هناك عبر الزمن رجال و رجال عاشوا قبلنا بقرون .....
لكنهم بثاقب فكرهم ، و توقد بصيرتهم ، نظروا الى عدة قرون من بعدهم ، فرأوها بوجهها الآخر ، الذي لا يدعو الى الراحة إليها كثيراً ...
و من هؤلاء الأفذاذ : ( أبو العلاء المعري ) ....
الذي قال :
تعب كلها الحياة فما أع.......... جب إلا من راغب في إزدياد
تعب كلها الحياة _ بيت شعر _ قاله شاعر ، أو _ كلمة _ أطلقها فيلسوف
كان أعمى البصر ، و لكنه لم يكن أعمى البصيرة فيما أحسب ....!!
يا ترى ماذا كان سيقول : ( أبو العلاء ) لو إمتد به العمر حتى زماننا هذا ؟!
إذا كان قد عاش قبل ثلاثة عشر قرناً ، و إشتكى من الحياة ، مع العلم بأن الحياة في زمانه كانت أسهل ، و أيسر ، لخلوها من التعقيدات :
( المعنويه و الماديه ) .....
فكيف لو عاش و هو هنا يتاخم و الكثير يكافح الحياة ، و يصارع من أجل البقاء !!
............. كان احدهم يأكل متى جاع ، و متى إشتهى ، و ينام متى أحس بالتعب من غير أن يوقظه منبه بشري ، ناهيك عن منبه آلي
يسافر و يقيم كلما أراد ذلك من غير قيود معينه ، و كان يقول كلمة الحق أينما وجد من غير أن يخاف في الله لومة لائم ، فلا الصحف تترصد له ، و لا الكاميرات تلاحقه ....
أما اليوم و قد أصبح طعامه في علب ، و شرابه في قوارير معبأة ، و نومه أسير حبة مخدره ، و يأكل و يشرب و هو مرغم ، فكيف تريد منه أن يشم رائحة السعادة ، أو أن ينام قرير العين هانيها ، أو يأكل لقمة سائغة ..
و كان بالأمس يقول :
خبز و ماء و ظل .................. هذا النعيم الأجلَّ
جحدت نعمة ربي ............. إن قلت إني مُقِلَ ...!
أما اليوم فإنه يقول :
و لو لا المزعجات من الليالي .............. لما ترك القطا طيب المنام !
و قول قد يراود الكثيرين :
إن آبائنا و أجدادنا ذهبوا بكل ملذات الدنيا ، و مباهج الحياة ، و تركو لنا كل أنواع العناء و الشقاء ...
رجاء أن لا أكون متشائمة على قدر ما هو واقع نعيشه !!
لا شك نظرة : أبو العلاء ستكون جديره بالأخذ بها ، و تأملها كلما تمادى بنا الزمان ...
و كلما طال شأوه ...
أية حياة تلك و الموت راصدنا !! ، فاوالله لو غدت الدنيا الى جنات النعيم ، و نُسفت أسباب التعاسه بين جنباتها ، يكفي حضور الموت ( هاذم اللذات )
و هو الذي لم يدع لذي لب تَدبرَ إنقضاضه ، راحة بال ، و لا هنيئ عيش ...
................... و ما الحياة عند الله إلا بحجم جناح بعوضه ، و إلا لما سقى الكافر جرعة ماء ...!


تعب كلها الحياة ,, و مع ذلك فقد حببت إلينا رغباتها و ملذاتها , بل إن الحياة لتهنئ ويطيب لنا الإنغماس كلما شعرنا بثمار التعب الذي نكد و نجد من أجله , يقول شاعرنا : إن الحياة حبتك كل كنوزها ,, فلا تبخلن على الحياة ببعض ما ... وكلما تطورت وتيرة الحياة وتصاعدت صعابها وتزايدت مشاغلها تكون أكثر طلبا بل يكون من الكمال أن نصل إليها جميعها ونشقى في سبيل الحصول على شيئ منها , وغاية الشقاء هو منتهى السعادة حيث لا يحلو أي أمر إلا إذا أتى بعد عناء ,, آاااه تعب كلها الحياة ولا تحلو الحياة إلا بالتعب ,... كل الشكر أختنا الغالية ( gul ) و دمت بكل خير
علمتنا الحياة أن ندفع ثمن كل ابتسامة سيلا من الدموع