا المتحمّس الذي يشمّر بذراعيه يحكي كيف أن زوجته ألقت شيئاً من النافذة لتثير انتباه ضابط غريب عليه تماماً؟ لا, قطعاً. إنّه يتكلّم عن لافايت (شخصية سيلسيّة فرنسيّة من القرنين الثامن عشر و التاسع عشر). و تظنّون أن هذه السيّدات... و لكن صدّقوا بالسيّدات أقلّ من أيّ شخص آخر. و قلّلوا من النظر في واجهات المخازن, فالخردوات المعروضة فيها رائعة, إلا أنها تنذر بكمّية رهيبة من أوراق النقد. و لكن الله يحفظكم من النظر في وجوه السيدات تحت القلنسوات! أنا لن يثير فضولي أبداً رفيف معطف حسناء من بعيد, و لن ألحقها! ابتعدوا, ابتعدوا عن مصباح الشارع بحقّ الربّ, و اجتازوه أسرع ما في مستطاعكم, فسيحالفكم الحظ إن نجوتم منه بتلطيخ ستراتكم الأنيقة بزيته العفن فقط. و لكن الخداع يلفّ كل شيء, لا المصباح وحده. إن شارع نيفسكي هذا يكذب طوال الوقت, و لكنّه يكذب بشكل خاص حين يكلكل الليل عليه بجنحه الكثيف, و يفصل جدران البيوت اليضاء و الفاتحة الصفرة, حين تتحوّل المدينة كلها إلى هدير و لمعان, و تسرح آلاف مؤلّفة من العربات من القناطر, و يصيح مساعدو الحوذيّة, و يتواثبون على الخيول الأمامبة, و حين يوقد الجنّي نفسه المصباح لا لشيء, إلا ليجعل كل شيء يبدو في غير صورته الحقيقيّة.